النمل : كائنات صغيرة لكنهم حكام عالم الحيوان بلا منازع

النمل ذلك الحيوان الصغير المعروف بالصبر والعمل الجماعي كثيرًا ما شغل بال علماء الحيوان، وحاولوا التعرف على أسراره وسبل بقاءه على قيد الحياة التي نعرض بعضها.

0 868

النمل حيوان ضعيف وصغير للوهلة الأولى، ودائمًا ما ارتبطت لدينا الصورة البديهية للقوة بالحجم والكتلة العضلية والقوة الجسدية، لكننا بعد تفكير قررنا أن هناك العديد من الأشياء التي بإمكانها التغلب على القوة العضلية والجسدية حتى أن هناك مقارنةً مضحكةً دومًا تجري بين الكتلة العضلية للإنسان المعاصر والإنسان القديم معتبرين أن جسد الإنسان القديم كان أكبر من رأسه لأنه كان يعتمد على قوته أكثر من ذكائه، ومع تطور العصر بدأت تقل كتلته العضلية وحاجته لها كلما زاد ذكاؤه واعتمد عليه أكثر، ويرسم بعض الفنانين كاريكاتير يصور الإنسان المستقبلي بجسدٍ نحيلٍ وهزيل ورأسٍ كبيرٍ جدًا كنايةً عن زيادة معدل ذكائهم وتغلبهم على قوتنا وذكائنا مجموعين به.

كذلك الأمر في عالم الحيوان صحيح أن الأسد مثلًا هو ملك الغابة وله قوةٌ باطشة ورهبةٌ تقشعر لزئيره أجساد بقية الحيوانات على إثرها، لكن هل تخيلت أن الأسد من الممكن أن يصبح ضعيفًا وفريسةً سهلة المنال أمام حشرة! ليست أي حشرةٍ وحسب وإنما هم معشر النمل اللذين حصلوا لأنفسهم على مكانةٍ متميزةٍ في الطبيعة وسط دهشة العلماء وذهولهم، بل إن فصائل الحيوانات كلها من الممكن أن تنقرض فلا يتبقى صامدًا سوى النمل ومستعمراته وتسير بهم الحياة كأن شيئًا لم يكن.

أسرار ربما تعرفها للمرة الأولى عن النمل

عن النمل

المثير للدهشة أن النمل رغم كونه كائنًا حشريًا يعتبر بسيطًا ولا يدخل ضمن تصنيف الحيوانات الراقية إلا أنه استغرق من الإنسان وقتًا كبيرًا حتى يفهمه ويستوعب الطريقة التي يعيش بها والذكاء الذي يتعامل به، ومع القليل من المراقبة اكتشفنا أن النملة الواحدة قد تصبح بطلًا صغيرًا لا نلاحظ وجوده، أما جماعة النمل معًا فهم قوةٌ عاصفةٌ لا يستطيع أي كائنٍ حيٍ آخر أن يتصدى لها!

من أهم قدرات النملة الواحدة هي قوتها فالنملة تستطيع أن تحمل مثل وزنها 100 مرة وتسير به ببساطة، بل أنها قادرةٌ على حمل ذلك الوزن والسير به رأسًا على عقب على سطحٍ أملسٍ تمامًا من الزجاج، ويرجع ذلك إلى قدرةٍ في أرجلها تجعلها رطبةً بسائلٍ معينٍ يتيح لها سهولة الثبات على الأسطح بدون أن تهتز من مكانها في وجه أقوى العواصف أو تحت أكبر الأوزان.

كما أنها برغم صغر حجمها قادرةٌ على السير لمسافاتٍ مهولة دون تعب باعتبارها واحدة من أكثر الكائنات الحية نشاطًا وطاقة بلا كللٍ أو تعب واستنادًا على هذا كان من الطبيعي أن تستهلك كمياتٍ ضخمة من الطعام فبحسب الدراسات فإن مستعمرةً واحدةً وحسب من النمل تستهلك في العام الواحد كميةً من اللحم والبروتين تعادل التي تستهلكها الأسود والنمور والذئاب مجتمعة! وإن كان ذلك قادرًا على إعطاء النمل اسمًا فسيعطيه اسم أكثر آكلي اللحوم نهمًا وشراهةً في البرية!

النقطة المهمة والرئيسية في نجاح مستعمرات النمل ونجاحهم هم أنفسهم ككائناتٍ حية استطاعت أن تسود هذا العالم بصمتٍ دون أن يشعر أحد هو قانونٌ فطريٌ لديهم ينص على أن حياة النملة الواحدة لا قيمة لها والأهم دائمًا هي حياة المستعمرة ومستقبلها واستمرارها، وعلى هذا فالمجهود الفردي لا أهمية له وإنما كل شيءٍ يتم من خلال نظامٍ تعاونيٍ اجتماعيٍ متكامل ولا وجود للإنجازات الفردية على الإطلاق، كل نملةٍ لها دورها الذي لا تحيد عنه ولا يخبرها أحدٌ به أو يحثها على إنجازه وإنما تعرفه هي بفطرتها وتؤديه طوال حياتها بلا تعب.

تعامل النمل مع الكائنات الحية المحيطة به

بشكلٍ مبدئيٍ يوجد عشرات آلاف الأنواع من النمل تعيش في هذا العالم بكل الأحجام والألوان والأنواع وتتأقلم وتتعايش في كل أنواع البيئة والمناخ المختلفين وبين أي نوعٍ من أنواع الحيوانات، وباختلاف أنواعها وفصائلها تختلف قدراتها وخطورتها من سلميتها وطريقة تعاملها مع الكائنات الحية المحيطة بها ووسائل حمايتها لمستعمراتها وصدها لأي خطرٍ أو هجومٌ يُحدق بها.

لكن الذي أثار دهشتنا أننا وجدنا النمل هو الكائن الحي الوحيد بجانب الإنسان الذي ينشئ علاقات منفعةٍ مع كائناتٍ حيةٍ أخرى مع سبق وعيٍ ودرايةٍ بتلك العلاقة ويكون هو صاحب اليد العليا فيها، مثله مثل البشر عندما يوظفون بعضهم البعض أو عندما يستخدمون الحيوانات لمنافعهم وقضاء حاجاتهم.

من أشهر تلك الأمثلة كان نوعًا من النمل يستغل نوعًا آخر صغيرًا من الحشرات التي تشبه الخنافس والنمل أقوى منها وقادرٌ على سحقها أو التهامها في أي وقتٍ شاء، لكن الخنافس تستسلم لهذا النمل وتترك له يد السلطة ومهمة حمايتها من أي كائنٍ آخر يشكل خطرًا عليها مقابل السكر، فتلك الخنافس تنتج أجسادها سائلًا سكريًا مليئًا بالفيتامينات يتغذى النمل عليه ويستعبد الخنافس ليضمن حصوله على مصدرٍ متجدد من ذلك السائل.

بعض النمل الصغير الآخر لجأ للمكر والخداع عندما استغل النباتات المفترسة وهي النباتات التي تنصب شركًا لبقية الحشرات عن طريق أنها تفوح برائحةٍ تجذبها ثم تسقط الحشرات في سائلٍ هاضمٍ في قلب النبتة، يعيش النمل في ساق تلك النبتة ويحميها من الفيروسات والعدوى ومقابل ذلك يلتهم الحشرات التي تموت في شرك النبات وذلك لقدرته الاستثنائية على السباحة والتعلق بجوانب النبات دون الانزلاق.

التواصل بين النمل للحفاظ على النظام

تقوم حياة مستعمرات النمل على مثلثٍ رئيسي أحد أضلاعه النظام والضلع الآخر التخصص في العمل والضلع الثالث يُعرف بالتواصل وهو الأهم على الإطلاق، فالنمل لو فقد وسيلة تواصله مع بعضه البعض لانهارت حياته كلها ودائمًا ما يكون همه الأول عند فقد التواصل هو استعادته بسرعة لأنه غير قادرٍ على ممارسة أنشطته العادية بدونه.

التواصل الرئيسي في حياة النمل هو التواصل الكيميائي الذي يتم عبر الرائحة، حاسة الشم لدى النمل قويةٌ جدًا وتستطيع التفرقة بين أنواعٍ مختلفةٍ من الرائحة لنملةٍ واحدة وعليه تتحدد الكثير من أنشطة المستعمرة كلها مثل موعد طيران الذكور والإناث الناضجين وحالة الملكة الصحية واقتراب وضعها للبيض أو اقتراب موتها، وبينهم وبين بعضهم البعض يعتمدون على رائحة الخطر أو وجود الطعام أو جودة وكميات الطعام أو الإحساس بالضياع وفقد الاتصال.

عندما تسير النملة في مسارٍ معين فهي تنثر رائحةً إما متصلة أو متقطعة عن طريق لصق بطنها بالأرض وهي تسير وتستطيع بقية النملات شم تلك الرائحة وفهم الرسالة التي تتضمنها والعمل على أساسها، ويسير النمل وراء بعضه في صفٍ تميزه الرائحة يستدلون به على وجهتهم وطريق ذهابهم وعودتهم، وتنفعهم الرائحة كثيرًا في حالة البحث عن مأوى جديد أو عن مصدر غذاءٍ غني.

برغم كون الرائحة والمواد الكيميائية من أهم وسائل التواصل لدى النمل إلا أنها ليست الوسائل الوحيدة فهناك وسيلةٌ أخرى مميزة تُعرف بالغناء ولا يستخدمها النمل إلا في حالة إيجاد طعامٍ غنيٍ وعالي الجودة، عندها تصدر النملة تردداتٍ من رأسها تشبه لحن الأغنية وينتقل الغناء من رأسها إلى قدميها إلى الشيء الذي تقف عليه وتستطيع بقية النملات استقبال الرسالة عبر أرجلهم فيتوجهون لمكانها ويساعدونها في حصد الطعام.

عند وجود الخطر كيف يتعامل النمل

لسنا نبالغ إن قلنا أن من الصعب أن تجد شيئًا يهدد النمل بشكلٍ مباشر فقانون عدمية الفرد وأفضلية المستعمرة يجعل تهديدهم ووجود خطرٍ فتاكٍ عليهم شبه مستحيل، تقريبًا لا يوجد شيءٌ في الطبيعة قادرٌ على تهديد النمل مثل النار لأنها عندما تشتعل قرب المستعمرة لا يعبأ النمل بالأدخنة المتصاعدة حولهم أو بالحرارة المتزايدة فيستمرون في عملهم الروتيني حتى تلتهمهم النيران وتلتهم مستعمرتهم وتقضي على الروائح الكيميائية وتقطع خط التواصل بينهم، لكن النمل الناجي بعد أن تخمد النيران يدور في حالةٍ من الفوضى باحثًا عن آثار التواصل والمستعمرة القديمة ويعيد بناءها مرةً ثانية.

الدببة مثلًا واحدةٌ من الحيوانات التي من الممكن أن نعتبرها خطرًا لأنها تحب نبش مستعمرات النمل وأكله لكن ذلك لا يدوم طويلًا لأن النمل ما إن يشعر باقتراب أي كائنٍ حيٍ آخر يبدأ برش حمضٍ قويٍ في وجهه يجعل الدب يهرب ويبحث عن مصدر طعامٍ أو تسليةٍ آخر.

بعض المشاكل قد تهدد المستعمرة كانهيارها أو تدميرها على يد أي حيوانٍ أو كائنٍ حيٍ آخر عندها يبدأ النمل بنفس النظام الفطري في اتباع خطة الطوارئ وهدفه كالمعتاد ليس حماية النملة العادية وإنما حماية النوع والجماعة، أول ما يقومون به هو نقل البيض الصغير لمكانٍ بعيدٍ وآمن لأنهم مستقبل المستعمرة والجيل الجديد القادم فيها ويجب أن يكونوا في أمان، بعدها يأتي دور نقل النمل الطائر الذي لم يبلغ بعد وتشرف نملتان أو ثلاثة على نقل كل نملةٍ من ذلك النمل مع ضمان ألا يستخدم أجنحته لأن الوقت المناسب لم يحن وهم مستقبل بقاء الفصيلة.

بعد ذلك يأتي الدور الأهم وهو البحث عن مستعمرةٍ جديدة وعندها يبدأ النمل الباحث في الانتشار في كل مكان وترك مساراتٍ كيميائية من الرائحة تهدي رفاقه للطريق وتخبرهم أنه لم يجد شيئًا هنا أو أنه وجد شيئًا يريدهم أن يتفقدوه إن كان صالحًا للاستخدام، كل ذلك يتم تلقائيًا وفطريًا دون قائدٍ يوجههم ودون قوانين يسيرون عليها فقط هي الفطرة.

حماية المستعمرة واستمرار النوع

من أهم مميزات عالم النمل هو التخصص فكل نملةٍ لها دورها الذي تقوم به وتؤديه بدون نقصان وبأدائه يصلح حال المستعمرة كلها وتستمر حياتها على نحوٍ مستقر، توجد العديد من الطبقات في مستعمرات النمل لكن الطبقية لا تعني الحط من قدر أي طبقة وإنما يعملون جميعًا في تناغم وتفيد الطبقات وحسب في توزيع المهام، توجد الملكة الكبيرة المسئولة عن وضع البيض ومهمتها ليست قيادية وإنما ضمان وجود أجيالٍ جديدة تسكن المستعمرة، الذكور لا وظيفة لهم وإنما يكونون مسئولين عن التزاوج ويموتون بعدها بفترةٍ قصيرة.

تأتي بعد ذلك الطبقة العاملة التي تنقسم لعدة أقسام لكل قسمٍ مهمته الخاصة في المستعمرة سواءً داخلها أو خارجها، وقد تختلف أحجامهم على حسب المهمة التي يجب القيام بها، في بعض الأنواع يضع النمل العامل البيض مثل الملكة لكنه لا يفقس وإنما يكون خاصًا للتغذية.

كل هؤلاء مهماتهم داخل المستعمرة لكن هناك إناث النمل المجنحات اللواتي لم يبلغن بعد، هؤلاء يعمل معشر النمل على حمايتهن وتغذيتهن حتى يبلغن ويصبحن قادراتٍ على طيران، عندها يبتعدن عن مستعمرتهن ويبدأن البحث عن مكانٍ يكونّ فيه مستعمراتٍ خاصةً بهن ويضعن فيها بيوضهن لتفقس.

وجدنا كذلك أن النمل كان بذكاء أنه لحماية مستعمرته من الأمراض والبكتيريا والفيروسات كان يجمع بعض أوراق الشجر ويتركها تتعفن في مكانٍ رطب ويصنع منها خطًا دفاعيًا لأن العفن يفرز مضاداتٍ حيوية تقضي على العدوى والبكتيريا وتحافظ على صحة الجميع ويعتبر ذلك من أهم الخطوط الدفاعية التي يصنعها النمل في مستعمراته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

13 − ثمانية =