كيف يحول تلوث المدن بعضها إلى أماكن غير صالحة للحياة؟

تلوث المدن هو اختلال يحدث في النظام البيئي لتلك المدن ويتسبب في الكثير من المشكلات ويؤثر بالسلب على جوانب الحياة المختلفة فيها.

تلوث المدن هو ظاهرة انتشرت حديثا بسبب تطور الحياة بشكل متسارع وزيادة العوادم الناتجة من السيارات وكذلك تلك الخارجة من المصانع والتي ازداد عددها بكثرة في الآونة الأخيرة، ومن الجدير بالذكر أن تلوث المدن يرتبط بشكل أساسي بطبيعة المدن وكثافة سكانها وتخطيطها هذا عطفا على أنشطتها الصناعية والزراعية والتجارية؛ فكلما كانت الأنشطة السائدة زراعية كانت المدن أكثر نظافة وصحة وكلما كانت أنشطة المدن صناعية ازداد معدل التلوث بشكل كبير؛ ذلك التلوث الذي يؤثر بالسلب على صحة الإنسان ويتسبب في إلحاق الضرر بالجهاز التنفسي العلوي وحدوث الأزمات التنفسية القلبية، وقد أثبتت الدراسات الحديثة أن وجود التلوث بالمدن نتيجة احتراق بعض المواد والأتربة والتدخين والغبار من الممكن أن يؤدي للإصابة بمرض السرطان.

تعريف تلوث المدن

تلوث المدن هو أي تغير كيميائي أو فيزيائي أو بيولوجي يطرأ على المكونات الأساسية للبيئة مثل الماء والهواء والتربة، ويعد تلوث المدن من الظواهر القديمة على سطح الكرة الأرضية ولكن تأثيره كان محدودا، فكان النظام البيئي الطبيعي قادرا في البداية على استيعاب الملوثات، ولكن مع طفرة التطور الصناعي والتكنولوجي الذي ازداد في الوقت الحاضر ولا سيما في المدن استشرى التلوث بشكل كبير.

تلوث المدن الصناعية

تلوث المدن الصناعية هو تلك الأضرار التي تلحق بالبيئة جراء النشاط الصناعي الذي ينتج من قبل المدن التي تقوم الحكومات بإنشائها من أجل تشجيع الاستثمار الأجنبي وزيادة حجم الإنتاج، وعلى الرغم من أهمية تشجيع تلك الاستثمارات الأجنبية وإنعاش الوضع الاقتصادي إلا أن ذلك لا يجب أن يتم على حساب النظام البيئي وصحة الإنسان، ولذا يجب التخطيط الجيد لتلك المدن الصناعية بحيث تبتعد عن المناطق المأهولة بالسكان وتكون أقرب للمناطق الصحراوية، كما يستحسن الاستعانة بمصادر الطاقة النظيفة وذلك على غرار الدول المتقدمة التي اتجهت لهذا النهج من إقرار لتشريعات بيئية حديثة وذلك من أجل الحفاظ على المدن من التلوث.

أسباب تلوث المدن

تتعرض المدن للتلوث للعديد من الأسباب منها؛ ازدياد أعداد السيارات بشكل كبير والدخان الناتج عنها، وزيادة عدد المصانع وما ينتج عنها من تلوث مائي وكذلك تلوث هوائي، ازدياد النفايات نتيجة زيادة عدد السكان بشكل كبير، هذا عطفا على كثرة محطات الوقود وزيادة نسب الحرائق وما ينجم عنها من دخان يضر بصحة الإنسان ويسبب له العديد من الأمراض، وكل هذا بسبب التقدم الكبير الذي حدث للصناعة والذي لا يقتصر في الوقت ذاته على دولة بعينها وإنما يحدث في كل بلدان العالم والذي أسهم في زيادة المخلفات الصناعية؛ تلك المخلفات التي ربما يتم التخلص منها في التربة والتي بدورها تصبح غير صالحة للزراعة فيما بعد، وحتى إذا أضحت صالحة للزراعة ستكون النباتات ملوثة بالتبعية.

أكثر المدن تلوثا

أكثر المدن تلوثا هي تلك المدن التي ترتفع بها نسبة التلوث عن كافة المعدلات الصحية وترتفع بها كذلك التشوهات الخلقية فتسبب السرطانات؛ ومن أكثر المدن العالمية تلوثا؛ مدينة تشيرنوبل بأوكرانيا تلك المدينة التي تشهدت أسوأ كارثة نووية في العالم؛ حيث تم انصهار المفاعل النووي الذي أطلق كمية إشعاع أكبر مائة مرة من الإشعاع الذي نجم عن القنابل النووية التي سقطت على هيروشيما وناجازاكي باليابان أثناء الحرب العالمية الثانية، وهناك أيضا مدينة دزيرجيسنسك بروسيا التي كانت تعد أحد المواقع الرئيسية لصناعة الأسلحة الكيماوية حتى نهاية الحرب الباردة في الاتحاد السوفيتي، هذا إضافة إلى مدينة كابوي بزامبيا والمشهورة باستخراج وتعدين الرصاص والزنك وقد تعرضت أجواء هذه المدينة للتلوث المعدني وتلوث التربة حيث وصل معدل الرصاص بدم الأطفال عشرة أضعاف المعدل المسموح به عالميا.

أما مدينة لينفن بالصين فمعدل تلوثها مرتفع بسبب أنها تعد المكان الرئيسي لصناعة الفحم الضخمة للبلاء حيث تنتج المدينة ما يقرب من ثلثي حاجة الصين من الفحم، بالنسبة لمدينة نوريلسك بروسيا فهي تعد مدينة صناعية تم إنشاؤها عام 1935 كمخيم للعبيد من العمال وتعد هذه المدينة أكبر مجمع لصهر المعادن بالعالم، وهناك أيضا مدينة سومغايت بآذربيجان التي كانت تعتبر في السابق المركز الصناعي الأساسي للاتحاد السوفيتي وكانت تضم أكثر من 40 مصنعا لصناعة المواد الكيماوية الزراعية وقد كانت تلك المدينة مسئولة بمفردها عن إنتاج 70000 إلى 120000 طن من الانبعاثات المؤذيا بيئيا بشكل سنوي.

التلوث المعدني

التلوث المعدني هو ذلك التلوث الناجم عن تأثير العناصر المعدنية السامة على الكائنات الحية والبيئة؛ هذه المعادن السامة التي تتجسد في الزرنيخ والرصاص والثاليون والزئبق، ويُذكر أن السيطرة على هذا النوع بالذات من أنواع التلوث قد ازداد صعوبة وذلك بسبب التطور الهائل والمتسارع في كل مجالات الصناعة الحديثة؛ هذا التطور الذي سيدفع ضريبته أطفال الجيل الحالي والأجيال القادمة الذين ستشهد صحتهم مستوى تردي لم يسبق له مثيل بسبب تلوث المدن، فعلى الرغم من كل هذا التطور والتقدم وتسهيل كافة سبل العيش والراحة إلا أن التلوث سيظل عقبة شديدة الوعورة في مسار التقدم الطويل.

أسباب تلوث الهواء

تلوث الهواء ينجم عن تعرضه للكثير من الملوثات؛ تلك الملوثات التي تنقسم إلى ملوثات أساسية تتجسد في الأكاسيد الناتجة عن حرق الوقود مثل الفحم الحجري والنفط والغاز الطبيعي مما يؤدي بالتبعية إلى إنتاج ثاني أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكبريت والعناصر الثقيلة مثل الكادميوم وأكاسيد النيتروجين، ومن الملوثات الأساسية أيضا المركبات العضوية المتطايرة الناتجة عن عوادم السيارات مثل الكلوروفورم والميثان، هذا عطفا على المركبات العالقة الصلبة والموجودة في الهواء مثل الغبار والجراثيم والأملاح.

أما ملوثات الهواء الثانوية فهي المطر الحمضي وثقب الأوزون والضباب الدخاني وكذلك النشاط الإشاعي الناجم عن التفجيرات النووية.

حلول تلوث الهواء

حلول تلوث الهواء تتم عن طريق السيطرة على معاقل التلوث ومصادره المختلفة وذلك عبر التقليل من استهلاك الطاقة بكل أشكالها واعتماد سياسة صديقة للبيئة بالنسبة لمشروعات إعادة تأهيل القطاع الكهربي، واللجوء لاستخدام مصادر الطاقة المتجددة والنظيفة عوضا عن مصادر الطاقة الحالية، وذلك يجب تقليل استخدام السيارات أو البحث عن آليات جديدة لقيادة السيارات بشكل صديق للبيئة وغير مسبب لتلوث الهواء، وبالنسبة للمدن الزراعية وعلى الرغم من قلة التلوث بها إلى أن هناك مواسم زراعية يزداد بها تلوث الهواء مثل الموسم الذي يتم خلاله حرق قش الأرز ويمكن حل تلك المشكلة عبر البحث عن طريق بديلة عن الحرق وكذلك تجنب حرق الطوب المصنع من تجريب الأرض الزراعية واستبداله بالطوب الذي يتم إنتاجه من المصانع.

تلوث الهواء وأثره على الجهاز التنفسي

تلوث الهواء يتسبب في إحداث أضرار بالغة بالجهاز التنفسي للإنسان؛ حيث يعمل على انخفاض في أداء الرئة هذا عطفا على التسبب في التهاب الشعب الهوائية وانخفاض مستوى الطاقة وكذلك اختلال في الغدد الصماء وتهيج الأنف والعيون، يُذكر أن أغلب تلك الأعراض المرضية يتسبب بها بشكل مباشر الغازات الموجودة في الهواء والتي تعمل على تلوث المدن مثل مركبات الفسفور والكبريت والزرنيخ والسيلينيوم.

تلوث الماء

تلوث الماء يحدث جراء اختلاط المياه العذبة بماء المجاري والمصارف العامة؛ هذا إضافة إلى أن الكثير من المصانع تقوم بتصريف مياهها في الآبار والبحيرات والبرك التي تعتبر من مصادر المياه التي يستخدمها الإنسان، فاختلاط الملوثات بالماء مثل الفيروسات والبكتريا يتسبب للإنسان في الكثير من الأمراض مثل التسمم، هذا عطفا على أن سقاية النباتات بالمياه الملوثة يؤثر بالسلب على حياة تلك النباتات ومن الممكن أن يؤدي إلى جفافها وموتها.

تلوث التربة

تلوث التربة يقصد به دخول مواد غريبة إلى تركيبة التربة وبالتالي زيادة تركيز إحدى المكونات الطبيعية بها مما يحدث تغير في التركيب الكيميائي والفيزيائي للتربة ويؤدي إلى حدوث اختلال بمكونات التربة، ويطلق على تلك المواد الغريبة ملوثات التربة والتي تتجسد في المبيدات والأسمدة الكيماوية والأمطار الحمضية والنفايات سواء كانت تلك النفايات منزلية أو صناعية أو نفايات مشعة وهي الأخطر على التربة، وتلوث التربة يؤدي بالتبعية إلى تلوث المحاصيل الزراعية الأمر الذي يلحق الضرر بصحة الإنسان الذي يتغذى على تلك المحاصيل مباشرة، يُذكر أن تلوث المحاصيل الزراعية يمكنه الانتقال إلى المنتجات الحيوانية مثل اللحم والبيض والحليب.

في النهاية يجب أن نعلم بأن مغبة تلوث المدن ليست سهلة على الإطلاق، فهي تتسبب في الكثير والكثير من الأمراض ولذا الحل يمكن في إقرار تشريعات صارمة تجرم تلوث المدن وعلى الجانب الآخر يجب زيادة مستوى التوعية بمخاطر التلوث في المدارس والجامعات وكذلك من خلال عقد المؤتمرات التوعوية والتثقيفية من أجل الحفاظ على البيئة.

الكاتب: أسماء رمضان

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

5 + عشرين =