تأثير الحروب على البيئة : كيف أفسدت الحروب الكثير من الأنظمة البيئية؟

لا يقتصر تأثير الحروب على إهلاك الأخضر واليابس فقط، في الواقع تأثير الحروب على البيئة يعد جانبًا شديد الخطورة، وبعض الحروب كانت أكثر من كوارث على البيئة.

إذا تحدثنا عن تأثير الحروب على البيئة فإنه لابد أن نفرد فقرات كاملة للعديد من الجوانب الهامة، وفي الواقع فإنه حتى لو أكثرنا من الحديث ووضعنا لك أهم الحوادث والأرقام فإننا لن نستطيع تغطية الموضوع بالصورة الملائمة، فبغض النظر عن الجوانب الأخرى التي تدمرها البيئة مثل الخسائر في الأرواح وتدمير البنية التحتية وغيرهما، فإن الجانب البيئي يتعرض إلى كوارث تشمل كل الجوانب التي يمكن أن تتخيلها، بدايةً من التأثير على الحياة البرية ومرورًا بتلوث الهواء والماء وحتى التأثير على الاحترار العالمي، وهنالك الكثير من الأشياء التي سنتحدث عنها مثل صناعة الأسلحة وآثار الألغام والمخلفات الخطرة التي تعتبر من مخاطر تأثير الحروب على البيئة ، ثم سنفرد فقرات خاصة بأهم الحروب التي حدثت في القرن العشرين وتأثيرها البيئي، وفي النهاية سنذكر لك أهم المعاهدات والمبادرات التي تمت من أجل الحد من المشكلة.

تعرف على أهم ملامح تأثير الحروب على البيئة

الآثار البيئية غير المباشرة للنزاعات والحروب

تأثير الحروب على البيئة لا يحدث بشكل مباشر، أي أن القوات المتنازعة لا تستهدف أهداف معينة لتدمرها وتؤثر على البيئة، وقد تلعب الصدفة الدور الأكبر في حدوث التأثير طالما أن الاحتمالات كثيرة، على سبيل المثال ما قامت به ألمانيا في الحرب العالمية الثانية عندما أغرقت سفينة تابعة لقوات الحلفاء والتي كانت تحمل على متنها مليون رطل من غاز الخردل، وهذه كارثة بيئية بالغة الخطورة ولعلها تكون من أبرز مخاطر تأثير الحروب على البيئة ، لأن هذا الغاز السام انتشر في المياه المحيطة، وهذا يعني أن تأثيره سيظل باقيًا لأربعة قرون على الأقل، وخلال الحرب بين قوات الحلفاء واليابان تم تحطيم وإغراق أكثر من ألف سفينة، ومنهم سفن كانت تحمل المؤن والوقود، وقد غرقوا كلهم في المحيط الهادئ، وهذا يعني حدوث تلوث على نطاق واسع ومستمر حتى يومنا هذا وحتى السنين القادمة، وفي شهر يوليو من سنة 2001، أي بعد سبع وخمسين سنة على غرق السفن، حدث إعصار في جزيرة قريبة من المنطقة الملوثة وأدى إلى انتشار التلوث على نطاق أوسع، وضرب التلوث مناطق حيوية لصيد الحيوانات البحرية.

زرع الألغام والكوارث الناتجة

مما يتحتم علينا أن نذكره فيما يخص تأثير الحروب على البيئة زرع الألغام، وأول تخطيط تم لزرع الألغام كان على يد عسكري ألماني يدعى فريهير فون فليمينج وذلك في سنة 1726، إلا أن الألغام لم تستخدم كسلاح معروف في الحروب إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وقد شهد مطلع القرن العشرين استخدامًا واسعًا للألغام وبالتحديد في الحرب العالمية الأولى، وكما تم استخدام الدبابات كسلاح بديل للمواجهة من الخنادق فقد تم ابتكار ألغام قادرة على تفجير الدبابات أو إلحاق ضرر كبير بها، وفي البداية لم يكن من السهل على القوات المتحاربة تحديد مواقع الألغام أثناء أو بعد انتهاء الحرب، لذا فإنها سلاح يمكن أن ينفجر في أي وقت، والانفجارات تعني المزيد من التلوث والمزيد من الإضرار بالبنية التحتية والحياة البرية والنباتات.

المخلفات الخطرة و تأثير الحروب على البيئة

المخلفات الخطرة التي تستخدم في تصنيع الأسلحة أيضًا من العوامل الأكثر حضورًا في تأثير الحروب على البيئة ، ومن المعروف أن المخلفات الخطرة هي من الأشياء التي يصعب على الإنسان التعامل معها، وهي بمثابة عبء علينا لا نستطيع إبعاده عن كاهلنا إلا عبر إحداث ضرر، فالمخلفات يمكن أن تنتج عن عمليات عادية مثل عمليات الحرق وتجميع الرماد، لذا فإن زيادة حجمها بسبب تصنيع الأسلحة سيسهم في زيادة حجم المشكلة، كما أن الدول العظمى تلقي بعبء المخلفات الخطرة على الدول النامية والفقيرة مثل الصومال وهاييتي وغيرهما، وفي السابق كان يتم إغراق هذه المخلفات بصورة دورية عبر دفع مبالغ مالية زهيدة لحكومات الدول أو حتى عبر الخداع وتسريب المخلفات أثناء سير السفن، ولم تنقطع هذه الأفعال إلا عند تفعيل اتفاقية بازل وتوقيع كل الدول العظمى عليها (باستثناء الولايات المتحدة التي صدّقت على الاتفاقية لكن لم تفعلها).

صناعة الأسلحة

المصانع الحربية تزيد العبء على كاهلنا فيما يتعلق بالتلوث، بل أنها قد تكون كوارث بيئية في بعض الحالات مثلما حدث في مصنع ذخيرة جولييت (JOAAP)، وهو مصنع أمريكي في مدينة إلوود التابعة لولاية إلينوي، تم افتتاحه في سنة 1940 في خضم احتدام القتال أثناء الحرب العالمية الثانية، وبعد انتهاء الحرب تم تعليق نشاط المصنع إلا أنهم أعادوا تشغيله بسبب الحرب الكورية وحرب فيتنام، وقد أنتج المصنع كميات كبيرة من مادة الـ TNT المتفجرة والتي تسهم في تلوث الهواء بصورة بالغة، لكن الكارثة الحقيقية وقعت في الساعة الثانية وخمس وأربعين دقيقة صباحًا في الخامس من يونيو 1942 عندما انفجر خط إنتاج رئيسي في المصنع وتسبب في مقتل 48 عامل، وشعر السكان بالانفجار على بعد 97 كيلومتر شمالاً، ولولا التزام الحكومة بإنشاء خطوط الإنتاج الرئيسية في أماكن منفصلة كانت الكارثة ستكون مضاعفة، والخسائر الاقتصادية تزيد عن ثلاثين مليون دولار، أما التلوث فلم تصرح الحكومة بأية أرقام، لكننا نعرف بالطبع مدى التأثير الفادح الذي يمكن أن يتسبب فيه انفجار مصنع لإنتاج المواد المتفجرة.

تأثير الحروب على البيئة قد يكون إيجابيًا في بعض الأحيان

في بعض الحالات الاستثنائية يكون تأثير الحروب على البيئة إيجابيًا، كمثال نذكر المنطقة الكورية منزوعة السلاح والتي تقع بين كوريا الشمالية والجنوبية، وقد تم الاتفاق بين الحكومتين على إنشاء المنطقة بعد إعلان وقف إطلاق النار عقب الحرب الكورية بمساعدة الصين والأمم المتحدة في 1953، ويبلغ طولها 160 ميل وعرضها 2.5 ميل، لذا فإنه منذ عقود لم يدخل أي مدني إلى المنطقة ولا يوجد إلا عدد محدود من قوات جيش كل دولة للمراقبة فقط، ولا توجد أي أنشطة سارية، لذا فإن الحياة البرية نعمت بهدوء كامل على مدار العقود الماضية وحتى يومنا هذا.

المنطقة العازلة بين الكوريتين

تضم المنطقة عدد كبير من الحيوانات والنباتات النادرة مثل نمر الآمور الذي يصنف في الدرجة القصوى في التهديد بالانقراض، فوفقًا للمنظمة الدولية لحماية الطبيعة فإن أعداده لا تزيد عن 70 فرد في العالم كله، والنمر السيبيري الذي تتواجد أغلب أعداده في الأجزاء المتطرفة من روسيا ومنغوليا، وفي 2015 تم تقدير الأعداد الكلية الموجودة في هذه المنطقة بـ 562 فرد، لذا فهو مهدد بالانقراض، وكذلك الكركي الياباني الذي ينحدر من جنس الكركي وهو في خطر الانقراض، والدب الأسود الآسيوي الذي تناقصت أعداده بشكل كبير، كما تم تسجيل حوالي 2.900 نوع من النباتات و70 نوع من الثدييات و320 نوع من الطيور. لذلك فإن العلماء يطلقون على المنطقة لقب المحمية العسكرية الضخمة، ومع ذلك فهي محمية لا يزورها أي إنسان، ويكتفي الجنود بالوقوف في أبراج المراقبة، بل أنهم يخافون النزول كي لا يتعرضون إلى افتراس النمور وبقية الحيوانات المفترسة، ومع ذلك فإن بعض الباحثين يخبرونا بأن الحرب ليست العامل الذي دعى إلى تكوين هذه المحمية الضخمة، بل هو كثرة وجود الحيوانات المفترسة والطبيعة المتفردة للمنطقة التي تمنع انتشار السكان فيها.

تأثير الحروب على البيئة وأهم الأمثلة

الحروب هي سمة معروفة للإنسان بدأ في استخدامها منذ فجر التاريخ، وعندما تكونت أولى الحضارات بدأت الأمم تشن هجومها باتجاه الأمم المجاورة، ثم بدأت الإمبراطوريات بالتكون مثل الإمبراطورية الفارسية والرومانية، بل وحتى في العصور السابقة لهذه الحضارات، ونحن لا نملك أية إحصائيات مباشرة يمكن أن تخبرنا عن تأثير الحروب على البيئة في هذه المواقع، بل وحتى فإن الخسائر الإنسانية والاقتصادية قد تكون مغلوطة، فمن المعروف أن المنتصر هو من يكتب التاريخ، لذا فإن ما سنذكره الآن هو الحروب التي حدثت في العصور الحديثة، أي في القرن العشرين والحادي والعشرين، وأفظعها من ناحية تأثير الحروب على البيئة والإنسان بالطبع هي الحرب العالمية الأولى والثانية، ولكن بالرغم من تعرض أوروبا إلى النسبة الكبرى من الخسارة، إلا أن الدول الأوروبية بدأت تحظى بسلام في العقود التالية باستثناء بعض الدول التي أصبحت تابعة للاتحاد السوفيتي والتي تتواجد أغلبها في شرق القارة، أما القارة الأكثر تعرضًا للمآسي الإنسانية والاقتصادية والبيئية فهي أفريقيا، وبسبب النزاع على الماء والقوميات والتدخل الأجنبي والحدود الإقليمية فإن أغلب الدول الأفريقية تعرضت إلى نزاعات مسلحة متتالية في القرن العشرين، واشتهرت بكثرة الانقلابات العسكرية، والمشكلة أن تلك الدول لا تستطيع التعامل مع الأزمات بالطريقة الصحيحة، وفي أوقات الحرب لا تهتم السلطة بالاعتبارات البيئية، وتزيد الوسائل البدائية في العمليات الحيوية مثل طريقة القطع والحرق من أجل إمداد اللاجئين والسكان بالمواد الغذائية عن طريق زرع أكبر كمية ممكنة من المحاصيل.

حرب فيتنام وآثارها

تعتبر حرب فيتنام من أكثر الحروب المؤثرة في العصر الحديث وذلك فيما يخص كل الأطراف المتقاتلة، وعلى جوانب متعددة، وما نحن بصدد الحديث عنه هو تأثير الحروب على البيئة لذا فإننا سنقتصر على ذكر الآثار البيئية، وأولها هو استخدام الولايات المتحدة لكميات مهولة من مبيدات الأعشاب حتى تقدر على إزالة النباتات والغابات التي مثلت العائق الأكبر بالنسبة للقوات في اقتحام البلاد، حيث استغل المقاتلون الفيتناميون طبيعة أرضهم في التخفي من الطائرات، ووفقًا للإحصائيات الرسمية التي صرحت بها وزارة الخارجية الأمريكية فإنه تم استخدام 20 مليون جالون من مبيدات الأعشاب، والمشكلة تكمن في أن المبيدات أثرت على التربة وجعلت من الصعب على النباتات أن تنمو مجددًا حتى بعد سنين طويلة، كما أنها أثرت بصورة خطيرة على وجود الحيوانات البرية، فوفقًا لدراسة لعلماء بيئة من فيتنام فإن عدد الطيور الموجودة في الأراضي التي تم استهدافها بالمبيدات حاليًا هو 24 نوع فقط مع خمس أنواع من الثدييات، في حين أن أعدادهم سابقًا كانت ما بين 145-170 نوع من الطيور وما بين 30-55 نوع من الثدييات، وبشكل عام فإن الحرب أثرت على البنية التحتية في البلد بصورة خطيرة وبشكل خاص فيما يتعلق بخطوط نقل المياه والوقود، لذا فإن السكان يعانون حتى يومنا هذه من آثار الحرب.

حرب الكونغو وآثارها

في شهر أغسطس من سنة 1998 اندلعت حرب في جمهورية الكونغو الديمقراطية والتي كانت سابقًا عبارة عن جزء من زائير، وانتهت الحرب في سنة 2003 عندما تولت إدارة البلاد حكومة انتقالية، مع العلم بأن الأسباب التي دعت إلى الحرب هي أسباب اقتصادية واستراتيجية بحتة مثل النزاع على الموارد المائية والمناطق المليئة بالمعادن، وهي من أسوأ الحروب التي حدثت في العقود الماضية، حيث مات فيها أكثر من 3 مليون إنسان، والنسبة العظمى منهم ماتوا بسبب الأمراض والجوع، بالإضافة إلى 2 مليون أصبحوا لاجئين في مخيمات ذات وضع متدهور، وتم اغتصاب عدد كبير من النساء، وفقط نسبة 45% من السكان كانوا قادرين على الوصول إلى مصادر مياه الشرب النظيفة، أما الآثار البيئية فهي بالغة وأخطرها تدمير البنية التحتية للدولة، خاصةً مع حركة اللاجئين التي غيرت من الوضع الذي اعتادت عليه المناطق المجاورة وكان هذا بمثابة نمو سكاني مفاجئ يقدر بالملايين في بضعة أسابيع، لذا فإنهم يحتاجون إلى اهتمام صحي وخدمات ضرورية من كل الأنواع، وطبقًا للمراقبين فإن قطع الأخشاب من أجل الوقود لتوفير احتياجات اللاجئين كانت المشكلة الكبرى، كما أن الاهتمام بالحياة البرية كان غائبًا عن السلطات الحكومية التي كانت منشغلة بالصراع السياسي والأوضاع الإنسانية المتردية، لذا فقد تعرض عدد كبير من الحدائق الوطنية إلى الدمار عن قصد أو غير قصد، وبعضها تم تدميره من أجل أغراض البحث عن المعادن ومواد أخرى، كما أن اللاجئين قاموا باصطياد عدد مهول من الحيوانات في وقت قصير لأكلهم أو بيعهم، ولعل الحيوان الذي عانى بالدرجة الكبرى هو الفيل بسبب تزايد تجارة العاج في تلك الفترة الحرجة، وتناقصت أعداد فرس النهر في حديقة وطنية واحدة من 29,000 فرد إلى 900 فرد في سنة 2005، وقد صنفت اليونسكو كل الحدائق الوطنية الموجودة في الدولة باعتبارها تراث عالمي معرض للخطر.

الحرب بين إريتريا وإثيوبيا وآثارها

قبل سنة 1952 كانت إريتريا مستعمرة إيطالية، وبعد تحريرها قامت إثيوبيا بضمها إليها، وقد حدثت نزاعات مسلحة عديدة فيما بين 1961 و1993، وقد انتهت عندما أعلنت إريتريا استقلالها، لكن عندما طبعت إريتريا عملتها الخاصة في سنة 1997 اندلعت الحرب بين الدولتين وأيضًا بسبب نزاع على المناطق الحدودية، وانتهت الحرب بعد ثلاث سنين، ونتيجتها كانت مقتل أكثر من 150,000 من مواطني إريتريا ومئات الآلاف من الإثيوبيين، وخلال الحرب انتشر الجفاف في الدولتين وظهرت المجاعات بسبب عدم هطول الأمطار وأيضًا بسبب اهتمام الدولتين بإنفاق الجزء الأكبر من الميزانية في شراء الأسلحة، وقالت حكومة إثيوبيا أن 60% فقط من سكانها كانوا يحصلون على الغذاء المناسب، أما المشكلة البيئية الكبرى كانت في عدد اللاجئين الضخم الذي وصل إلى ثلاثة أرباع مليون لاجئ، وقد أدى هذا إلى زعزعة البنية التحتية كلها في إثيوبيا وأثر على الوضع الزراعي والتنوع الحيوي والعديد من الجوانب البيئية الأخرى، وتوازي هذا مع الجفاف فقد كانت النتائج كارثية، ولكننا غير قادرين على معرفة النتائج بدقة لعدم توفير السلطات في أي من الدولتين لأية معلومات أو تقارير واضحة واكتفوا ببعض الإشارات والأرقام التي تبين الصورة العامة كما وضحناها.

النزاع المسلح في رواندا وآثاره

فيما بين شهري أبريل ويوليو من سنة 1994 قام متطرفون من جماعة الهوتو المسلحة بقتل ما بين ثمانين ألف إلى مليون مواطن من جماعة التوتسي وكذلك من المعتدلين من جماعة الهوتو في رواندا، وقد تعرض أكثر من مليوني إنسان إلى فقدان منازلهم وأصبحوا لاجئين، مع العلم أن رواندا بيئة غنية خاصةً في الحياة البرية والنباتية، ولكن بسبب عدم توفر الموارد اللازمة لضروريات الحياة فإن الأمور أصبحت معقدة ومتشابكة للغاية وقد تكون هذه هي الأسباب الرئيسية للحرب، وقد حدثت نزاعات مسلحة بالفعل قبل هذا التشابك بين المجموعتين، كما أن حوالي 95% من السكان يعيشون في الجانب الريفي من البلد ويعتمدون على الزراعة، لذا فإن حركة اللاجئين دمرت الزراعة بشكل شبه كامل، فالفلاحون قد تركوا أراضيهم وأثر هذا على تصحر التربة وتآكلها، لذا فإن هذه المجزرة هي من أسوأ الآثار التي نذكرها من تأثير الحروب على البيئة ، ولعل سبب اشتعال الأزمة هو إسقاط طائرة الرئيس بالسلاح، وإذا نظرنا إلى جانب التنوع الحيوي فسنجد أن الوضع كارثي، فقد تعرضت كل المحميات في الدولة إلى الخراب، وتعرضت مساكن الحيوانات إلى الزعزعة، والحيوان الأكثر تضررًا هو الغوريلا المهددة بالانقراض، لذا فإن المسألة استدعت تدخل دولي من المنظمات البيئية.

الحرب الأهلية الصومالية وآثارها

الحرب الأهلية في الصومال بدأت في سنة 1991، وهي واحدة من أسوأ الحروب التي حدثت في أفريقيا في العقود الماضية، ولعل السبب الأساسي لها هو عمليات صيد الأسماك، ومع استمرار القتال فإن المنظمات العالمية دعت السكان إلى الالتزام بالقواعد المعروفة لصيد الأسماك والحيوانات البحرية، إلا أنهم تجاهلوا تلك البروتوكولات وأرادوا تحقيق الاكتفاء الذاتي في التغذية، لذا فإن هذا أثر على وجود كمية كبيرة من الأسماك في المنطقة وبشكل عام فإن الحياة البحرية أصبحت على حافة الخطر، وتحول صيد السمك من تجارة عادية إلى تجارة أساسية تسيطر عليها المجموعات المسلحة الذين يصعب الوقوف أمامهم حتى من قوات الحكومة نفسها.

الحرب الأهلية السودانية وآثارها

تزامنت الحرب الأهلية في السودان مع موجة الجفاف التي أدت إلى مجاعات في نطاق واسع من البلاد، وقد بدأت الصراعات في سنة 1983، وهجر الفلاحون أراضيهم في المناطق الجنوبية، وتحول الآلاف إلى لاجئين، فتحولت الأرض الزراعية إلى أرض جرداء، وتصحرت التربة وتآكلت في مناطق عديدة وساعد في هذا قلة هطول الأمطار، ومع اهتمام الحكومة بالسيطرة على الجماعات المسلحة فإنهم لم يعيروا البيئة أي اهتمام وحاولت الحكومة تحسين صورتها بكل الأشكال على نطاق محلي ودولي، والمنطقة الأكثر تضررًا بالتحديد في كل الجوانب هي منطقة دارفور، حيث أن عدد القتلى فيها وصل إلى ما يقرب من مئة ألف (مع العلم بأن عدد السكان الإجمالي هو حوالي ثلاثة ملايين)، وفي سنة 2003 أصبح النزاع واضحًا للغاية في دارفور، فهو نزاع بين الجماعات الإسلامية وغير الإسلامية، وساعدت الحكومة السودانية المسلحين الإسلاميين، وبعد ذلك تدخلت دولة تشاد المجاورة غربًا للسودان وأصبحت تدعم بشكل صريح مجموعات مسلحة، إلا أنه تم توقيع اتفاقية سلام عرفت باسم اتفاقية طرابس، ولكن بسبب اعتداء حدث في عاصمة تشاد فقد قامت الحكومة التشادية بقطع كل العلاقات السياسية والاقتصادية مع جارتها، وإذا نظرنا إلى الوضع البيئي فسنجد أنه على مدار السنين أصبح كل شيء على حافة الخطر، فأولاً الحياة البرية تعرضت إلى انهيار تام، وانتهت حياة النباتات في مناطق شاسعة، أما التلوث الهوائي فقد زاد عشرات المرات في مناطق مثل دارفور، وقد أثر كل هذا على الجانب الصحي للإنسان بصورة خطيرة.

الحرب العالمية الأولى والثانية وآثارهما

الحديث عن الحربين العالميتين وأسبابهما ونتائجهما يطول، وكذلك الحديث عن الآثار البيئية والصحية، بالنسبة للأولى فإن هذه الحرب الضارية دمرت البنية التحتية لعدد كبير من المدن أبرزها الواقعة في الإمبراطورية النمساوية المجرية والتي تفككت بعد الحرب، والعنصر المميز في هذه الحرب أنها كانت حرب خنادق، حيث تم حفر خنادق طويلة بدايةً من الشمال في سويسرا، والخنادق تعني تدمير للتربة والأرض، والقصف يعني تهديد الحياة البرية خاصةً في تلك المناطق الغنية بتنوع الكائنات الحية، وبعد انتهاء الحرب مات الملايين بسبب الأنفلونزا التي اجتاحت أوروبا، وقد تم قطع كميات كبيرة من الغابات من أجل أغراض القتال وحفر شبكات طويلة من الخنادق، وتآكلت التربة وتصحرت.

تأثيرات بالغة

أما النتيجة الكارثية للحربين كانت استخدامات الغازات السامة التي قتلت ودمرت صحة الملايين وأثرت على البيئة بشكل عام والكائنات الحياة ومملكة النباتات والجو والماء، وقد تم إطلاق الغازات بكميات مهولة في الخنادق لقتل الجنود، وأهم تلك الغازات الغاز المسيل للدموع والذي يؤدي إلى الاختناق القاتل إذا انتشر في أماكن مغلقة وضيقة، وغاز الخردل الذي يعتبر ضمن مركبات الثيولات، وهو في الأساس من السوائل التي تصدر أبخرة خطرة ويتسبب في حروق وتقرحات جلدية والعديد من الأعراض الأخرى مثل التقيؤ الحاد والإسهال الحاد، كما أنه قد يكون سببًا في حدوث السرطان والتشويهات الوراثية، والمشكلة تكمن في عدم اكتشاف أي علاج فعال له حتى الآن، وكذلك غاز الفوسجين وهو بلا لون وذو رائحة كريهة، وهو سام جدًا ويؤدي إلى إهلاك الجهاز التنفسي، وقد استعملته القوات الألمانية بكثافة، وتشير الأرقام التقديرية إلى مقتل أكثر من مئة ألف جندي بسبب الغازات السامة وأغلبها عن طريق الفوسجين، وبالنسبة للآثار التي تركتها الغازات فهي بالغة، أولها انتشار تلك الغازات في الغلاف الجوي، كما أن الذخيرة التي لم تنفجر كانت مشكلة كبيرة بالنسبة لهم، وعمليات التنظيف والمعالجة كلفت الدول مبالغ طائلة واحتاجوا لسنين عديدة لإزالة الكمية الكبرى منها، وبسبب الآثار الخطيرة للغازات السامة فقد وقع أغلب المشاركين في الحرب في سنة 1925 على معاهدة لمنع استخدام الأسلحة الكيميائية.

المبادرات العالمية للحد من تأثير الحروب على البيئة والإنسان

لولا المؤتمرات والاجتماعات الدولية التي هي بالطبع تسلسل متشابك لمصالح الدول الكبرى، فإن هناك بعض المعاهدات والقوانين التي تم إقرارها والتي قللت من تأثير الحروب على البيئة بصورة كبيرة في العقود الأخيرة بالمقارنة مع السابق، وأهمها اتفاقية منع الألغام الأرضية في سنة 1999 والمعروفة بمعاهدة أوتوا وهي مدينة في ولاية أونتاريو الكندية التي تم فيها توقيع الاتفاقية والتي رعتها الأمم المتحدة، وقد وقع عليها 133 دولة، مع العلم بأن هذه الاتفاقية لم تخرج في يوم وليلة كما أشرنا إلى الطريقة التي تتم بها الاتفاقيات، فهناك العديد من المفاوضات التي تمت بين الدول الكبرى والمنظمات العالمية للوصول إلى هذا القرار للحد من تأثير الحروب على البيئة والجوانب الأخرى، وأبرزها مؤتمر منع الأسلحة التقليدية (CCWC) التي تدخل الألغام من ضمنها، وتم المؤتمر في سنة 1981 وتم تفعيل اللائحة بعد سنتين، إلا أن عدد الدول الموقعة كان 20 دولة فقط، وفي سنة 1991 قامت ست منظمات عالمية بدعم حظر الألغام وتنظيم حملة عالمية عرفت اختصارًا باسم ICBL، أما بلجيكا فقد كانت الدولة الأولى التي تصدر قانون في دستورها يمنع استخدام الألغام وتبعتها كندا في الدعوة إلى حظر الاستخدام حتى تم توقيع المعاهدة على أراضيها. ومن أهم المعاهدات أيضًا معاهدة حظر الأسلحة الكيميائية (CWC) التي تمت في سنة 1992 ووقع عليها 165 دولة في باريس ونيو يورك، وأخيرًا نذكر معاهدة تقنيات التغيير في البيئة (ENMOD) التي تمت في 1977 في جنيف في سويسرا عبر رعاية الأمم المتحدة ووقع عليها 48 دولة والتي تمنع استخدام أي تقنية لتغيير حالة الطقس.

خاتمة

تأثير الحروب على البيئة قد ينتهي في العقود التالية، قد تكون هذه فكرة حالمة إلا أن الكثيرين يؤمنون بها، فمن خلال العديد من المبادرات التي ذكرناها في الفقرة السابقة فإننا استطعنا تقليص الكوارث إلى مستويات مقبولة، ومع المزيد من الخطوات الجادة فإننا قد نصل إلى النتائج التي ستكون مرضية للكل وستكون الآثار مثلها مثل الآثار الطبيعية الأخرى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

2 × أربعة =