الزراعة بماء البحر : هل يتحول حلم توفير الغذاء للملايين إلى حقيقة؟

الزراعة بماء البحر تعني أن يتم استخدام مياه البحر في الري، والحقيقة أن المياه لا تُستخدم بعد إخراجها من البحر مُباشرةً، ولكن يتم تنقيتها وتهيئتها للري.

في الحقيقة تُعد طريقة الزراعة بماء البحر طوق نجاة للعملية الزراعية برمتها، فالزراعة كما هو معروف تتم بالمياه العذبة الخالية من الأملاح، إلا أنه في الفترة الأخيرة، ومع تناقص كميات المياه العذبة المُستخدمة في الزراعة، تم اللجوء إلى مياه البحر المالحة، والتي لا يُمكن بالطبع أن تؤدي مهمة المياه العذبة في ري الأرض قبل أن يتم تنقيتها وتحليتها، وهي عمليات باتت مُتقنة وسهلة الآن في ظل التطور التقني والآلاتي الكبير، لذلك، دعونا في السطور القادمة نتعرف سويًا على المقصود بطريقة الزراعة بماء البحر، كيف تتم؟ وهل تنجح هذه الطريقة في تحقيق المعادلة الصعبة أم لا؟

الزراعة والماء

بعيدًا عن الزراعة بماء البحر، أو غيره من أنواع المياه، يجب التطرق بالطبع إلا العلاقة الوطيدة بين التربة الزراعية والماء، فكأن لسان حال الأرض الزراعية هو اعطني الماء أُعطيك الزرع، فعلى مر التاريخ، وتتابع عمليات الزراعة والنباتات المزروعة، واختلاف البذور والتُرب والمُزارعين، يبقي شيء واحد ثابت لا يتغير مهما كان، وهو أن الماء لا يُمكن اعتباره سوى المكمل الرئيسي لعمليات الزراعة والداعم الأول لها، وخاصةً الماء العذب، لأن الماء المالح لا يُمكن استخدامه في الزراعة، على كلٍ، بقي الحال على ما هو عليه حتى أوشك ذلك المعين على النفاذ.

مشكلة الماء في الزراعة

إن كان الماء العذب هو عصب العملية الزراعية فإن غياب ذلك الماء بالتأكيد سوف يؤدي إلى مُشكلة حقيقية وخلل في العملية الزراعية، وهذا ما حدث بالفعل مع كثرة الإقبال على الماء العذب واقترابه من النفاذ، حتى وجدت الزراعة نفسها في مأزق قريب، مفاده أن الإنسان لن يُضحي بماء الشرب من أجل أن تُسقى الأرض، حتى ولو كان ذلك يُمثل خطرًا على الحياة الزراعية، فبالتأكيد حياة الإنسان أهم، لكن، هل تستلم التربة الزراعية أمام نقصان الماء؟ بالتأكيد له، فهناك ذلك المعين الأكبر الذي لا يبدوا قابلًا للنفاذ، ماء البحر، ومن هنا جاءت فكرة الزراعة بماء البحر.

الزراعة بماء البحر

طريقة الزراعة بماء البحر تعني أن يتم الاعتماد على المياه القادمة من البحر بدلًا من تلك التي تأتي من النهر أو أي مكان به مياه جوفية، وتمر مياه البحر أولًا بعد آلات ومُعدات تعمل على تنقيتها وتحليتها قبل توصيلها إلى التربة، ويُمكن القول إنها بعد عمليات التحلية تلك تُصبح أشبه بالمياه الجوفية الصالحة للزراعة.

اللجوء إلى الزراعة بماء البحر جاء نتيجة للعجز الذي سببته بعض المحاصيل باستهلاكها كميات كبيرة من المياه الجوفية، فمحصول مثل الأرز مثلًا يحتاج كميات هائلة من الماء، وقد يُصادف أن يكون في منطقة قرب بحر أو ما شابه، لذلك، وحتى لا تتوقف هذه الزراعة، يتم اللجوء إلى البحر وتحليته لسد حاجة الأرز، وهكذا في باقي المحاصيل، هذا بالطبع بخلاف المناطق القاحلة في الأساس، وليس لها أي مصدر سوى مياه البحر.

فوائد الزراعة بماء البحر

كما ذكرنا من قبل، تمتلك خاصية الزراعة بماء البحر عدة فوائد، منها على الأقل سد العجز الذي ينجم عن نقصان المياه في بعض المناطق مثل شبه القارة الهندية والشرق الأوسط، فهذه المناطق يتواجد بها الماء بنسبة قليلة وفي نفس الوقت تحتاج النباتات والزروع الموجودة بها إلى نسبة كبيرة من المياه، والحقيقة أن الماء العذب لا يتواجد منه بشكل عام سوى اثنين ونصف بالمئة فقط على شكل سائل يُمكن استخدامه، أما بقية النسبة فهي عبارة عن جليد، وهنا تبرز المشكلة.

في الواقع لا تُستخدم مياه البحر في الزراعة فقط، وإنما يُمكن استخدامها في عدة أشياء أخرى مثل الشرب مثلًا، فالشرب من مياه البحر يستوجب أن يتم تنقيتها بشكل صحيح ومُتقن، كما أن هناك استخدامات أخرى مثل الصناعة والاستجمام، وبعيدًا عن كل ذلك، من خلال الاتجاه نحو استخدام ماء البحر، يُمكن توفير كميات كبيرة من الماء العذب تكون صالحة للاستخدامات التي سبق ذكرها.

أضرار الزراعة بماء البحر

ينبغي بكل تأكيد أن نترك احتمالية، ولو قليلة، بفشل مياه البحر في تأديتها لعملها بخصوص الزراعة بماء البحر، وفي هذه الحالة يجب أن نتقبل بعض الأضرار كنتيجة لذلك الفشل، منها مثلًا موت بعض النباتات وعدم تقبلها لفكرة الزراعة بماء البحر من الأساس، أو أن تنمو بالفعل، لكنه يكون نموًا ناقصًا يشتمل على أوراق صغيرة وأشياء غير ناضجة أخرى، بل قد تؤثر تلك المياه على التربة نفسها، فتُصيبها ببعض التشققات، وذلك كله بسبب نسبة الملوحة الزائدة التي لا تتمكن عمليات التحلية من التخلص منها بأي طريقة من الطرق، لذلك كما ذكرنا يجب أن نضع احتمالية لوجود بعض الأضرار.

مياه البحر والنباتات

تؤثر عملية الزراعة بماء البحر بشكلٍ خاص على النباتات والزروع، فهي قد تؤدي إلى إحداث نوع من التسمم، وذلك نتيجة للجرعة الزائدة من المياه المالحة في الأصل، والتي مرّت بالتحلية حتى أصبحت قابلة للاستخدام، ومن أهم المواد التي تتولى مهمة امتصاص المياه المالحة مادتي البوتاسيوم والصوديوم.

تأثير مياه البحر لا يكون سلبيًا فقط على النباتات، فهناك ما قد تنجح به تجربة إعادة تدوير المياه المالحة، وهي النسبة الأكبر بالمناسبة، حيث تخرج النباتات بطريقة عادية تُشبه تمامًا الطريقة التي تخرج بها حالة رشها بالمياه العذبة، وعمومًا، يُمكن اعتبار العلاقة بين مياه البحر والنباتات علاقة مُتغيرة ومُتقلّبة.

هل تُزرع كل المحاصيل؟

هناك سؤال قد يراود البعض منكم بالتأكيد، وهو هل تصلح كل المحاصيل للخضوع لعملية الزراعة بماء البحر؟ والإجابة ببساطة لا، فبعض النباتات لا تتحمل هذا النوع من المياه وتموت في الحال، والبعض الآخر من المحاصيل يُفضلّ ذلك النوع من المياه عن المياه العذبة المستخدمة في كل النباتات، والدليل على ذلك محصول الطماطم مثلًا.

تعتبر الطماطم من المحاصيل التي تميل بشدة إلى المياه المالحة، وقد أثبتت الدراسات أن ذلك المحصول يكون أفضل بنسبة 12% إذا كان مزروعًا بمياه البحر المالحة، لأن الملح يُكسبه بعض العناصر التي يحتاجها الجسم مثل الفيتامين، وهذا لا يمنع بالتأكيد من وجود محاصيل أخرى لا تتناسب معها طريقة الزراعة بماء البحر نهائيًا.

احتياجات الزراعة بماء البحر

عملية الزراعة بماء البحر ليست عملية سهلة كما يعتقد البعض، فأي دولة ترغب في استخدام مياه البحر المالحة القريبة منها في الزراعة عليها أن تُفكر جيدًا فيما تملكه من إمكانيات وظروف اقتصادية واجتماعية، لأن هذه الأشياء تُحدد بشكل كبير إلى أي حد يُمكن أن تنجح العملية وإلى أي مدى يُمكن أن يبلغ فشلها.

تحتاج الزراعة بماء البحر أيضًا بعض المعدات الحديثة التي تتولى عملية تحلية المياه العذبة، فالتكنولوجيا ضلع رئيس في هذه العملية، والحقيقة أنه مع تطور التكنولوجيا تزداد نسبة نجاح الزراعة بماء البحر بشكل كبير، أي أننا في حاجة دائمة لمواكبة التطور فيما يتعلق بهذه العملية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

3 × 1 =