تأثير التفجيرات النووية الاختبارية على البيئة

يحاول البشر على الدوام اختراع أسلحة أكثر فتكًا، ومن أهم هذه الأسلحة القنابل النووية، وتعتبر التفجيرات النووية الاختبارية واحدة من أكثر مسببات التلوث.

على مدار التاريخ الطويل دائمًا ما نجد أن التفجيرات النووية الاختبارية تترك خلفها دمارًا كبيرًا على البيئة المحيطة بها نتيجة التأثير السلبي الشديد لتلك التفجيرات النووية الاختبارية، لذلك فإن السلاح النووي يعتبر من أسلحة الدمار الشامل لكونه واحدًا من الأسلحة الأكثر تدميرًا حول العالم نظرًا لاعتماد التفجيرات النووية بشكل أساسي على عملية الانشطار النووي، وخلال العقود الماضية تم وضع مجموعة كبيرة من المحاذير والشروط والضوابط الدولية التي تنظم عملية امتلاك سلاح نووي ، نظرًا لسعى عدد كبير من دول العالم خلال الفترة الماضية إلى امتلاك سلاح نووي لضمان قوتهم الدولية ضد أية قوى خارجية تفكر في الاعتداء أو التطاول عليها، وبالرجوع إلى أربعينيات القرن الماضي نجد أن أول تفجير نووي اختباري قد وقع عام 1945، وذلك في الولايات المتحدة الأمريكية وبالتحديد في منطقة صحراء ” آلاموجوردوا” الأمريكية، ومن خلال هذا التفجير النووي الاختباري تيقن إلى العالم أجمع أن مثل هذه القنابل تعد كفيلة بإحداث قوة تفجيرية تعادل انفجار عدد ضخم من القنابل العادية وبالتالي فإن تأثيرها على البيئة يعد أحد أكبر التأثيرات السلبية على كوكب الأرض.

التفجيرات النووية الاختبارية وتأثيرها السلبي على البيئة والموارد الطبيعية

البيئة هي الخاسر الأكبر

ربما البيئة هي الخاسر الأكبر من التفجيرات النووية الاختبارية التي تجريها العديد من الدول حول العالم لامتلاك هذا السلاح الخطير، ومن خلال تتبع التجارب النووية السابقة نجد أن الإشعاعات النووية قد قضت على مساحات مأهولة من الموارد الطبيعية والأراضي الزراعية، والتي حولتها تلك التجارب إلى أراضي غير صالحة للزراعة أو الاستغلال النباتي أو أي نشاط آخر، إلى جانب ذلك فقد توغلت الإشعاعات إلى المحاصيل والحبوب الزراعية والتي أصابتها بالعديد من الأمراض التي انتقلت في النهاية إلى الحيوان والإنسان، وبالنسبة للمياه فقد تسببت التفجيرات النووية الاختبارية والإشعاعات الناجمة عنها في تلوث المياه بدرجة كبيرة وصلت إلى اعتبار المياه -في المناطق القريبة من التفجيرات- من المواد المسرطنة، كما تسببت التفجيرات النووية الاختبارية في انتشار الغبار المشع الذي يستطيع الانتشار في الجو بطريقة سريعة نتيجة ارتباطه بحركة الرياح والذي يستطيع الوصول إلى أماكن بعيدة عن مواقع التفجيرات النووية ويتساقط على هذه الأماكن ليصيب المياه والتربة وبالتالي انتقال هذا التأثير إلى الإنسان والحيوان والنباتات.

التأثير السلبي لـ “التفجيرات النووية الاختبارية” على الإنسان

دائمًا ما تتسبب الإشعاعات النووية الناجمة عن التفجيرات النووية الاختبارية في ظهور مئات الأمراض التي كانت نادرة قبل الدخول في عالم القنابل النووية، والتي أصابت الإنسان نتيجة لخطورة التعرض لمثل هذه الإشعاعات، وسرعان ما تتسبب التفجيرات النووية في ظهور أمراض مبكرة تحدث وقت وقوع التفجيرات النووية والتي تتعلق أغلبها بـ “فقدان البصر والتغيرات الدموية” وقد يصل الأمر إلى الوفاة نتيجة التعرض لجرعات كبيرة من الإشعاعات النووية، أما بالنسبة للأمراض المتأخرة فيأتي على رأسها السرطان والعقم إلى جانب انخفاض متوسط عمر الإنسان، وأيضًا حدوث نسبة كبيرة من التشوهات في الأجنة وإجهاض الحوامل، إلى جانب ذلك فغالبًا ما تؤدي التفجيرات النووية الاختبارية إلى زيادة نسبة المواليد المصابين بالنقص العقلي وبالتالي تصبح تلك التجارب أحد الأسباب المؤدية إلى خلق أجيال مشوهة عقليًا، يضاف إلى تلك التأثيرات ظهور أمراض تتعلق بالوراثة لدى سكان المناطق القريبة من موقع التفجيرات النووية حيث تتسبب الإشعاعات النووية في حدوث تلف في الخلايا التناسلية والتي تؤثر في عمل الجينات لدى الإنسان.

اتفاقيات منع التفجيرات النووية الاختبارية

بعد أن أدرك العالم خطورة ” التفجيرات النووية الاختبارية “، وخطورة انتشار السلاح النووي فقد بدأت الأصوات تتعالى لضرورة تقنين ذلك من خلال سن مجموعة من التشريعات وإبرام اتفاقيات دولية ومعاهدات تمنع امتلاك أية دولة للسلاح النووي، وبالفعل فقد شهد عام 1996 ظهور معاهدة تتعلق بهذا الإطار وهي التي أطلق عليها معاهدة “منع تجارب السلاح النووي”، وعقب ذلك بدأت العديد من الدول في التوقيع على هذه المعاهدة في محاولة لمنع التفجيرات النووية الاختبارية ، لكن على النقيض من ذلك فقد امتنعت العديد من الدول عن التوقيع على هذه المعاهدة فيما لم تصادق أيضًا مجموعة أخرى من الدول على هذه المعاهدة.

جهاز رصد التجارب النووية

ربما كان التوصل إلى آلية جديدة لرصد التفجيرات النووية الاختبارية هو الهم الشاغل لعدد كبير من الدول خلال العقود الماضية، وذلك لتضييق الخناق على أية دولة تفكر أو تسعى إلى امتلاك سلاح نووي وإجراء تفجيرات نووية اختبارية ، وبالفعل فقد تم إنشاء جهاز لرصد التجارب النووية أينما كان موقعها حول العالم، وأصبح بمقدور هذا الجهاز رصد التجارب والاختبارات التي تجريها الدول التي تحاول امتلاك سلاح نووي خاصة وأنه لابد من إجراء اختبارات تفجيرية قبل امتلاك السلاح بشكل تام، ولذلك فقد خرج البعض ليؤكد أن جهاز رصد التجارب النووية سيكون هو السلاح المقاوم لسعي الدول لإجراء التفجيرات النووية الاختبارية.

تجارب فرنسا النووية وتأثيرها على الجزائر

على مدار العقود الطويلة الماضية سعت العديد من الدول إلى امتلاك السلاح النووي بجانب بعض الأسلحة الأخرى مصل السلاح الهيدروجيني، لتصبح في مصاف الدول الكبرى عالميًا، ولذلك فقد بدأت بعض الدول في إجراء تفجيرات نووية اختبارية في منتصف القرن الماضي ومن هذه الدول فرنسا، وذلك في محاولة منها لامتلاك هذا السلاح الفتاك، لكن غالبية هذه التفجيرات الاختبارية كانت تتم في مناطق بعيدة عنها لتجنب الوقوع تحت تأثير هذه القنابل السلبي على البيئة والإنسان، وفي سبيل ذلك قامت فرنسا في عام 1960 بتفجير أول قنبلة نووية اختبارية في صحراء الجزائر والتي أعقبتها بعدد آخر من التفجيرات الجوية والأرضية، الأمر الذي تسبب في حالة كبيرة من الدمار للشعب الجزائري سواء على المواطنين أو البيئة المحيطة بالتفجير، وقد نتج عن التفجيرات النووية الاختبارية -التي قامت بها فرنسا في الجزائر- إصابة مئات المواطنين بالسرطان وإجهاض عشرات الحوامل كما فقد مئات المواطنين بصرهم ووصل تأثير هذه الاختبارات على البيئة إلى درجة أن وصل الأمر إلى تدمير مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية في الجزائر، وبالرغم من مرور ما يزيد عن نصف قرن على هذه الاختبارات إلا أن التأثير السلبي لها ما زال يضرب بقوة في منطقة صحراء الجزائر نتيجة الإشعاعات النووية الناجمة عن التفجير .

لكل اكتشاف أو اختراع جديد مزاياه المتعددة لكن السعي إلى السيطرة وفرض الهيمنة دائمًا ما يأخذ الإنسان والدول الكبرى إلى البحث عن المساوئ والأضرار، فبالرغم من الأغراض السلمية للطاقة النووية التي قد تؤدي إلى نقلات حضارية كبيرة لدول العالم إذا أُحسن استغلالها لتوليد الطاقة وعلاج الأمراض السرطانية، إلا أن توجه دول العالم الكبرى إلى امتلاك السلاح النووي لفرض سيطرتهم ونفوذهم ولتشكيل درع واقي في الدولة ضد أي معتدي؛ جعل من التفجيرات النووية الاختبارية التي تسبق امتلاك السلاح النووي فزاعة تُصيب العالم أجمع حاليًا نتيجة التأثيرات شديدة الضرر على الإنسان والبيئة، ومع توجه العديد من الدول خلال العقود الماضية إلى التوسع في امتلاك السلاح النووي بات التكاتف العالمي بين حكومات الدول والتوصل إلى حلول جذرية حقيقية تضمن وقف التفجيرات النووية الاختبارية هو الهدف الذي يجب السعي إليه جديًا خلال الفترة الحالية، لضمان العيش في حياة أكثر أمانًا بعيدًا على ملوثات البيئة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

11 + 20 =