كيمياء الحب

الحب هو المحرك الأسمى في الوجود كما يدعي الكثيرون، لكن في كثير من الأحيان تصيبنا الدهشة لتوافق أحد الأزواج مع بعضهم البعض ما نطلق عليه كيمياء الحب ، قد نرى علاقة حب قوية تربط بين أثنين منعدمي التكافؤ الاجتماعي، أو حتى أحدهم أكثر حسنا من رفيقه بمقاييس الجمال المتداولة لدى الكثير، ولكن كيف هذا؟ كيف يمكن نشوء علاقة طويلة الأمد بين أثنين لا تجمعهما روابط مشتركة أو على الأقل كما نتصور أنهم يفتقرون للحد الأدنى من التوافق، اللعبة كلها تكمن في كيمياء الحب. فالحب من منظور عقلي مادي لا يتعدى كونه حالة ناشئة بالأساس نتيجة اندفاع هرمونات محددة في الجسد تندفع لتعطي مشاعر ونشاط مختلف لأجزاء الجسم؛ مثل الدوبامين المسؤول بالأساس عن الشعور بالسعادة، وكذلك هرمون النورابنفرين المشابه في وظيفته للأدرينالين المسؤول عن التوتر والإثارة ودقات القلب المتسارعة عند الشعور بالحب.

الحب من منظور فلسفي

تتسع رقعة وجهات النظر من خلال النظر للحب من منظور فلسفي، فإن لغز كيمياء الحب وصعوبة تفسير الوجد والميل الكبير لشخص ما بدون مبرر واضح قد شغل الكثيرين واختلفت تفسيراتهم تبعا لذلك، لكن أولا دعنا نعطي تعريفا متماسكا للحب من وجهة نظر الفلسفة، فالحب هو أي انجذاب يقوم به شخص تجاه آخر نتيجة لأسباب مادية أو روحية، ويكون الهدف الأساسي من الحب هو الشعور بالسعادة من مبادلة الطرف الأخر الشعور. فالأمر في أغلب الأحيان لا علاقة له بالمادية من منظور الفلسفة.

الحب من منظور علمي

الحب بمفهومه العلمي يعامل كمبدأ مجرد تماما من كل الأحاسيس والمشاعر، فالعلم ينظر للحب نظرة مادية بحتة وعلى النقيض من الفلسفة التي تتسع رقعة الآراء والسجال فيها، فترى بعض آراؤها أن الحب هو تجاذب ميتافيزيقي لا مادي بين روحين، أو بالنظرة الأفلاطونية أن كل الله خلق كل روح وخلق توأمها، فالموفق في الحياة هو الذي يبحث عن رفيق روحه ويجده. العلم ينظر للجسم باعتباره مصنعا للهرمونات التي تتكون بالأساس من مركبات كيميائية تفرزها بعد الغدد المسؤولة عن أداء بعض الوظائف الحيوية في جسم الإنسان. فاللاعب الأساسي هنا هو هرمون الدوبامين الذي يسبب السعادة والنشوى المفرطة التي تصيبنا حين نحب، فهناك حرب تسابق بين الهرمونات في كلا من الأنثى والذكر عن طريق هرمون تستيسرون في الذكور وإستروجينيين في النساء.

كيمياء الحب عند الرجل

الحب لدى الرجل معضلة شائكة وفهم كيمياء الحب لديه أمر معقد بعض الشيء. في عصرنا الحديث وبعد أن ارتبط العالم ببعضه وصار قرية صغيرة انتشرت قضية حقوق الإنسان بقوة وازداد الطلب بها ومعها حقوق المرأة أيضا وبات سلطات الرجال تتقلص على المرأة، كانت منها التهميش الذي كانت تعاني منه المرأة في كثير من الأحيان في حياتها الزوجية وتم كذلك طرح موضوع تعدد العلاقات لدى الرجال سواء داخل إطار اجتماعي أو عن طريق استخدام حق ديني يخضع لمعايير محددة. لكن سؤالنا هنا ما الذي يدفع الرجل لتعدد العلاقات من الأصل؟ لماذا كل هذا الخلل في كيمياء الحب لدى الرجال. قد تكون الإجابة لدى الباحثة الأمريكية ليزا دايموند أستاذة علم النفس في جامعة يوتاه، التي نشرت ورقة تناقش قضية الحب عند الرجل وطبيعتها، أرجعت خلالها أن الرجل يلجئ للعلاقات المتعددة بدافع من غريزته الغير متعقلة وطبيعة تركيبه الجسماني.

الأمر هنا ليس التحيز للرجال بالطبع فالعلم بطبعه لا يعرف إلا سرد الحقائق بغض النظر عن اتجاهها، ولكن ما تحاول الباحثة قوله أن الرجل بطبيعته النفسية والتي تطورت عبر العصور يميل لتعدد العلاقات بعيدا عن التعقل بل بحكم الغريزة المحضة التي تستخدمها الحيوانات، قد يرجع هذا ترجيحا لطبيعة كلا من الرجل والمرأة البيولوجية. فمن السائد في المجتمعات الزراعية القديمة منذ بداية نشئت الإنسان وحتى في المجتمعات التي عاشت في حقب زمنية قريبة -قبل الثورة الصناعية- أن الرجل هو المتحكم الأول والأخير في العلاقة الزوجية والأسرية نظرا لكونه الذي يعمل وينفق لذا فالطبيعي أن تكون السلطة في يده وهو المتحكم الوحيد، على النقيض نجد نساء ما قبل الحداثة يلازمون المنازل لتحريم خروج المرأة وطبيعة العصر، يأتي فوق كل هذا وذاك الطبيعة الفسيولوجية للمرأة مثل الطمث وأيضا انشغال المرأة لفترات كبيرة للاهتمام بالطفل المولود، مما قد يهمش دور الزوج بعض الشيء سواء أسريًا أو عاطفيًا، ناهيك عن طبيعة المرأة النفسية بالنسبة للحب والتي سنناقشها بالتفصيل.

كيمياء الحب عند المرأة

كيمياء الحب عند المرأة مختلفة شيء ما من الذكور، فبالنظر إلى أن الطبيعي في الذكور الاهتمام الزائد بالمادة؛ وقد أرجع بعض الباحثين في جامعة أكسفورد لبريطانية الأمر لتفوق حجم ووظائف الجزء المسؤول عن المادة في أدمغة الذكور عن الإناث. الأمر عاطفي تماما عند المرأة، قد تكون المادة أمر ثانوي ناشئ من الحب ذاته لدى البعض. يرجع البعض الاختلاف الرهيب في كيمياء الحب عند المرأة عن الرجل لأمور فسيولوجية تتمثل في زيادة إفراز هرمون الأكستوسين الذي يملك العديد من التأثيرات التي سنستفيض في شرحها منها على سبيل المثال انصباب تركيزها على الطفل المولود كأولوية أولى بدلا من زوجها وهو أمر فطري تماما.

الحرب الهرمونية

كما أسلفنا الذكر فأن من الجانب العلمي المتحكم الأول والأخير في كيمياء الحب والتوافق بين أثنين يحكمه مجموعة من الهرمونات مثل التوستيسترون وإستروجينيين؛ يعتبر كلا منهم الهرمونات المميزة للذكورة والأنوثة. الحصان الأسود هنا والهرمون الذي يرجع إليه الشعور بالحب هو الأكستوسين، يعتبر هرمون الأكستوسين المسؤول الأول عن كيمياء الحب، فإفرازه يبدأ في الغدة النخامية ويقوم برحلته عبر الدم ليحفز مشاعر الحب والعاطفة سواء في الرجل أو الأنثى، وللهرمون مهمات عديدة:

الحمل والولادة: يقوم الأكستوسين بمهمة سحرية خلال الولادة وما قبلها، حيز يحفز إفرازه انبساط عضلات الرحم والمهبل لسهولة نزول الجنين، كما لوحظ تخفيفه من الآم المخاض التي تصيب الأنثى أثناء وبعد الولادة، وينصح الأطباء دائما بالمحافظة على الثبات الانفعالي وتجنب التوتر للمحافظة على مستوى عالي من هرمون الأكستوسين.

الرضاعة الطبيعية: ارتفاع نسبة الهرمون في الدم يدعم إفرازات الغدد اللبنية في الصدر، ويجعل إدرار اللبن في مستواه الطبيعي، خصوصا لبن السرسوب الذي يعقب الولادة مباشرة.

هدوء الأعصاب: وجود الأكستوسين في الدم يحفز مشاعر الهدوء والثبات، ويساعد الأنثى كثيرا في التغلب على التوتر والإجهاد المصاحب لعملية الولادة.

في الأخير فإن الحب هو أكثر القيم الإنسانية رقيا لكن المستغلين دائما قادرون على استغلال الأشياء الجميلة، فالحب أيضا يعد أكثر الأشياء التي يمكن أن تبيع في العالم كمنتج أو كموضوع للتداول وأدى هذا الكثيرين إلى البحث عن مفهومة كيمياء الحب بعناية، وأيضا الاهتمام بالمصادر جيدا وصاحبها، لذا لو أردتم فهم الكثير عن الحب عليكم بالقراءة الجيدة المتأنية.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

خمسة × 3 =