عادة القراءة

عادة القراءة هي من العادات الرائعة والمميزة التي تغيب عن ثقافتنا العربية بشكل ملحوظ ومثير للاستياء، والتي يفرض علينا إدراكنا لأهميتها إعادة النظر في جملة عاداتنا وكيفية الموازنة بينها، وكذا الحال كيفية تنظيمنا للوقت، لتلبية حاجات عقلية لم نعطِ لها أولوية في حياتنا، بل جعلنا منها أمرا ثانويا! وإذا كان الإنسان مكون من عقل وبدن، وكان إشباع حاجات البدن من مأكل ومشرب وأغراض أخرى أمرا ضروريا لا مفر منه، فكذا الحال كان لزاما على الإنسان أن يمعن في إشباع حاجات العقل أيضا كما يشبع حاجات البدن، وإلا صار يعيش كما تعيش الأنعام أو أضل؛ لأن وظيفة الإنسان في الوجود قد انتفت. فثمة نظرية للفيلسوف الأكبر “أرسطو” مفادها أن قيمة الشيء في الوجود تتحدد في مدى تأدية هذا الشيء لوظيفته، فمثلا وظيفة اللسان هي الكلام والتذوق، فإذا قل أداء اللسان في عمليتي الكلام والتذوق قلت قيمة اللسان، وكذلك الأمر يمكن أن يقال في الأذن حيث وظيفة السمع، فإذا لم تسمع الأذن فلا قيمة لها. وإذا أسقطنا الأمر على الإنسان فإن وظيفته في الوجود أن يعقل ويعي ويعيد بناء هذا الوجود من حوله في ذهنه، فإذا لم يعقل الإنسان ويعِ انتفت عنه إنسانيته ولصار شيئا آخر لا هو بالإنسان ولا هو بالحيوان، لأن للحيوان وظيفة في الوجود يؤديها هو الآخر وهو غير مقصر في ذلك. وليس من شك في أن أحد أهم العادات التي تعمل على إزكاء دور العقل الإنساني ومن ثم دور الإنسان لهي عادة القراءة، إذ لعادة القراءة أهمية قصوى في بناء العقل ومن ثم بناء الإنسان سنحرص على توضيح معالم هذه الأهمية عبر هذا المقال.

عادة القراءة ودورها في توسيع الأفق

1عادة القراءة كأداة للتثقيف

كثرا ما يطرق آذاننا مصطلح مثل الثقافة أو مثقف دون أن نعرف له مدلولا عميقا سوى أنه يعني أن هذا المثقف إنما هو شخص قارئ أو يمارس عادة القراءة ليس إلا، لكن المعنى العميق لمصطلح “الثقافة” غائب بشكل كبير عنا. وكلمة ثقافة في اللغة العربية تأتي من الفعل “ثَقَفَ”، وثقف الشيء في العربية تعني هذبه وشذبه وسواه، وهي في الأساس تستخدم في السياق “ثقف السيف” أي شَحَذَهَ وجعله مهيئا للاستخدام. ومعنى شحذه وهذبه وشذبه أنه جلّاه من الزوائد والرتوش التي تجعل منه أداة غير مهيأة، غير مثقفة، غير مهذبة. وإذا أسقطنا هذا المفهوم على الإنسان بدلا من السيف لوجدنا أن معنى أن هذا الإنسان مثقف، أي أنه مارس على نفسه الكثير من العمل ليجلي عنها الكثير من زوائد ورتوش الهمجية التي تلحق بإنسانيته، فالإنسان المثقف إذن هو ذلك الإنسان الذي مارس على نفسه الكثير من الجهد والترويض ليجعلها أكثر تهذيبا وتثقيفا.. أكثر إنسانية، وهذا الجهد إنما في معظمه يكون بالقراءة والاطلاع، ليستطيع الإنسان أن يضع أمامه الكثير من التجارب والخبرات التي مرت بأناس آخرين لم يرهم من قبل، وهم من ثقافة لم يعايشها من قبل، وإنما القراءة وحدها هي التي أتاحت له رؤية هؤلاء الناس ومعايشة هذه الثقافة.

2عادة القراءة وإزكاء روح القيم الأخلاقية

ومن خلال كل هذه الخبرات والتجارب التي تحدثنا عنها يستطيع الإنسان أن يميز ويقارن بين ما هو عليه وما ينبغي أن يصبح عليه من القيم الإنسانية الحقة، والتي تراعي للناس جميعا -أينما وجدوا وفي أي ثقافة ثُقِفوا- تراعي لهم اختلافهم بل تتفهم هذا الاختلاف، ومن ثم ارتقاء في القيم والأخلاق. إذ ليست الأخلاق كما يظن السواد من الناس أنها ليست بحاجة إلى تعليم أو وعي وهي تنمو بالتنشئة الاجتماعية ليس إلا، وإنما الأخلاق بخلاف ذلك هي إدراك شمولي لمصالح أكبر عدد من البشر تجمعهم بقعة جغرافية معينة أو مصلحة ما -بحيث لا تتصادم هذه المصالح أو يبغي بعضها على الآخر. فالأخلاق إذن بحاجة إلى الوعي المتقد والذي تنميه وتدعمه عادة القراءة.

3القراءة وقوة الملاحظة

إن من بين الأشياء القيمة التي تفيدنا بها عادة القراءة هي تنمية مهارة الملاحظة بشكل كبير، إذ تعتمد عملية الملاحظة اعتمادا كبيرا على وجود صورا ذهنية تنتظر مقابلتها بما يشابهها أو يماثلها من الواقع (لذلك يقال إن الملاحظة العلمية لا تتأتى إلا للأذهان المستعدة)، وهذه الصور الذهنية إنما يعمل على تنميتها وإبراز معالمها عادة القراءة. فمثلا عندما أقول لك أن شكل السحب المتراكمة في السماء تعطي شكل حيوان الكانجرو، فأنت لن تستطع ملاحظة هذا الشكل إلا إذا كانت لديك خلفية ذهنية عن صورة حيوان الكانجرو لتطابق عليها صورة السحب المتراكمة، وبما أنه لا يوجد لديك في المنطقة الجغرافية التي تعيش فيها حيوان الكانجرو لأنه يتواجد بأستراليا بالأساس، فلن تستطع ملاحظة هذا الأمر، وهل لتلاحظ أمرا ما يتوجب عليك أن تكون قد سافرت كل بلدان العالم؟! بالطبع لا، ومثل هذا الأمر ما كان ليتحقق إلا بعملية القراءة التي تعمل على تنمية الصور الذهنية التي هي عماد عملية الملاحظة. ونحن هنا نضرب مثلا للتوضيح فقط، لكن بالقياس على كل مناحي الحياة فإن الملاحظة مطلوبة فيها، لأن الملاحظة هي أو خطوة في عملية التفكير، وحتى في التفكير العلمي.

4عادة القراءة وتنمية الخبرات

إن الخبرات التي نخبرها في رحلة العمر محدودة جدا جدا بالقياس إلى ما يمكن أن نخبره من خلال القراءة. فالإنسان محدود جدا في الزمان والمكان، فهو حينما يحتك بأناس آخرين ويخبر ما خبروا فهو لا يتجاوز بضع العشرات أو بضع المئات من البشر، وذلك في فترة زمنية ضئيلة بالقياس إلى عمر الزمن الإنساني والخبرات الإنسانية. لكن عادة القراءة تتيح لك بحق أن تعيش تجارب وخبرات أناس آخرين وثقافات أخرى، كما تتيح لك أن تعيش في أزمان أخرى سحيقة لم تعشها فعليا وإنما أنت تعشها عقليا ووجدانيا، وكلما قرأت أكثر عن هذه الأزمان وتفاصيلها كانت خبرتك بها أكبر، وكان ذلك إضافة إلى عمرك الفعلي المحدود جدا، وأنت بمعايشتك لهذه الأزمان ولهؤلاء البشر إنما أضفت إلى عمرك أعمارا أخرى تتجاوز العمر البيولوجي. وقد قيل قديما: من وعى التاريخ في صدره أضاف أعمارا إلى عمره.

5عادة القراءة بين الشرق والغرب

إن من بين الأمور التي تثير الأسف والاستياء في وقت واحد هو إهمال الثقافة العربية لعادة القراءة التي هي من أهم العادات التي ينبغي اتباعها، إذ أن عادة القراءة ليست علامة على ارتقاء الأمم فحسب، وإنما هي أيضا عامل من عوامل ارتقاء الأمم في مدارج الحضارة الإنسانية. ولكم يثير في النفس كثيرا من الشجن والحسد النبيل أن ترى ركاب الباصات والمترو في دول الغرب يمسكون بالكتب ويقرؤون بمنتهى النهم، كبارا وأطفالا يقرؤون ولا يحفلون بما حولهم ومن حولهم، ترى ذلك وتستطيع أن تستشف هذا الشغف من أول وهلة، وهذا مما يدعو لمزيد من الألم والوجد على حالنا المتردي الممعن في السوء واللامبالاة. لهذه الدرجة بلغوا من الحرص على القراءة والترقي بأهميتها لتصبح عادة يومية لا تستقيم الحياة من دونها. وقد يقول قائل: هم في الغرب يقرؤون في الباصات والمترو لأن الباصات والمترو ليسوا بالازدحام الذي عليه حال المواصلات لدينا والذي يفقد الإنسان توازنه النفسي والعصبي، وعلى مثل هذا القائل أرد قائلا: إنهم لا يقرؤون في الباصات والمترو فحسب، إنهم يقرؤون كلما أتيحت لهم فرصة القراءة، وهل انعدمت لديك جميع الفرص لتقرأ، هل انعدمت لديك جميع الفرص لتصير إنسانا؟ كلا، لكنه الكسل واللامبالاة هما من أقعداك عن ممارسة عادة القراءة، فعليك عزيزي بقهرهما لتنتصر لإنسانيتك التي تناديك كل يوم ليل نهار وأنت عنها ساهٍ لاهٍ غير مبال.

وبعد، فإن عادة القراءة كما رأينا لا مفر من جعلها عادة يومية أو حتى أسبوعية تتيح لنا الكثير من الحياة وتفتح لنا الكثير من النوافذ التي نرى من خلالها العالم، فلا ينبغي إهمالها أو الرضا بدونها.

1 تعليق

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

18 − 8 =