تسعة
الرئيسية » مجتمع وعلاقات » تفاعل اجتماعي » العنف اللفظي : كيف تسبب الشتيمة انحدار أخلاق الأمم ؟

العنف اللفظي : كيف تسبب الشتيمة انحدار أخلاق الأمم ؟

في عالمنا أصبح العنف اللفظي واحد من الأمور المعتاد رؤيتها كل يوم، لكن ما تأثير العنف اللفظي والشتيمة والسباب على مجتمعاتنا من الناحية الأخلاقية؟

العنف اللفظي

العنف اللفظي هو شيء معتاد لدى الكثير من البشر وللأسف أن أقول ذلك فهو شيء سيء جداً لأن هذا الطبع يعود في الأخير على الجميع بالسلب من حيث العائلة والأشخاص ومن ثم المجتمع فينتج في الأخير شعب يتعامل بصورة سوقية في كل شيء وكل هذا بسبب البدء من الأسرة الصغيرة جداً التي يتعامل فيها الأب بعنف لفظي وأحياناً جسدي، ولكننا سنركز اليوم على العنف اللفظي الذي يغير أحياناً مفاهيم الأطفال عن الأب والأم ويغير مفهوم الزواج عند الأزواج. إن افترضنا أن هناك شخص يتعامل بعنف لفظي بصورة دائمة فيجب عليك أن تدرك عزيزي القارئ أنه يهدم كل العلاقات والجسور التي من خلالها تتكون الأسرة السليمة فكيف سيحب طفل أباه الذي يتعامل معه بشتم وعنف لفظي على الدوام، فجميعنا نعلم أن الكلمات مثل السيوف تقتل وتجرح لذلك عزيزي قراءتك لهذا المقال ستجعل منك في الأخير مثقف تماماً لتواجه قيمة العنف اللفظي السلبية في حياة الآخرين بل وتستطيع بحسن اللسان أن تمنع حدوث شيء مثل هذا ومن الممكن أن يؤثر في نفسية أحدهم. ومبدئياً سنتحدث عن التأثير السلبي الذي من الممكن أن يحدث لجميع عناصر الأسرة باختلاف مصدر العنف في كل مرة لترى بنفسك أن هذا يحدث يومياً ويؤثر على الجميع.

العنف اللفظي وتسببه في انحطاط الأخلاق

الأولاد

هناك قدر من عدم التفهم أحياناً يصيب الأبوين يجعلهم لا يعرفون قيمة الكلمات التي يقدمونها لأطفالهم، ففي الميديا الأجنبية عموماً نجد اهتماماً كبيراً بفكرة أن تزرع في عقل الطفل أفكاراً إيجابية دوماً لأن ذلك على المدار الزمني التراكمي سيجعل شخصية الطفل ناضجة وسليمة وتتحمل السلبيات وتقاومها جداً، ولكن هذا نجده دوماً في المجتمع المتطور مادياً أو المجتمعات التي لا تعاني أزمات مادية التي تجعل الأبوين غير قادرين على التحمل. أما في مجتمعنا الشرقي فالشريحة المادية المستهلكة في جمع الماديات كبيرة لذلك نجد اهتمام الأب والأم ليس نفسية الطفل ولكن سد احتياجات الطفل من أكل وشرب ودراسة وكل هذا يحتاج إلى تعب من الأب والأم فينظرون إلى الطفل أحياناً أنه سبب التعب، ومن هنا لا يهتمون بنفسية الطفل فتبدأ الكلمات الرنانة السيئة إذا الطفل أخطأ في أذن الطفل وعقابه عقاب شديد ونجد دائما الأهل يقولون “ألست تعلم كم نحن نتعب من أجلك وأنت لا تفهم” وإن جئت للحقيقة لا يجب على الطفل أن يفهم ولا يجب أن تعنفه لفظياً كلما أخطئ بل عليك أن تكون صبوراً جداً وإن كنت على غير استعداد للتربية فلماذا قررت أن تتحمل مسئولية طفل من الأساس! ونتيجة لذلك يكبر الطفل الشرقي محطم تقريباً نفسياً ومنزوع الهوية ولا يعلم ماذا يحب أو ماذا يريد إلا بعد العشرين من عمره وهذا سيء جداً، لأن الولد يكون دائماً تحت التعنيف اللفظي في البيت والمدارس وحتى في الشوارع. لذلك عزيزي القارئ عليك أن تتكلم مع أولادك بطريقة غير عنيفة بل بطريقة تجعل منهم أشخاص متفاهمين وليسوا مقموعين منزوعين الشخصية ولا تحاول أن تجبرهم أن يصيروا مثلك فهذا ظلم لهم أن تجبر شخص أن يصير مثلك، دعه يكون شخصيته الخاصة وساعده على ذلك ولا تعنفه لفظياً كلما فعل شيء ليس على مزاجك بل ادعمه إن كان الأمر يسمح.

الزوجة

يكون الأمر واضح جداً في المجتمع الذكوري والعنف اللفظي ضد المرأة عموماً يكون شيء طبيعي في حين أن هذا ليس طبيعي لأن المرأة جزء لا يتجزأ من المجتمع بل وركن أساسي لبناء مجتمع متحضر وكما يقول المثل الإنجليزي المشهور “إن أردت أن تقيس حضارة الدول فانظر إلى حال المرأة في هذه الدول”، وهذا جزء بسيط يوضح أهمية المرأة ولكن على الرغم من ذلك نجد بعض الرجال الغير ناضجين يتوجهون دائماً نحو المرأة بالعنف اللفظي والتقليل من شأن المرأة بصورة موجعة ومهينة تجعل المرأة مكسورة ولا تشعر بالفخر في مكان عيشها، ويكسر ذلك العنف أي محبة بين الأزواج من حيث يتوجه الزوج بإهانة الزوجة وكأن هذا طبيعي وإن ردت هي الإهانة فيتوجه فوراً بضربها قائلاً أنه لا يجب على المرأة أن تهين الرجل. بالطبع هذا كلام غير معقول وغير مقبول وخصوصاً إن أردنا أن نبني مجتمعاً عربياً محترماً قائماً على الحضارة والفكر والمنطق ومبدأ اللا عنف. إن مثل هذا العنف اللفظي يورث وخصوصاً للأطفال فهل تتخيل معي الطفل الصغير عندما يرى أبوه يشتم أمه فهل هو سيحترم أمه أو أخته أو زوجته فيما بعد بالطبع لا بل سينظر للأنثى عموماً على أنها جنس أقل وسيتكرر هذا الفعل الفظيع بمرور الزمن في أجيال أخرى. لذلك عليك أن تفهم تماماً أن العنف اللفظي لن يرجع كرامة ولن يفرض سيطرة ولن يفعل شيء إيجابي أبدأ لحياتك بل سيجعل من حياتك جحيم، استخدم المنطق دائماً وكن مقنعاً فالمرأة تحب الرجل الذكي الذي يستطيع أن يقنعها بالأشياء لأن هذا يشعرها بالأمان أنها صائنة رجل ذكي يعرف كيف يتعامل مع شتى الأمور ومن هنا ستجد المرأة استسلمت لطريقة تفكيرك الذكية دون عنف أو إهانة.

الزوج

قد يكون هذا غريباً أن يتعرض الزوج للعنف اللفظي ولكن هذا يحدث في الحقيقة وكما قلنا وتكلمنا عن حق المرأة فيجب أن ندرك أن هناك مشكلة في بعض البيوت بأن الزوج فيها يتوجه له العنف اللفظي من زوجته بطريقة سيئة تجعل الأمور غير محتملة وغير قابلة للحل تماماً، لأن من الطبيعي أن يكون للزوج زمام الأمور في إدارة البيوت لأنه هو الأقدر على تحمل المسئولية والمصاعب بشكل أقدر على الإدارة. ولكن في بعض الأحيان يكون الزوج مثالاً عاجزاً أو له ظروف معينة تكون فيها السيدة هي مديرة المنزل فيحدث هنا خلل في نفسية الكل والسيدة تبدأ في اعتبار نفسها أن لها الحق في إهانة زوجها لأنه ضعيف ولا أقول أن جميع السيدات هكذا ولكن أقول أنه توجد حالات مثل هذه في مجتمعنا، ونحن في مقلاتنا دائماً واقعيين ونسرد الواقع بحلول عملية. لذلك في مثل هذه المواقف يجب على السيدة فوراً أن تتوقف عن فعل هذا لصالح أسرتها بالكامل لأن هذا يهدم الأسرة بل ويهدمها هي نفسها لأنها لن تشعر بالأمان بإهانة زوجها وتوجيه عنف لفظي مستمر له وهو لا يقدر على المقاومة، فالرجل يمثل الأمان بالنسبة للمرأة حتى ولو عاجز لذلك عليك عزيزتي المرأة أن تتكلمي مع زوجك بصورة لائقة لصالحك أنتِ في النهاية.

الأب والأم

وهو من أكثر أنواع العنف اللفظي جرحاً وتأثيراً حين يكون موجه للأب والأم ولا سيما من أولادهم وهو يحدث أحياناً عندما يكبر الأولاد وهم يملكون قدراً من الجحود أو الأذى النفسي الذي يجعلهم يهينون أهلهم بصورة غير لائقة وبشتائم أو بصراخ يجعل الأب والأم في غاية الأذى لأنهم يتذكرون أنهم هم السبب في وجوده وسبب رعايته ونضوجه وبعد كل هذا قابل الأولاد هذا الاهتمام بطريقة سيئة. وهنا نصيحتي لمن يرى في هذا حقاً له هي بسيطة جداً أنه مهما كنت ترى أباك وأمك سيئين التصرف فعليك تماماً أن تراعي مشاعرهم، مهما كانوا آذوك وأنت صغير فلا تكن مثلهم وتؤذيهم وتجعل من ضميرك مزبلة. ففي الأخير هما سبب وجودك في هذه الحياة وهذا كفيل أن يجعلك تسامحهم على أي شيء فعلوه بك.

نتائج العنف اللفظي

الكراهية طبعاً هي أول هذه النتائج والعنف اللفظي يعمل عمل المقصلة التي تقطع رقاب العلاقات بصورة سيئة وغير قابلة للصلح فسينتج لديك أسرة كارهة لك أو أولاد شتامين أو زوجة متمردة أو حياة تعيسة يتحكم فيها دوماً الشتائم والصراع والصراخ والصوت العالي الذي يغطي على صوت العقل والحب. لذلك عزيزي القارئ إن كنت تعاني من مثل هذه المشكلة فحاول أن تدرك أن هذا سيء وسينتج جو من الكراهية حولك لن تطيقه عاجلاً أم أجلاً لذلك خذ خطوة إيجابية وتعامل مع الموقف بصرامة.

التفكك هو ثاني نتائج العنف اللفظي ومن المعروف أن لغة التشجيع والحب هي القادرة على بناء العلاقات الصحية أما لغة التعنيف والإهانة فهي تجعل الناس يفعلون المسئوليات أو الأشياء وهم مغصوبين ومنكدين وغير راضين بل ويردون الإهانة في أنفسهم بصوت مكتوم، يجعل في الأخير الكل عبارة عن مجموعة متفككة وكلاً منهم يفعل الذي يفعله تفادياً للإهانة وليس حباً للعمل أو حباً في الآخرين.

العنف ليس حل

يجب أن تدرك جيداً أن العنف لا يجب أن يكون حلاً أبداً في أي شيء أو أي مشكلة من المشاكل التي تواجهها، ويجب عليك دائماً أن تتوجه لعقلك أولاً وليس للسانك وتقذف به شتائم على من حولك أو ترمي عليهم المسئولية والأخطاء أو تهينهم لمجرد أنك تريد أن تخرج الطاقة السلبية التي بداخلك، فدائماً العنف سيولد دائرة مفرغة من العنف المقابل وتخيل إن كنت تتعامل دائماً بعنف فهل ستجد من يحتملك على الدوام؟ بالطبع لا، وستجد في يوماً ما وقف أحدهم وتصدى لك وبادلك العنف بعنف وستجد نفسك في خضم صراع لا ينتهي بسبب قلة حيلتك في التعامل مع الأشياء بشكل بسيط ومحترم لا يحمل العنف اللفظي لأحدهم، فالحياة سهلة وجميلة وخصوصاً مع أسرتك حاول أن تستمع بهم لا أن تأمرهم أو تتحكم فيهم أو تتعامل معهم على أنهم جنودك ويجب أن يفعلون ما تأمر به وإن لم يفعلوا سيواجهون سيل من العنف اللفظي وأحياناً الجسدي أيضاً.

التغير من نفسك

أولاً يجب على الشخص الذي يعاني من مشكلة العنف اللفظي أن يدرك أنه على خطأ فإن وصل إلى هذه المرحلة من النضوج وعرف خطأه فهنا البداية الحقيقة في التغيير حيث حينها تبدأ تدريجياً في تغير نفسك. ولا أقول لك أن توزع الكلام الطيب على الجميع في ليلة وضحاها ولكن أقول لك أن البداية هي أنك تتجنب العنف اللفظي في حديثك وأن تستمع فالاستماع سيجعلك تكتشف أشياء لم تعرفها عن الأشخاص القريبين منك ومن ثم حاول أن تحسن من أسلوب حوارك وأن تكون ألفاظك خالية من الشتائم والإهانات وكل هذا بالتدريج سوف يأتي. وإن أخطأت وقلت شيء سهواً فلا تيأس وافهم أن هذا يحدث غصب عنك نتيجة التعود ولكنك سوف تعود نفسك على شيئاً جديداً أكثر جودة من هذا.

أخيراً عزيزي القارئ العنف اللفظي ليس شيء يستهان به في المطلق فالكلمات بتارة وتستطيع أن تغير أشياء كثيرة من حولنا لذلك كن حكيماً في أي شيء تقوله وخصوصاً مع أسرتك أنهم أكثر من يتأثرون بهذه الكلمات دوماً.

سلفيا بشرى

طالبة بكلية الصيدلة في السنة الرابعة، أحب كتابة المقالات خاصة التي تحتوي علي مادة علمية أو اجتماعية.

1 تعليق

عشرين + 17 =