الخليفة العباسي هارون الرشيد : إنجازاته السياسية والعلمية

هارون الرشيد هو خامس الخلفاء العباسيين وأكثرهم شهرة على الإطلاق نظرًا لما حققه من إنجازات جاءت بسبب رجاحة عقله وفراسته السياسية والعلمية كما سنرى.

0 1٬761

يُعتبر الخليفة العباسي هارون الرشيد أحد أبرز الخلفاء العباسيين، بل يُمكن القول إنه أحد أبرز الخلفاء المُسلمين بشكلٍ عام، فقد شهد عصره الكثير من الإنجازات والفتوحات، ونحن هنا لا نقصد الفتوحات الحربية فقط، بل كذلكالفتوحات الثقافية والعلمية، فمن المعروف عن الحكام في كل مكانٍ وزمان أنهم عادةً ما يكونون بارعين في المجال السياسي ويمتلكون ما نُطلق عليه الحِنكة المصحوبة بالقدرة على الإدارة، لكن نادرًا ما نجد حكام مثل هارون الرشيد يُمكنهم إدارة شئون البلاد وفي نفس الوقت التمتع بعلم غفير في الكثير من المجالات، وهنا يُمكننا تشبيه هارون بأحد الخلفاء المؤثرين كذلك، وهو الخليفة عمر بن عبد العزيز، الخليفة الخامسة كما يُطلق عليه المسلمون مجازًا، عمومًا، دعونا في السطور القادمة نتعرف سويًا على الخليفة العباسي هارون الرشيد وبعض إنجازاته في المجالات السياسية والعلمية، فهل أنتم مستعدون لمطالعة سيرة ذلك الرجل الذي يعتبره التاريخ أحد الفلتات التي مرت بهذا العالم؟

من هو هارون الرشيد؟

من المُخجل تمامًا أن تسأل أي شخص مُسلم بالغ عاقل عن هارون الرشيد ولا يكن مُلمًا بقدر كافٍ من المعلومات عنه، لكن الأكثر خجلًا أن تظل تلك الخلفية الجاهلة مُستمرة للأبد، فيجب على الأقل التعرف على بعض البديهيات عن ذلك الرجل، وأولها مثلًا اسمه، فهو هارون الرشيد بن محمد بن المهدي، وطبعًا لا يحتاج الأمر إلى تفسير كون اسم هارون الرشيد هو اسم مُركب كامل مُنفرد، بمعنى أن والده ليس الرشيد، وإنما الكلمتان معًا يُشيران إلى اسم واحد، عمومًا، هو خامس الخلفاء العباسيين، وجميعنا يعرف أن الخلافة العباسية تُعتبر من مراحل الخلافة الهامة التي مرت بتاريخ الإسلام.

تاريخ ميلاد هارون الرشيد لا يزال محل خلاف حتى الآن، فلا أحد يعرف التاريخ بالضبط، لكن الجميع يؤكد على أنه لن يكون خارجًا عن سنة من السنوات التي تقع بين عاميّ 763، 766، ميلاديًا بكل تأكيد، وقد كان ذلك بالقرب من مدينة طهران الواقعة في دولة إيران، وربما يتعجب البعض من ذلك، لكن إيران كانت في تلك الفترة منهلًا للكثير من الأمور الجيدة، وكان أغلب الحكام والعلماء منها، أو منتمين لها بصورةٍ أدق.

بدايات هارون الرشيد

حياة أي شخص تبدأ منذ تاريخ ولادته، لكن حياة هارون الرشيد يُمكن القول عنها أنها قد بدأت قبل ذلك، وتحديدًا أثناء ولادته وما حدث خلال تلك الفترة من أمور أهمها أن والده الملك محمد بن المهدي قد أنجبه من أم كانت مجرد فتاة رقيق، ولولا أنها قد تحررت بعد الزواج لما كان من الممكن أن يصل الرشيد إلى كل ما وصل إليه بعد ذلك، عمومًا، يُقال أن فتاة الرقيق هذه كانت شديدة الفراسة وأنها قد تمكنت من جعل الكثير من النفوذ السياسي لها، لدرجة أنها قد جعلت من ولديها اللذان أنجبتهما من محمد المهدي أميرين في سنٍ صغير، فهارون مثلًا كان لا يزال في السادسة من عمره، ورغم ذلك كان يُنظر له على أنه ولي العهد القادم للخلافة العباسية.

حياة هارون الرشيد في الطفولة لم تخرج عن كونها حياة طفل، يُنظر له على أنه الخليفة القادم، لكن من ناحيةٍ أخرى كان هارون شغوفًا بتحصيل العلم أكثر من أي شيءٍ آخر، وكم كنا هذا غريبًا خاصةً إذا وضعنا في الاعتبار أن أغلب الملوك ينجبون أطفالًا يعتمدون على ذلك الملك وينسون أي شيء آخر، لكن هارون لم يكن كذلك بالمرة.

براعة منذ الطفولة

كانت أسرة البرامكة المنتمية للفرس هي من أشرفت على تربية الطفل هارون، فقد جرى العرف أن يتم تربية الملوك وولاة العهد تربية مختلفة عن الجميع، والحقيقة أن تلك الأسرة المُربية أظهرت اهتمامًا أكثر بالعلم، وذلك على الأقل في الخمسة عشر عام الأولى من حياة هارون، حيث تم تعليمه العديد من العلوم المُختلفة على يد حمزة الكوفي، تلك العلوم كانت تطرق للكثير من الفنون لكن ما برع فيه هارون بحق هو علم النحو، لكن ولي عهد الخلافة العباسية لم يكن بالتأكيد ليستمر في تعلم النحو والصرف فقط، وإنما يجب إتقان فنون أخرى، كالقتال مثلًا.

استيعاب هارون الرشيد لفنون القتال لم يكن أقل أبدًا من استيعابه للفنون الأخرى، فمنذ سنٍ صغير تمكن هارون من إجادة مهارات القتال والمراوغة والحصار، لدرجة أنه في سن العشرين قام بمحاصرة قلعة رومانية وهزيمة جيش كبير كان يفوق بكثير أعداد جيش المسلمين، لكن براعة هارون جعلته ينتصر في تلك المعركة، بل وعاد بالغنائم الكثيرة التي جعلت والده يُعجب به ويُوليه قيادة الجيش، وهو بذلك أصغر قائد لجيوش المسلمين في التاريخ.

مع الوقت زادت البراعة وأصبح هارون الرشيد داهية في الحرب، وقد كانت انتصاراته المتتالية دافعًا في جعل شقيقه الهادي، والذي كان وقتها خليفةً للعباسيين بعد وفاة والده، يُهديه حكم المغرب، ثم بدأ يأخذ بعض الدول الصغيرة ويضمها إلى حكمه كهدية على انتصاراته تلك، لكن في وقت من الأوقات، وتحديدًا بعد وفاة موسى الهادي، أصبحت الدولة العباسية بأكمله تحت حكم هارون الرشيد، وقد كان ذلك في عام 786، حيث بدأت الإنجازات والفتوحات الحقيقية.

الخليفة هارون الرشيد

لم يكن على هارون الانتظار طويلًا حتى يتولى خلافة الدولة العباسية الكبرى، ففي عام 785 توفي والده، وقد كان من الطبيعي أن يتولى شقيقه الأكبر الخلافة بعد وفاة الأب، لكن ما لم يكن طبيعيًا بالمرة أن يموت بعد شهور قليلة من الحكم، وتحديدًا في سبتمبر عام 786، وقد قيل في هذا الأمر الكثير من الأشياء، لكن الوضع في النهاية تم بتولي هارون الخلافة العباسية في نفس العام، وهنا يجب القول بأن لقب الرشيد الذي حصل عليه هارون كان من شقيقه الأكبر، والذي كان ضمن الهدايا التي مُنحت له بسبب انتصاراته في الحروب، على كلٍ، تولى الفتى ذو العشرين ربيعًا قيادة الدولة العباسية الكبرى أمام تربص الأعداء وتوقعهم بفشله وانهيار دولته بأسرع وقتٍ ممكن، لكن ما فعله هارون لم يكن يتوقعه أحد فعلًا، ولا حتى التاريخ كان يؤمن بأن ثمة من سيأتي ويُغير به كل هذا الحد.

إنجازات هارون الرشيد

ضرب هارون الرشيد مثلًا في الحكم الرشيد على الرغم من أنه عندما تولى الحكم كان لا يزال فتًا في الثانية والعشرين من عمره، لكنه قد تمكن خلال فترةٍ قصيرة من تحقيق بعض الإنجازات التي لا يزال التاريخ يذكرها له حتى الآن، لذلك دعونا نسرد سويًا بعضًا من هذه الإنجازات السياسية والعلمية، ولتكن البداية مع العفو الشامل عن الهاربين.

العفو الشامل عن الهاربين

أهم شيء قد تلجأ إلى فعله في يوم من الأيام عند توليك الحكم هو أن تقوم بعملية لم الشمل لتلك الدولة التي تتولى حكمها، وهذا بالضبط كان أول ما فعله الرشيد فور توليه للحكم، حيث قام بجمع كل الخصوم ووحدهم، كما أصدر قرارًا بالعفو الشامل عن الهاربين من أجل المعارضة أو أي أمر آخر يتعلق بالسياسة، ببساطة، كان يرى أن تقدم العباسيين لن يكون إلا بعد أن تكون الدولة كالجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

حركة ترجمة الكتب

يُعد هارون الرشيد أحد أكبر وأهم الحكام الذين اهتموا بالعلم والعلماء، فقد كان هارون في الأصل أحد هؤلاء العلماء، حيث جمع من العلم الكثير وهو صغير كما ذكرنا، ولذلك عندما كبر لم يبخل أبدًا على نفسه أو المُسلمين بتزويدهم الكثير من العلم، حتى أنه لم يكتفي أبدًا بالعلم الذي يتواجد في بلاد المسلمين، والذي كان بالمناسبة علمًا كبيرًا لكثرة العلماء البارعين في هذا الوقت، وإنما لجأ هارون إلى كتب علماء أوروبا وأسيا والدول والحضارات الأخرى التي لم يكن المسلمين يعرفونها من الأساس، حيث ترجم الكثير من الكتب لدرجة أن تلك العملية قد أُطلق عليها حركة الترجمة، ومعنى أن يُطلق على أمر ما معنوي حركة أنه قد أثار الانتباه للدرجة التي جعلته يُشبه الحركة.

القيام بالإصلاحات الداخلية

الإصلاحات الداخلية هي أكثر شيء يُمكن التحدث بشأنه في عصر هارون الرشيد، فلأول مرة في عصر ذلك الرجل تم اختراع في الآلات والأشياء الجديدة على الدولة الإسلامية، وهذا بالمناسبة هو المردود الطبيعي لحركة الترجمة التي تحدثنا عنها قبل قليل، وأيضًا في عصر ذلك الرجل حدثت الكثير من الإصلاحات في بناء المساجد والمدارس، حيث لم تعد بالشكل النمطي الكبير الذي كانت عليه من قبل، وإنما أدى الأمر إلى تحولها للنمط الأوروبي، ولا نقصد بذلك أن المساجد قد أصبحت مثل الكنائس، لكن في النهاية كانت بأساليب بناء حديثة مثلها.

أيضًا في عصر الرشيد ظهرت المصابيح لأول مرة وأصبحت تتواجد في شوارع المسلمين، لم يعد الظلام هو الشيء المُسيطر في الليل، وإنما كان ثمة نور يمنح الناس بعض الأمان، وكذلك من ضمن الأمور التي ظهرت في عهد هارون الرشيد وكانت تُرى في دولة الإسلام لأول مرة الجسور، فقد بنى الرشيد الجسور لتسهيل الطريق على الناس، كما كان اهتمامه الكبير بالزراعة حاضرًا، حيث أنه قد أدرك منذ اليوم الأول أن المسلمين إذا تمكنوا من إيجاد طعامهم بأنفسهم فلن يكون لأحد حكم عليهم، ومن ضمن الأمور التي ما زالت تُحسب لذلك الخليفة الصغير أنه قد أنشأ الديوان الخاص الذي كان من شأنه الإشراف على تنفيذ كافة الأعمال التي يُخطط المسلمون لها.

إخماد ثورة الخوارج

كانت الثورات في هذه الوقت أشبه بفصول السنة، كانت تحدث باستمرار، وكانت كذلك سببًا في إسقاط الكثير الحكام لعدم قدرتهم على التصدي لها، لكن هارون الرشيد، وبالرغم من أنه كان لا يزال في الثانية والعشرين من عمره، إلا أنه قد تمكن بكل براعة من التصدي للثورات التي تهدف لإسقاط الخلافة العباسية بأكملها، ومن ضمنها مثلًا نكبة البرامكة التي كان نجاحها يُهدد الخلافة ويجعلها في مهب الريح، لكن الرشيد كالعادة سجل انتصاره وأعطى حكمه الاستقرار.

وفاة هارون الرشيد

في عام 809 لفظ هارون الرشيد أنفاسه الأخيرة بعد ما يربو عن العقدين في الحكم، فقد مات كما هو واضح قبل إتمامه سن الخمسين، لكنه تمكن خلال تلك الفترة من تحقيق إنجازات لم يستطع آخرون غيره من فعلها بالرغم من أنهم قد عاشوا أكثر من مئة عام، عمومًا، مات الرشيد متأثرًا بمرضه ولم يُغتال، وقد كان ذلك في مدينة طوس، حيث دُفن هناك أيضًا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

5 + 2 =