تسعة اولاد
الرئيسية » جسم الإنسان » علم الوراثة : تعرف على مراحل تطور هذا العلم الهام

علم الوراثة : تعرف على مراحل تطور هذا العلم الهام

علم الوراثة هو العلم الذي يبحث في طرق انتقال الصفات من الآباء إلى الأبناء عن طريق التزاوج، في هذه السطور نتعرف على تطور هذا العلم الهام جدًا.

علم الوراثة

علم الوراثة هو أحد العلوم الحديثة والتي أضافت الكثير للبشر والتي يرجح أن تضيف الكثير في المستقبل، في الموضوع التالي ستتعرف إلى مراحل التطور التي مر بها علم الجينات منذ قديم الزمن وحتى العصور الوسطى والحديثة، ثم سنتعرض بالتفصيل إلى الخطوات التي اتبعها العلماء في سبيل حل الشفرة الوراثية للإنسان على مدى أكثر من أربعة عقود من الزمان.

تعرف على تطور علم الوراثة على مر السنين

نظرة خاطئة في البداية

علم الجينات بالتأكيد قد بدأ بأشكال أبسط ونظريات لم تكن معقدة بالدرجة التي نراها الآن، فأول نظرية وضعت للوراثة كانت بتأثير من تعاليم الفيلسوف الإغريقي أرسطو وهي خاطئة تمامًا، وقد شرحت أن المادة الوراثية في الأصل عبارة عن كائن ينتقل عبر السائل المنوي والذي تم اعتباره على أنه صورة نقية للدم، واختلاطه بدماء الأم والتي تكون عند عدم حدوث الحمل دماء الحيض. ظلت تلك هي النظرة الشائعة في العالم الغربي لقرون عديدة وحدثت معارك بين أنصار نظرية أرسطو وأنصار نظرية التوالد الذاتي إلى أن أثبت العلم الحقيقة في القرن التاسع عشر بطلان النظريتين من خلال الأدوات المعملية.

علم الوراثة في الشرق القديم

أما في الجانب الشرقي من العالم فقد ظهرت العديد من النظريات والتفسيرات لانتقال المادة الوراثية من الآباء إلى الأبناء، فكتب العلماء الهنود في القرن الثالث قبل الميلاد أن خصائص الطفل تتحدد بأربعة عوامل، العامل الأول هو الخصائص التي تنتقل من الأم إلى جنينها، والثاني هو الخصائص التي تنتقل إلى الطفل من الأب. أما الثالث فكان يتعلق بالغذاء الذي تتناوله الأم طوال فترة الحمل والرابع هو الروح التي تسكن جسد الطفل. كل عامل من العوامل الأربعة انقسم لأربعة عوامل أخرى والتي تتحدد كلها بواسطة الكارما الخاصة بالآباء والكارما الخاصة بروح الطفل.

الجينات عند العلماء العرب

في القرن العاشر بعد الميلاد كتب الطبيب العربي أبو القاسم الزهراوي عن الطبيعة الوراثية لانتقال الصفات من الآباء إلى الأجيال التي تليها، وقد كان أول طبيب يكتب نصًا صحيحا عن طبيعة الوراثة وقدم شرحًا للصفات المتنحية والسائدة.

البداية الحقيقية لعلم الجينات

يمكننا القول بأن علم الجينات قد بدأ بحلول عام 1866 مع اكتشافات وتجارب العالم جريجور مندل على نبات البازلاء. والتي ركزت على الصفات المتنحية والسائدة في النبات واستمرارها خلال الأجيال المتعاقبة. ظهرت العديد من النظريات بعد نظريات مندل ولكن العام 1900 كان العام الذي شهد قفزة ملحوظة بواسطة كارول كورينز وهيوجو دي فاريس. وبحلول عام 1915 كانت مبادئ مندل الوراثية قد تم تطبيقها على مجموعة متنوعة من الكائنات منها ذبابة الفاكهة على يد العالم توماس مورجان. طور العلماء الذين تلوه نماذج تحاكي نماذج مندل لتوضع كأساس لعلم الوراثة في عام 1925.

اكتشاف الشكل الحلقي

إلى جانب العمل التجريبي بدأ علماء الرياضيات بتشكيل نماذج إحصائية لدمج نظرية مندل بنظرية التطور التي وضع أسسها تشارلز داروين. وبتطوير التكرارات الوراثية الجينية اتجه علماء الأحياء إلى دراسة الطبيعة الفيزيائية للجين ومكان وجوده في الكائنات الحية. في بداية العقد الخامس من القرن العشرين اتجهت التجارب إلى جزيء الدي إن إيه DNA باعتباره جزء من الكروموسومات التي تحتوي داخلها على التعليمات الوراثية اللازمة لإنتاج أجيال جديدة من الكائنات الحية. بدأ التركيز على شكل أحدث للحياة وأبسط كالبكتيريا والفيروسات حتى تم اكتشاف الشكل الحلقي المزدوج للشفرة الوراثية في عام 1953 والتي شكلت النقطة الفارقة في عصر علم الجينات الجزيئية.

تكوين الخريطة الوراثية

في الأعوام التي تلت الاكتشاف بدأ الكيميائيون بتطوير طرق لمعرفة القواعد الجينية المختلفة بينما بدأ آخرون بالعمل على فك شفرات الجين الوراثي وأهمية بعض الجزيئات في التمثيل الوراثي. بحلول عام 1970 كان العلماء قد وصلوا لأهمية بعض الجينات وتمكنوا من تكوين الصفات التي يريدونها من خلال الهندسة الوراثية. وظل العلماء يكررون التجارب للتوصل لأهمية كل جين حتى بدأ العمل على برامج فك تشفير الدي إن أيه واسعة النطاق لتكوين خرائط وراثية وجينية للكائنات الأكبر حجمًا.

أعمال مندل

في تجارب التلقيح بين عامي 1856 و 1865 تتبع جريجور مندل تكرارات وراثة الصفات التي قام باختيارها مسبقًا في نبات البازلاء والتي وضحت أنها تسير وفقًا للقواعد الإحصائية البسيطة. فكون مندل مصطلحات الصفات السائدة والمتنحية بناء على ما تابعه في تجاربه وترتيب ظهور الصفات في الأجيال المتتابعة لنفس زوج الآباء. وضحت تجارب مندل أن تطبيق القواعد الإحصائية على نتائج التجارب قد يكون مفيدًا. وقد عارضت تجارب مندل النظريات السابقة للقرن التاسع عشر لمزج أجيال مختلفة واستطاع أن يشرح لماذا تختفي بعض الصفات المتنحية في أجيال متعاقبة ثم تظهر في جيل أخير. ومنذ ذلك الحين بدأت نماذج أكثر تعقيدًا للوراثة بالظهور.

تم نشر نتائج أعمال مندل كورقة علمية في عام 1866 بعنوان (تجارب خلط وتزاوج النباتات) في النشرة العلمية المختصة بالتاريخ الطبيعي في مدينة برن. تلاها بمحاضرتين يشرح فيهم ما توصل إليه من نتائج على المجتمع العلمي.

علماء آخرون في عصر مندل

في عام 1883 قام العالم أوجست ويزمان بتجاربه لتزاوج الفئران والتي قطعت ذيولها عن طريق إجراء جراحة مبكرة فور ولادتها. تلك الفئران أنتجت أجيالاً من الفئران الصغيرة السليمة والتي ولدت بذيل طبيعي. وبذلك استنتج أن قطع ذيول الآباء لا يؤثر على الأجيال التالية أي أن الصفات الوراثية قد حفرت في مكان أعمق في الجسد، وتم حفظها لإنتاج أجيال جديدة.

وبذلك تحدى النظريات السائدة وقتها مما اضطر العلماء إلى البحث عن نظريات تستطيع تفسير الوراثة. في ذلك الوقت بالذات بدأ العالم هوجو دي فاريس بأبحاثه في مجال الوراثة عام 1890 على العديد من النباتات وخرج بنفس نتيجة مندل، أن الصفات الوراثية تنبع من جسمين وتظل المعلومات الوراثية محفوظة فيهم. في عام 1900 قام أحد أصدقاء هوجو بعرض أعمال مندل عليه لأنه ظن أنها قريبة من أعماله. لم يقم هوجو بذكر مندل في ورقته التي نشرها في نفس العام ولكن عالم نباتات آخر يدعي كارل كورينز والذي كان يقوم بالعديد من التجارب على نباتات البازلاء ونباتات أخرى اتهم هوجو بإعادة تسمية أعمال مندل وذلك لأنه اطلع على أعمال مندل بعد أن وجد أن نتائج مندل تطابق نتائجه.

في نفس العام اكتشف العالم إريك فون تشيرماك أعمال مندل عندما كان يقوم بنفس التجارب. بعد حادثة كورينز وهوجو دي فاريس اعترف دي فاريس بفضل مندل وبأسبقية اكتشافه ولذلك ما وصل إلينا أن مندل هو أب علم الوراثة والجينات.

الدي إن إيه

ذلك الجزيء الذي طالما حير العلماء وأبهر العامة بما يحتويه من معلومات، فهو أساس الحياة وما يحفظ شفرتنا الوراثية من الضياع أو التلف، فهو الجزيء المسئول عن أغلب العمليات الحيوية بداية من تشكيل أعضاء الجسم إلى تكوين البروتينات وإنتاج خلايا جديدة. فكل التعليمات اللازمة موجودة داخل هذا الجزيء الساحر المحتوي على أربعة قواعد أو أحرف تتراكب سويًا لتكوين أبسط البروتينات وأعقد الأعضاء أثناء الحمل.

من هم العلماء الذين اكتشفوا آلية الدي إن إيه؟

عمل العالم سالفادور لوري عام 1947 على الأبحاث التي أدت إلى اكتشاف آلية إصلاح الدي إن إيه في البكتيريا وبعض الكائنات الأخرى متضمنًا البشر. في عام 1950 اكتشف إروين شارجاف طريقة تراكب أحرف الدي إن إيه وقواعده، تلاها اكتشاف الشكل الحلقي للدي إن إيه عن طريق جيمس واتسون. وفي عام 1957 ربح ألكسندر تود جائزة نوبل لتخليقه جزيء الإيه تي بي والمسئول عن نقل الطاقة في الجسم.

اكتشف جو هين بينما كان يعمل في معمل ألبرت ليفان أن عدد الكروموسومات 46 عند البشر مما سبب ارتباكًا له في البداية وارتباك في المجتمع العلمي بسبب الاعتقاد العلمي أن البشر يمتلكون 48 كروموسوم وهذا ما اكتشفه أستاذه من قبل ولم يجرؤ أحد على مناقشة الأمر ولم يختبر العدد أي من العلماء مجددًا قبل جو هين. سبب ذلك الاكتشاف فيما بعد ثورة في مجال الجينات والوراثة.

العلماء يفكون الشفرة الوراثية

تبع ذلك الاكتشاف العديد من الاكتشافات التي مهدت الطريق للتعديل الوراثي والعلاج الجيني والنباتات المعدلة جينيًا. ففي عام 1977 تم تفصيل جزيء الدي إن إيه لأول مرة بواسطة العالم والتر جلبرت وفريد سانجر. كل منهم كان يعمل بشكل فردي ولكن النتيجة التي توصلوا إليها كانت واحدة. تم فك تشفير جزيء دي إن إيه لأول مرة. لم يستطع البشر أن يجروا تعديلاً وراثيًا بإدخال جينات إلى جزيء دي إن إيه حتى قام به بول بيرج ووالتر جيلبرت عام 1980 وربح بول بيرج جائزة نوبل وقتها لإدخاله جين إلى جزيء دي إن إيه دائري صغير وإعادة تشكيله مرة أخرى.

استنساخ أول جين وراثي

في نفس العام ربح ستانلي نورمان براءة اختراع لنجاحه في استنساخ أول جين وراثي وتوضيح كيفية إدخال الجينات إلى بكتيريا حية وإرغامها على إنتاج مركبات لا تستطيع إنتاجها في الطبيعة بمفردها. فقام بإعادة استنساخ العديد من الجزيئات الهامة لعلاج بعض الأمراض منها هرمون النمو البشري المعروف باسم GH والأنسولين.

ربحت براءة الاختراع تلك أكتر من 300 مليون دولار، ففي عام 1982 سمحت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية بتسويق الأنسولين المخلق والمعدل وراثيًا. كانت بمثابة الأمل لملايين البشر المصابين بمرض السكر وأدى ذلك إلى إنتاج الأنسولين المخلق بغزارة وتسويقه بعد أن كانت طرق الحصول الوحيدة عليه من الخنازير وذلك لتشابه الأنسولين المنتج في أجسامها مع الأنسولين البشري.

جزيء الآر إن إيه

في عام 1989 استطاع توماس سيش إثبات أن جزيء آخر هو جزء من سحر الدي إن إيه وهو جزيء الآر إن إيه (RNA) وهو المسئول عن ترجمة المعلومات الموجودة داخل الدي إن إيه إلى شفرات تنفيذية لتصنيع البروتينات. كان ذلك الاكتشاف بمثابة القفزة التي أطلقت عالم الجينات الجزيئية، لأنها تشرح وبوضوح كيفية عمل الأجزاء المختلفة للشفرة الوراثية التي كانت أكثر الغوامض في العلوم الطبية في القرن العشرين.

حل الشفرة الوراثية

تلا ذلك الاكتشاف العديد من الاكتشافات الأخرى والتي ساعدتنا لنفهم أكثر ونستوعب ما يحدث داخل الجزيء المبهر وحتى يستطيع البشر أن يسخروا معرفتهم اضطروا إلى فك تشفير ومعرفة كل الجينات الموجودة في الشفرة الوراثية البشرية. في عام 2003 استطاع البشر أن يصلوا بعد رحلة دامت أكثر من عشرين عامًا إلى فك تشفير كل جينات الدي إن إيه البشري بدقة تصل إلى 99.99%.

في عام 2008 استطاع أحد العلماء في هيوستن أن يبتكر علاجًا للسرطان موجهًا للجينات، فقد قام العلاج بحمل بديل للجين الذي ينتج البروتين بي 53 والذي ساعد مرضى السرطان ووافقت عليه منظمة الدواء والغذاء الأمريكية، وتلت بعد ذلك التطبيقات المختلفة لعلم الوراثة مثل الأطعمة والمنتجات المعدلة وراثيًا.

علي سعيد

كاتب ومترجم مصري. أحب الكتابة في المواضيع المتعلقة بالسينما، وفروع أخرى من الفنون والآداب.

أضف تعليق

ثلاثة عشر − 9 =