الملك الضليل : ماذا تعرف عن امرئ القيس ومعلقته الشهيرة؟

يحفل تاريخ العرب بكثير من الشعراء المتميزين، وفي العصر الجاهلي كان الملك الضليل أو امرؤ القيس مثالا للشاعر المبدع في شعره وصوره البيانية؛ حيث استحدث التشبيهات والصور، كما كان بطلا ثائرا ومحبا شغوفا.

0 2٬162

الملك الضليل أشهر شعراء العرب في العصر الجاهلي، فلغتنا العربية تتميز بأنها تربة خصبة لنبوغ الشعراء، وإبداع الأدباء، وتنافس الفصحاء، ولا نتعجب إذا عرفنا أن العرب في العصر الجاهلي كانوا يقيمون أسواقا للكلام والتنافس في الخطب والشعر، يجلس فيها النقاد يستمعون إلى قصائد الشعراء ونتاج الأدباء، ويختارون أجود القصائد لتكتب بماء الذهب، ومن أجود بل من أول ما وقع اختيار النقاد عليه معلقة امرئ القيس، وقد أثرى هذا الشاعر تاريخ الأدب العربي بكثير من الدراسات النقدية والتحليلية لشخصيته ولحياته ولأدبه، وفي هذا المقال نلقي الضوء على: الملك الضليل من هو؟ لماذا سُمي الملك الضليل بهذا الاسم؟ حياة امرئ القيس (الملك الضليل)، زواج امرئ القيس، ثورة الملك الضليل، نهاية الملك الضليل (امرئ القيس)، معلقة امرئ القيس.

الملك الضليل مَن هو؟

إنه الشاعر الجاهلي الذي يعد أول مَن وصلنا شعره في ذلك العصر، واسمه: حندج بن حجر بن الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار بن عمرو بن الحارث بن معاوية بن يعرب بن ثور، وينتهي نسبه إلى قحطان، واسم (حندج) يعني: التربة الخصبة التي تخرج نباتا طيبا، وقد اشتهر هذا الشاعر بعدة ألقاب هي: امرؤ القيس، الملك الضليل، ذو القروح، كما كان يكنى بأبي الحارث، أو أبي زيد، أو أبي وهب، وأبوه حجر بن الحارث وارث الملك عن آبائه، فقد كان ملكا على بني أسد إحدى قبائل شبه الجزيرة العربية، وكانت أمه فاطمة بنت ربيعة بن الحارث بن زهير، وهي أخت المهلهل بن ربيعة البطل والشاعر الجاهلي المعروف، ومما يجدر ذكره أن شاعرنا كان يدين الوثنية، ويعبد الأصنام.

لماذا سُمي الملك الضليل بهذا الاسم؟

لقد اشتُهر الشاعر الجاهلي حندج بن حجر بعدة ألقاب، منها: الملك الضليل، ويُقال أن النبي محمد هو الذي أطلق عليه هذا اللقب؛ لأنه انصرف عن الملك الذي ورثه بعد مقتل أبيه، وسار مع مع نفر من أهله وأصدقائه متنقلا بين القبائل العربية يبحث عن ثأر أبيه، وقد أُطلق عليه أيضًا لقب: امرؤ القيس، وهو يعني: رجل الشدة، وقد لقب أيضًا بذي القروح؛ وذلك بسبب إصابته بمرض الجدري في طريق عودته من القسطنطينية، وقد كان هذا المرض سببًا في وفاته كما يذكر بعض المؤرخين.

حياة امرئ القيس (الملك الضليل)

اختلف المؤرخون في تاريخ ولادة امرئ القيس وكذلك تاريخ وفاته؛ حيث ذهب بعضهم إلى أنه ولد في سنة 500م وتوفي سنة 540م، وذهب آخرون إلى أنه ولد في سنة 520م وتوفي 560م أو 565م، ولكل فريق منهم أدلته وشواهده، وقد اتفقوا على أن الملك الضليل هو امرؤ القيس الكندي، يماني الأصل، ولد في نجد ونشأ في قبيلة كندة، كان آباؤه ملوكًا على بني أسد في نجد بجنوب شبه الجزيرة العربية، وكان أبوه طاغية ظالمًا، أساء معاملة سادة قبيلة بني أسد، واستباح أموالهم، فتحينوا له فرصة وأخذوه على غرة فقتلوه، وكان امرؤ القيس في حياة أبيه منصرفًا عن شئون الملك إلى اللهو وشرب الخمر وقول الشعر الذي نبغ فيه صغيرا، كما شغف بوصف نساء القبيلة في شعره والتشبيب بهن، وخاصة قصص الغزل الصريح في شعره؛ مما أثار حفيظة أبيه فنقم عليه وطرده من القبيلة وهو في العشرين من عمره، وأرسله إلى موطن آبائه وأعمامه في حضرموت أملا في إصلاحه، فلم يهتم امرؤ القيس بأمور الملك والسلطة، بل هام على وجهه مثل الصعاليك مع جماعة من أصدقائه يستمتعون بالصيد، ويشربون الخمر ويلهون ويستمتعون بالإغارة على القبائل وسبي النساء وغير ذلك، واستمر في مجونه ولهوه خمس سنوات إلى أن قُتل أبوه على يد نفر من بني أسد.

زواج امرئ القيس

حكى الأصفهاني في كتابه الأغاني عن قصة زواج امرئ القيس الذي أقسم ألا يتزوج امرأة حتى تجيبه عن سؤال: ما ثمانية وأربعة واثنتان؟ وكانت كل امرأة تُسأل هذا السؤال تجيبه بأنها (أربعة عشر) فيُعرض عنها ويبحث عن أخرى، حتى اعتقدوا أنه لن يتزوج، وأثناء سيره في إحدى الليالي صادفه رجل يحمل ابنته على راحلته، وكانت بدرا في الجمال، فأعجب بها، ثم تقدم إليها وسألها عن الثمانية والأربعة والاثنتين، فأجابته بأن الثمانية هي أطباء الكلبة، والأربعة هي أخلاف الناقة، والاثنتين هما ثديا المرأة، فانشرح صدره بجوابها، ثم طلب زواجها، فاشترطت عليه أن تسأله ليلة زفافها عن ثلاث، وطلبت منه أن يرسل إليها مائة ناقة، ومن العبيد عشرة ومن الوصائف عشرا أيضا، ومن الخيول ثلاثة، فوافق على ذلك؛ فزوجها له أبوها.

وقبل البناء بها أرسل الملك الضليل امرؤ القيس إلى عروسه ما طلبت، وأهدى إليها نحيين من سمن وعسل وحلة مزخرفة، فسار العبد بالهدايا حتى نزل ببئر ماء ضيفا على قوم، فلما سألوه عن قبيلته فأخبرهم أنه ابن عم امرئ القيس، ولبس الحلة، وفتح النحيين فطعم منهما وأطعم القوم، وعندما قام تعلقت الحلة فانشقت، ثم ذهب إلى حي المرأة وسألها عن أهلها ودفع إليها الهدية، فطلبت منه أن يخبر سيده: أن أباها ذهب يقرب بعيدا ويبعد قريبا، وأن أمها ذهبت تشق النفس نفسين، وأن أخاها يراعي الشمس، وأن سماءهم انشقت، وأن وعاءيهم قد نضبا، فرجع الغلام إلى سيده فأخبره بما دار بينهما، فأخبره امرؤ القيس بأن أباها ذهب يحالف قوما على قومه، وأن أمها كانت تقبل امرأة نفساء، وأن أخاها كان يرعى سرحه، وينتظر مغيب الشمس ليعود، وأما نضوب الوعاءين فإن النحيين قد نقصا، وطلب الملك الضليل من الغلام أن يصدقه الخبر، فقصَّ عليه القصة، فصدقه وخرج معه بهدايا أخرى مثل الأولى، وفي الطريق وقف الغلام يسقي الإبل فأعانه امرؤ القيس، فدفعه الغلام في البئر، وساق الهدايا وقدم على العروس، وأخبرهم أنه زوجها.

فلما أعلموها بقدومه تشككت في الأمر، وطلبت منهم أن يذبحوا له جزورا، ويطعموه من كرشها وذنبها، ففعلوا وطعم، وطلبت أن يسقوه لبنا حازرا، فسقوه فشرب، كما طلبت منهم أن يفرشوا له بجوار الفرث والدم (آثار الذبح) لينام، ففعلوا فنام، وفي الصباح سألته عن اختلاج شفتيه، فقال: لتقبيلي إياك، فتيقنت أنه العبد، وطلبت تقييده ففعلوا.

أما امرؤ القيس أو الملك الضليل فقد أخرجه بعض المارة، فرجع إلى حيه واستقدم مائة من الإبل وعاد إليها، فلما أخبروها تشككت أيضا في الأمر، وطلبت أن ينحروا له جزورا ويطعموه من كرشها وذنبها، ففعلوا ولم يأكل منها، وسأل عن الكبد والسنام، وعندما قدموا له اللبن الحازر لم يشربه، وسأل عن الصريف والرثينة، وعندما أفرشوا له عند الفرث والدم أبى أن ينام، وطلب منهم أن ينصبوا له الخباء فوق التلعة الحمراء، ولما سألته عن اختلاج شفتيه وكشحيه وفخذيه فقال: تختلج شفتاي لشرب المشعشعات، أما اختلاج كشحيَّ فبسبب لبس الحبرات، وأما اخلاج فخذيَّ فلركضي المطهمات، فقالت: هذا زوجي، أما العبد فاقتلوه.

ثورة الملك الضليل:

لمَّا بلغ خبر مقتل والد امرئ القيس إليه قال: ضيَّعني صغيرا، وحمَّلني دمه كبيرا، وأقسم ألا يشرب الخمر أو يغسل رأسه حتى ينتقم ويثأر لأبيه، ويُعيد ملكه المسلوب، ثم ثار مستنجدًا بأخواله فعاونوه، وسار بجيش عظيم من أخواله من قبيلتي بكر وتغلب طالبا الثأر من بني أسد، فقتل منهم حشدا كبيرا، وفرَّ الباقون، وبالفعل أوفى بنذره ولم يشرب الخمر أو يغسل رأسه إلا بعد أن ثأر لأبيه، وعندما أراد أن يطارد الهاربين من بني أسد في البوادي تخلى عنه جيشه إلا القليل منه، وهنا بدأت مرحلة جديدة من حياة الملك الضليل امرئ القيس؛ حيث طارده المنذر بن ماء السماء؛ خشية أن يتمكن من استعادة ملكه على بني أسد، فحاربه امرؤ القيس تارة وفرَّ منه أخرى حين قُتل الكثير من أعوانه، والتجأ إلى الإمبراطور الرومي جوستنيان بوساطة من أمير الغساسنة المنافس القوي للمناذرة، وطلب النجدة من الروم لاستعادة ملكه، وأثناء عودته إلى دياره طالبًا ملكه توفي في بلاد الروم أثناء عودته.

نهاية الملك الضليل (امرئ القيس)

لقد ذكر بعض المؤرخين أن الملك الضليل قد أصيب بمرض الجدري أثناء فترة وجوده في بلاد الروم؛ مما أدى إلى تقرح جلده ووفاته بعد ذلك متأثرا بتلك القروح، كما تذهب بعض الروايات إلى أن إمبراطور الروم أراد التخلص منه؛ بسبب وشاية بعض الأعداء من بني أسد عنده وأنه يريد إغواء بنت الملك وإيقاعها في حبه، فأهداه الإمبراطور حلة مسمومة، وعندما لبسها انتشر السم في جسده وتقرح جلده وتساقط لحمه ثم مات في طريق عودته إلى قبيلته، وشاء الله أن يموت آخر الأمراء الكنديين بأرض الروم غريبا مطاردًا، وقد دفن ببلدة يُقال لها: أنقرة.

معلقة امرئ القيس:

لم يخلد لنا التاريخ بطولات الملك الضليل امرئ القيس فحسب بل سجل لنا ديوانًا من الشعر الرائع الذي شارف المائة قصيدة ومقطوعة إضافة إلى البطولات الحربية، وقد عدّه النقاد على رأس الطبقة الأولى من الشعراء حيث قالوا عنه أنه أفضل الشعراء العرب إذا ركب، وتعتبر معلقة امرئ القيس التي تبلغ ثمانية وسبعين بيتًا نموذجًا حيا للشعر الجزل أسلوبه، المبتكرة تشبيهاته واستعاراته ومعانيه الشعرية، متنوع الأغراض، إضافة إلى استحداث قصص التشبيب والغزل في شعره؛ لذلك عدَّه النقاد أميرًا للشعراء في العصر الجاهلي، وقد استفاد منه كثير من الشعراء وساروا على نهجه فيما بعد، ومنهم الفرزدق وعمر بن أبي ربيعة، كما أن معلقة امرئ القيس أو الملك الضليل تعد من أفضل المعلقات السبع التي عرفها العرب، ونُشرت حولها العديد من الدراسات، وهي من بحر الطويل، ومطلع المعلقة (قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل.. بسقط اللوى بين الدخول فحومل) يعد من المطالع المبتكرة؛ حيث وقف واستوقف، وبكى وأبكى متذكرا الحبيب ومنازله، وقد قسمها الشاعر كالآتي:

9 أبيات لتذكر الحبيبة

21 بيتًا في الحديث عن مواقفه وبطولاته

13 بيتًا في وصف المرأة وجمالها

5 أبيات في وصف الليل وطوله

18 بيتًا في وصف السحب والمطر والبرق

12 بيتًا في وصف أمور متفرقة.

لقد عاش امرؤ القيس الملقب بالملك الضليل حياة مليئة بالمتناقضات؛ حيث لازم معاقرة الخمر، وعاش حياة الصعاليك، وأغار على القبائل، تغزل وشبب بالنساء في شعره، رغم أنه وارث الملك والبطولة والجاه عن أبيه، ولكن شاء الله له أن يحيا حياته ماجنا هائما على وجهه، ولكن ما يعنينا أنه خلف لنا تراثا شعريا –وإن كان قليلا- خلد ذكره بين فحول الشعراء من الطبقة الأولى، وقد تناول هذا المقال تعريفا بالملك الضليل، وسبب تسميته بالملك الضليل، ونبذة عن حياته، وقصة زواج امرئ القيس، وثورة الملك الضليل، ونهاية امرئ القيس، وأخيرا معلقة امرئ القيس.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

3 × 2 =