الثقوب السوداء : ما الذي يحدث بالضبط داخل الثقب الأسود؟

هناك العديد من الأشياء التي لا نعلمها بشأن الثقوب السوداء التي أصبحت تمثل السر الأكثر غموضًا في كوننا، إلا أننا نملك بعض المعلومات الأساسية القليلة عنها.

0 423

اختلف العلماء في السابق على وجود تلك الثقوب السوداء. تلك الأجرام السماوية التي تبتلع كل ما يقترب منها. ولكن المشاهدات اللاحقة باستخدام التلسكوبات العملاقة أثبتت وجودها. بقع سوداء مظلمة في نسيج الزمكان. قوانين الفيزياء لا تنطبق هنا. فقط الفوضى.

تحليل مبسط لما يحدث داخل الثقوب السوداء

ما هي الثقوب السوداء؟

بكل بساطة وكي نبتعد عن التعقيد الذي قد تجده منتشرًا في المواضيع التي تفسر الثقوب السوداء ، فإن الثقب الأسود هو جسم فضائي ذو خصائص مميزة، فهو ما ينتج عن موت النجوم الضخمة. حيث يموت النجم بالكامل ولا يشع أي ضوء بعدها، ولكن قوى الجاذبية الموجودة بداخله تستمر بالعمل مولدة مجال جذب ضخم يعرف بأفق الثقب الأسود. كل ما يدخل هذا المجال يختفي داخله. فلا يمر حتى الضوء منه. ولأن الضوء لا ينفذ من خلاله فإنه من الصعب رؤيته والكشف عنه بسهولة. إن تلك الثقوب هي نجوم مخفية عن أغلب أنواع الرادارات لأننا لا نستطيع الكشف عنها إلا من خلال مراقبة الأجرام الأخرى ومعرفة تأثر مجالاتها بالثقوب السوداء المجاورة لها.

أحجام الثقوب السوداء والعوامل المؤثرة فيها

تأتي في أحجام مختلفة، يظن أغلب العلماء في وجود ثقوب سوداء بحجم ذرة واحدة. ولكنها تحتوي على كتلة بحجم جبل عملاق. وتعتبر الكتلة مقياس لكمية المواد الموجودة داخل شيء ما. الثقب الأسود النجمي هو نوع مختلف عن السابق في كونه ذو حجم عملاق، يصل في بعض الأحيان إلى 20 كتلة نجمنا المعروف باسم الشمس.

لماذا لا تستطيع أن تهرب من ثقب أسود؟

لتستطيع تخيل الأمر عليك بمعرفة العامل الأساسي المتعلق بالهروب من مجال الجاذبية لجسم فضائي عملاق. فمثلاً على الأرض تحتاج المركبات الفضائية للوصول إلى سرعة الهروب من الجاذبية الأرضية والمعروفة بالقيمة 11 كيلومتر في الثانية. أما للهروب من جاذبية نجم كالشمس تحتاج للوصول إلى سرعة 600 كيلومتر في الثانية. أما في حالة أنك أردت الهروب من مجال جاذبية نجم نيوتروني متوسط فعليك الوصول إلى سرعة 150 ألف كيلومتر في ثانية، أي تقريبًا نصف سرعة الضوء.

الثقب الأسود يجذب الأجسام كما تجذبها الأجسام الأخرى، ولكي تستطيع أن تخرج من مجاله عليك أن تقاوم قوى الجذب الخاصة به عن طريق الانطلاق عكس اتجاه مركز الثقب الأسود بسرعة تفوق سرعة الضوء، أي 300 ألف كيلومتر في الثانية. وتكون هذه هي سرعة الهروب من ثقب أسود أكبر من 2.8 من كتلة الشمس.

إذا كانت الثقوب السوداء غير مرئية فكيف يكشف عنها العلماء؟

يلح هذا السؤال على الكثيرين في أغلب الأوقات، فلا يمكنك رؤية أي ثقب أسود بالعين المجردة أو باستخدام التلسكوبات، فهو كما اتفقنا لا يشع بأي نوع من الأشعة الكهرومغناطيسية بما فيها الضوء المرئي وغير المرئي حيث أن مركز الثقب الأسود يقوم بامتصاص الأشعة كلها ولا يصدر منه أي إشعاع أو يستطيع الإفلات من مجال الجذب للثقب الأسود. لحل هذا اللغز يراقب العلماء السماء في مواقع كثيرة باستخدام عدة تلسكوبات أرضية وأخرى خارج الغلاف الجوي مثل تلسكوب هابل وكيبلر، وعندما يمر ثقب أسود بجانب نجم يحدث أن يتولد ضوء ذو طاقة عالية ومهولة لدرجة أنه بإمكان العلماء مراقبة هذا الضوء من على سطح الأرض عبر التلسكوبات.

كيف ندرس الثقب الأسود؟

إن دواخل الثقب الأسود لا يمكن الكشف عن محتواها بسهولة، فهي تقع في مكان لا يمكن الوصول إليه من كوننا المرئي. وتعد معملاً غريبًا تختلف قوانين الفيزياء داخله عن أي مكان سبق دراسته أو استكشافه. حيث تقبع قوى الجاذبية المدمرة والتي تمنع أي إرسال من داخله أو حتى الضوء أن يصل خارجه. وقد اهتم الفيزيائيون كثيرًا بكل هذا حتى يقدرون على فهم ما يدور خارج أفق الثقب الأسود كما شغلوا عقولهم بالبحث عما يحدث بداخله، ولكن ما يحدث على حدود الثقب الأسود هو الأشد غرابة كما سنرى. وبالرغم من أن حدود الثقب الأسود لا يمكن عبورها إلا أن هذا لا يعني بالضرورة أن العلماء غير قادرين على فهم جزء يسير من العمليات الحادثة بداخله. ولكن أيًا كانت تلك الحقيقة فهي بعيدة كل البعد عن التصورات التي وضعها مخرجو أفلام الخيال العلمي والتي تتنبأ بكون الثقوب السوداء مجرد مدخل لعوالم أخرى أو ثقوب دودية لأماكن أخرى في الكون.

أغلب العلماء يعتقدون بوجوب الوصول إلى فهم كامل لنظريات تشرح الجاذبية الكمية، أي تأثير قوى الجاذبية على الأجسام الكمية وهي الأجسام متناهية الصغر كالإلكترونات والبروتونات ومثيلاتهم. إن الحاجة أصبحت ملحة للوصول إلى نظرية توحد نظرية النسبية التي وضعها العالم المرموق ألبرت آينشتين والتي تشرح الجاذبية مع النظرية الكمية والتي تتعامل مع تلك الجسيمات المتناهية في الصغر. ومازال البحث عن أسس تلك النظرية جاريًا ولكن حتى نصل إلى تلك المرحلة فإنه من الممكن الاستعانة بالسيناريوهات التي رسمها علماء الفيزياء النظرية.

تكون الثقوب السوداء

من أصح المقاربات العلمية والتي تشرح الثقوب السوداء وما يحدث عند أفق الثقب الأسود توصل لها العالمان ياكوف بوريسوفيتش وجايكوب بيكينستاين والعالم الشهير ستيفن هاوكنج، ومن دون الحاجة لاستخدام أية حسابات أو تصورات مبنية على النظرية الكمية أو الكمومية للجاذبية، استخدم العلماء الذين ذكرناهم نظرية فيزياء الجسيمات بالإضافة لنظرية النسبية العامة لإثبات أن أفق الثقب الأسود ستكون درجة حرارته لا تساوي الصفر، وبالتالي تتوهج وتشع ما يعرف باسم شعاع هاوكنج وبالتالي تقوم بفقد الطاقة مع الوقت. يظهر هذا التأثير جليًا عندما يتم صنع جسيمين متضادين في الشحنة باستخدام مبدأ التمددات الكمية. معنى التمددات الكمية هي أن العلماء يقومون بتحفيز الفراغ لصنع إلكترون وبوزيترون. الإلكترون بحكم الطبيعة والموجود في العديد من الذرات سالب الشحنة، والبوزيترون هو مجرد إلكترون بنفس الكتلة والطاقة ولكن بشحنة موجبة.

عندما يصطدم الجسيمان يفني أحدهما الآخر وتنطلق طاقة ضوئية كبيرة. ما حدث هو محاكاة لما قد يحدث إذا حدث مثل هذا الأمر بجوار ثقب أسود. أثبت العلماء أنه في حالة جذب الثقب الأسود لأحد الجسيمين فإنه يتلاشى مع أحد الجسيمات الموجودة داخل الثقب الأسود مقلصًا طاقته بنسبة ضئيلة بينما يفلت الآخر وتنطلق من الثقب الأسود الطاقة المفترض انطلاقها على هيئة إشعاع هاوكينج. ولكن بسبب كون أغلب الثقوب السوداء كبيرة ودرجة حرارة الأفق الخاص بها منخفضة جدًا فإن انطلاق مثل تلك الأشعة يكون خافتًا جدًا، ولكن في حالة الثقوب السوداء ذات الكتلة المنخفضة نسبيًا فإن الإشعاع يكون أقوى بشكل ملحوظ قد تتمكن التلسكوبات الحرارية من رصده.

ستيفن هاوكنج والثقوب السوداء

يظن ستيفن هاوكينج أن المسألة قد تم حلها بدون الحاجة لوجود نظرية كمية مصاحبة لرصد التغير في طاقة الثقب الأسود، وهذا من منظور نظري على الأقل وبدون الدخول في أية تفاصيل أخرى. الثقوب السوداء تحفظ المعلومات التي تقوم بجذبها لما بعد حدود الأفق وتحافظ على تلك المعلومات غير مبعثرة أو مدمرة. الاعتقاد السائد قد كان ولفترة طويلة أن الثقوب السوداء ما هي إلا آلة تقطيع كبيرة تقوم بتكسير المعلومات إلى صورتها الأبسط وهي الطاقة، وكما تشرح لنا نظرية النسبية أن الكتلة تساوي الطاقة مضروبة في ثابت سرعة الضوء مرفوعًا إلى الأس الثاني. ويبسط العالم هاوكينج هذا الموضوع بمثال بسيط عن الهولوجرام والذي تتكون فيه صورة ثلاثية الأبعاد ويتم حفظ معلومات العمق فيه بالرغم من كون الصور ثنائية الأبعاد في الأساس. نظرية هاوكينج والتي أخذت جزء من نظرية الأوتار لإعادة تطبيق قوانينه على تلك الثقوب قد تكون صحيحة ولكنها غير قادرة على أن تصف الثقوب في كوننا رباعي الابعاد (الأبعاد الثلاثة المكانية بالإضافة إلى الزمن) أي أنها قد تعمل ولكن بدون النظر إلى البعد الرابع مما يجعلها غير قابلة للتطبيق على كل الثقوب السوداء التي وجدها العلماء حتى الآن في الكون. ولكن نظريًا إذا وجدنا أي ثقب أسود ذي كتلة ضئيلة نسبيًا فإن عملية التمددات الكمية بجواره إذا كانت تتم بصورة مكثفة قد تسبب تحلل وانهيار الثقب الأسود وانبعاث طاقته على هيئة شعاع ساطع. عملية مشاهدة ثقب أسود يتلاشى ويتحلل سوف تجيب بشكل قاطع على معضلة المعلومات المفقودة داخله. فالمعلومات قد تكون مفقودة ومشفرة للأبد أو قد تكون مخفية فقط بواسطة حدود الثقب الأسود المسماة بأفق الحدث. حيث يقبع كل ما يدخل الثقب الأسود خلفها منتظرًا نظرية ما تحل محل التفسيرات الحالية لكي نتخلص للأبد من تلك المعضلة.

رحلة داخل الثقب الأسود

ما قد يحدث داخل الثقب الأسود أو إذا كنت سعيد الحظ ووقعت داخل أحدهم (أو ربما سيء الحظ)، فقد تكون أول إنسان يسقط داخله وتتاح لك الفرصة أن تكون أول مستكشف لدواخل الثقب الأسود. أو أن تكون سيء الحظ كما سنرى. فلنتخيل سويًا ثقب أسود في حجم الكرة الأرضية. قوى الجذب تكون قوية جدًا عند حدود أفق الحدث في هذا الثقب الأسود بسبب حجمه وكتلته الصغيرة نسبيًا. وإذا وضعنا أمامك للمقارنة فقط ما سيحدث على كوكبنا فإنه طبقًا لمعادلات الميكانيكا الكلاسيكية فإن قدميك تتأثران بقوى جذب كبيرة نسبيًا عما تتأثر به رأسك وذلك بسبب البعد بينهما أو ما نعرفه جميعًا طول الإنسان.

فإذا تخيلنا أنك تسقط معتدلاً وقدميك للأسفل ناحية مركز الثقب الأسود. فإنه بالمثل ستتعرض قدماك لقوى جذب أكبر ولكن قوى الجذب للثقب الأسود أكبر بكثير من قوى الجذب التي تمارسها الكرة الأرضية عليك فإن ما يحدث يتم وصفه باسم تأثير معكرونة السباجيتي. حيث تصبح قدماك أطول كثيرًا وسمك الجسم يصبح أقل فأقل حتى يصبح طولك بمئات الكيلومترات بينما تصبح نحيفًا ويصل سمك جسدك إلى أجزاء من الميليمتر. تم وضع هذا المصطلح مؤخرًا بواسطة الفيزيائي الفلكي مارتن ريس. وهو يصف بدقة ما يحدث لإنسان يسقط داخل ثقب أسود. حيث تتحول من الحالة المتصلة لذرات جسمك والتي تؤدي إلى قيام أعضائك بمختلف الوظائف الحيوية إلى ذرات منفصلة ومتصلة على هيئة شريط طويل جدًا. طبعًا إذا وصلت إلى هذا الحد فسيفشل عقلك في الحال بسبب تحوله من الحالة الصلبة إلى حالة جديدة لم توصف من قبل للذرات المنفصلة التي تسحبها الجاذبية منفصلة عن بعضها. وللأسف في حالة ثقب أسود بحجم الكرة الأرضية لن تتاح لك الفرصة أن تصل إلى النقطة المتفردة وهي ما نطلق عليه اصطلاحًا لقب مركز الثقب الأسود.

افتراضات أخرى لرحلة داخل الثقب الأسود

أما إذا أردت أن تضمن هبوطًا سلسًا بعض الشيء فأقترح عليك أن تبحث عن ثقب أسود أكبر، أكبر بمئات المرات من الشمس. حيث يكون أفق الحدث الخاص بها رقيقا بعض الشيء وتكون قوى الجاذبية ضعيفة التغير من رأسك إلى أخمص قدميك. فمثلاً إذا وجدت ثقب أسود بحجم المجموعة الشمسية بكاملها أي بقطر سبعة ونصف مليار كيلومتر. فإنك قد تكون محظوظًا بعض الشيء حيث أن ذرات بدنك لن تتحلل سريعًا. وسوف تتاح لك فرصة تجربة بعض التأثيرات الغريبة والتي وصفها لنا ألبرت آينشتين.

في البداية يبدأ جسمك في التسارع حتى تصل إلى سرعة الضوء. وطبقًا للطبيعة النسبية للنسيج الزمكاني فإنه كلما تحركت أسرع خلال المكان كنت أبطأ في مرورك بالبعد الزمني. وإذا استطعت رؤية حطام سفينتك الفضائية والتي هي أكبر في كتلتها منك على افتراض طبعًا أنك حي ترزق في داخل بزتك الفضائية فإن ما ستراه قد يعد غريبًا. سترى الحطام الذي أمامك في الماضي أي صورته السابقة لأنه يتحرك بسرعة أكبر منك داخل الفراغ ثلاثي الأبعاد المكاني. وبالتالي أبطأ في الزمن. وإذا نظرت خلفك فإنك سترى كل ما يسقط وما سوف يسقط داخل الثقب الأسود. أي أنك ستكون محظوظًا للدرجة التي تستطيع معها رؤية الزمن وما يتحرك فيه. أي أنك سترى كل ما يسقط وما سقط منذ بدء الكون وحتى نهاية الوقت عندما تصل إلى المركز. ستتجول داخل الزمان كما لم يتجول إنسان من قبل. كل هذا يعد تجربة ذهنية وبالطبع لن يتمكن أي إنسان من الصمود أمام تلك القوى الكبيرة المحطمة للذرات الصغيرة، فما بالك بالجسم البشري ومدى ضخامته بالنسبة لتلك الذرات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

خمسة × اثنان =