تسعة بيئة
كوارث المرة الواحدة
بيئة » الطبيعة » كوارث المرة الواحدة : كوارث بيئية لم تتكرر مرة أخرى

كوارث المرة الواحدة : كوارث بيئية لم تتكرر مرة أخرى

كوارث المرة الواحدة يُقصد بها تلك الكوارث البيئية التي حدثت مرة واحدة فقط في هذا العالم لكنها في هذه المرة تركت أثرًا كبيرًا على البيئة، فما هي أهم هذه الكوارث يا تُرى ولماذا أطلق عليها تسمية كوارث المرة الواحدة ؟

من المعروف أن كوارث البيئة المُتكررة واحدة من أهم الأمور التي تُهدد البشر ووجودهم، لكن كوارث المرة الواحدة ، والتي تحدث غالبًا مرة واحدة في التاريخ، هي أيضًا نوع هام من الكوارث يستحق الانتباه له، فإن كانت تحدث مرة واحدة فقط فهي تترك تأثيرًا مُضاعفًا في تلك المرة التي تحصل بها، الأمر أشبه بالمقارنة العادية بين القنابل النمطية والقنابل النووية، فعلى الرغم من أن النوع الأول يُستخدم بكثرة إلا أن واحدة فقط من النوع الثاني كفيلة بترك نفس التأثير بل وأكثر، والحقيقة أن أكبر دليل على ذلك أن البشر لا يزالوا يذكرون حتى الآن كوارث البيئة التي حدثت لمرة واحدة، بينما في الغالب نسوا تلك الكوارث الطفيفة التي تتكرر، فطبيعتنا نحن البشر أن الأشياء التي تحدث بصورة مُتكررة تُصبح شبه عادية، عمومًا، في السطور القليلة المُقبلة سوف نتعرف سويًا على أهم هذه الكوارث التي حدثت مرة واحدة والأضرار الكبيرة التي خلفتها.

كوارث البيئة وتهديداتها

قبل أن نُخصص الحديث عن نوع واحدة من الكوارث، وهو المُتعلق بتلك التي حدثت لمرة واحدة في التاريخ، دعونا أولًا نتعرف على كوارث البيئة بشكلٍ عام كي ندخل أكثر في الإطار الذي نتحدث عنه في موضوعنا، فطبعًا من المعروف أن وجود الكوارث أمر طبيعي، يحدث فقط لأن الكون مُقدر له أن يمضي على هذا النمط، كما أننا أيضًا غير قادرين على منع هذه الكوارث مهما بلغت قوتنا، وحتى لو اتحد العالم بأكمله من أجل منع إعصار مُدمر فلن يتمكن من تقليل مخاطر ذلك الإعصار ولو بنسبة واحد بالمئة، الأمور دائمًا محسومة فيما يتعلق بالكارثة الطبيعية، ولهذا فإننا دائمًا ما نتوقع أن تكون نهاية العالم على يد واحدة من هذه الكوارث الطبيعية التي لا يعرف أحد المدى الذي يُمكن أن تصل إليه قوتها.

منذ وجود البشر وقد اعتادوا على أنواع محددة من الكوارث التي تكررت وتتكرر وستكرر للأبد، وهي أنواع معروفة مثل الزلازل والبراكين والأعاصير وأنواع أخرى شائعة، وطبعًا تفاوت قوة وتأثير هذه الظواهر يُمكن اعتباره كارثة بحد ذاتها، ومثال ذلك زلزال تسونامي اليابان 2011 الذي كان أكبر بكثير من مجرد زلزال عادي، عمومًا، بعيدًا عن هذا النوع من الكوارث ثمة نوع آخر يُعرف باسم كوارث المرة الواحدة ، وهذا ما بالضبط موضوع حديثنا في السطور القادمة.

كوارث المرة الواحدة

المقصود بمصطلح كوارث المرة الواحدة تلك الكوارث التي حصلت من قبل ولم يثبت أنها قد تكررت فيما بعد، مهما بلغ تأثيرها وقت الحدوث ومهما كانت ملابستها فما يُهم بالنسبة لنا أنها لم تحدث سوى مرة واحدة، والنماذج على هذه النوعية من الكوارث كثيرة، لكننا فقط سنكتفي بذكر أبرز هذه الكوارث التي أثرت في العالم وتأثر بها للدرجة التي جعلت التاريخ غير قادر على نسيانها، ولتكن البداية مع كارثة البركان الطيني الشهيرة.

البركان الطيني، غضب الطبيعة من البشر

تحدث البراكين بصورة عادية، وإذا قلنا إن البركان يُعد من كوارث المرة الواحدة فسوف يبدو هذا الأمر ضرب من الجنون، لكن البركان الطيني الذي حدث في إندونيسيا مطلع العام 2006 هو الذي يُمكن اعتباره بحق أحد أهم الكوارث التي حدثت لمرة واحدة، وإن كان لا أحد حتى الآن يعرف هل ستحدث مرة أخرى أم لا، لكن الشيء المؤكد أنها عندما حدثت في إندونيسيا بذلك التوقيت كانت المرة الأولى، وتفاصيل البركان ببساطة أن شركة كبيرة من شركات الحفر والتنقيب عن البترول قامت بالحفر في مكان ادعت أنه غني بهذه المواد، لكن ما اتضح فيما بعد أن الدراسات التي بُني عليها هذا الحفر كانت خاطئة تمامًا، وهنا كانت الكارثة على وشك الحدوث.

بعد شهور قليلة من الحفر الخاطئ حدث الأمر الذي لم يكن يتمنى أحد حدوثه، وهو استثارة أحد البراكين الطينية العملاقة، ذلك البركان انفجر بالطين مدمرًا الكثير من الكائنات الحية المُحيطة بمنطقة الحفر بما في ذلك البشر بكل تأكيد، وبالرغم من هذه الخسائر الكبيرة لم تعترف الشركة التي باشرت الحفر أن ما حدث كان نتاجًا لخطئها، وإنما تم تقييد الحادثة ضد الطبيعة، ومن عناية الله أن هذا البركان كان طيني فقط ولم يكن نري مثلما هي العادة، وإلا لكنا نتكلم عن خسائر مُختلفة تمامًا، عمومًا، كانت هذه الكارثة من أهم الكوارث التي لم تتكرر حتى الآن سوى مرة واحدة فقط.

ضباب لندن المُخيف، مساوئ البشر والطبيعة

طبعًا الجميع يعرف الاسم الثاني الذي يُطلق على مدينة لندن الإنجليزية الشهيرة، وهو اسم مدينة الضباب، والحقيقة أن بعض المرددين لهذا الاسم يعتبرونه أمر جيد، وهو ليس كذلك بالمرة، فقد نتج ذلك الاسم عن كارثة من كوارث المرة الواحدة التي حدثت في لندن عام 1952، فقبل تلك الحادثة كان الجميع يعرف لندن بالدخان والضباب الكثيف الذي يملأ كل شبر فيها إما بسبب نقص الرياح أو أنها تُعاني من التلوث بوصفها المدينة الصناعية الأبرز في ذلك التوقيت الذي حدثت فيه واقعة الضباب هذه، المهم أنه عندما داهم لندن الضباب المُخيف الذي حدث في مطلع عام 1952 ظن الجميع أنه أمر بسيط سيحدث وينقضي بهدوء مثلما هي العادة في مثل هذه الظروف، لكن ما حدث كان أكبر من ذلك بكثير.

تصاعد الضباب بشكل مُبالغ فيه حتى توقفت الحياة تمامًا في لندن ولم يعد الناس قادرين حتى على رؤية أنفسهم من شدة هول الموقف، كما أن الكثير من الحوادث وقعت بسبب عدم قدرة السيارات على رؤية طريقها، والأهم من كل ذلك بالتأكيد حوادث الاختناق الكثيرة التي وقعت وأدت إلى موت الكثيرين، وتحديدًا أربعة آلاف شخص لقوا حتفهم مختنقين، بل ويُقال إن تأثير الدخان السام ظل مستمرًا لعام كامل، ولكل هذا تُعتبر حادثة الضباب هذه أحد أعظم الحوادث التاريخية التي تسببت فيها البيئة ولم يثبت حدوثها سوى مرة واحدة فقط.

زلزال تسونامي، زلزال لم يتكرر

ربما سيتعجب بعضكم عندما يعرف أن الزلزال يُمكن أن يكون أحد كوارث المرة الواحدة ، وذلك ببساطة لأن الزلزال من المعروف عنه أنه أكثر كوارث العالم تكرارًا، ودولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية أو اليابان أو أي دولة في شرق أسيا تُعاني أشد المعاناة من هذه النوعية من الكوارث، ولذلك لا يبدو من المنطقي أبدًا اعتباره أحد كوارث البيئة التي تحدث مرة واحدة، إلا أننا في هذا الزلزال لا نتحدث عن ظاهرة الزلازل بشكلٍ عام وإنما بالتحديد زلزال تسونامي الذي ضرب اليابان في عام 2011 وتم اعتباره أعظم كارثة في القرن الحادي والعشرين وضمن أكبر ثلاث زلازل حدثت في تاريخ البشر، ولا نقول تاريخ الأرض لأننا لا نعرف بالطبع ما الذي حدث على هذه الأرض قبل أن نأتي إليها.

في شهر فبراير القابع في عام 2011 استيقظ سكان اليابان على حدث مجنون وزلزال يضرب أراضيهم بمقياس يصل إلى التسع درجات من مقياس الريختر، وهو مُعدل مُرعب فيما يتعلق بمعدلات الزلازل التي تُعتبر درجة الست درجات ريختر كارثية، فما بالكم بتسع درجات كاملة، والأدهى أن الزلزال لم يرحم منذ اندلاعه وحتى وصوله إلى شرق الولايات المتحدة الأمريكية، أجل كما تسمعون تمامًا، فقد بلغت قوة الزلزال الحد الذي جعله يصل إلى أماكن مُتفرقة في العالم ويُحدث هزات طفيفة بها، ناهيكم عن توقف حركة الطيران وتحطم الكثير من المباني وموت الكثير من البشر، وأشياء أخرى قد لا يسعنا هذا المقال أصلًا لذكرها، فقط ما نُريد منكم معرفته أن هذه الكارثة تُعتبر من كوارث المرة الواحدة لأنها لم تتكرر بعد.

مجاعة إيرلندا الكبرى، مجاعة البطاطس

نبقى كما نحن مع كوراث المرة الواحدة التي لم تتكرر حتى الآن، وأهم هذه الكوارث بالتأكيد كارثة مجاعة إيرلندا الكبرى، أو كارثة البطاطس كما يطلقون عليها، وهي التي وقعت كما هو واضح في دولة إيرلندا، وذلك في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والغريب حقًا في هذه المجاعة أو الكارثة أنها جاءت بنفس السبب الذي قامت من أجله دولة إيرلندا والذي كان من أسباب شبعها الدائم، تخيلوا أن المجاعة تأتي بنفس سبب الشبع؟ هذا ما حدث بالضبط في إيرلندا، وكان المتهم الأول في هذه الكارثة محصول الجميع يُحبه بكل تأكيد، وهو محصول البطاطس.

كانت إيرلندا تعتمد اعتماد كامل على محصول البطاطس كغذاء لها، حيث كانت تأكل منه، وما تبقى تقوم بتصديره، وبهذا كان يُعتبر قوة كبيرة بها، وبالرغم من جودته وقدرته على إنعاش هذه البلد إلا أن الخطأ الفادح الذي حدث كان الاعتماد على ذلك المحصول تمامًا واستخدامه بمفرده دون وضع أي بدائل، لذلك عندما ضربت آفة ما نشأت عن تلوث البيئة ذلك المحصول تسببت في تدميره، وبالتالي تدمير إيرلندا بالكامل، حيث مات أكثر من مليون شخص وهاجر أضعافهم، لتكون هذه المجاعة بلا شك أحد مآسي البيئة التي لم تتكرر حتى الآن.

هل ستتكرر هذه الكوارث مرة أخرى؟

بعد أن استعرضنا في السطور الماضية أبرز الكوارث التي ضربت الأرض مرة واحدة فقط بالتأكيد ثمة بعض الأسئلة التي تجول في أذهانكم، على رأسها إمكانية تكرر مثل هذه الكوارث مرة أخرى، فمما لا شك فيه أن كل شيء يجري بقدر الله، وأنه لا يوجد شخص في هذا العالم يعرف يقينًا ما سيحدث بعد دقيقة وليس ما سيحدث غدًا، لكن في عالمنا هناك ما يُعرف بالتوقعات والتكهنات التي تُبنى على المُعطيات، والمُعطيات تقول أن العالم مُقدم بالتأكيد على الكثير من الكوارث في المرحلة المُقبلة، فإذا كنا سنُرجع ما حدث في الماضي من كوارث إلى حالة العالم في السابق فإن الحالة الآن تسوء أكثر وأكثر، والتهديدات أصبحت كثيرة بشكل مبالغ فيه، ولذلك لا نستبعد أبدًا تكرر هذه الكوارث وربما بخطورة أكبر.

فيما يتعلق بالكوارث التي حدثت لمرة واحدة فمن المتوقع بنسبة قليلة جدًا تكرارها، وذلك لأن المُعطيات التي أدت حدوثها لم تعد موجودة الآن، أو بمعنى أدق، الحال لم يعد كما كان في السابق، والناس أصبحوا عندما يُخطئون يتداركون سريعًا هذه الأخطاء ويحاولون جاهدين عدم تكرارها، وهذا يتضح أكثر في البركان الطيني الذي حدث في إندونيسيا، فمن ذلك التوقيت بدأت الرقابة تشتد أكثر على شركات البترول كي يُمنع تمامًا الحفر أو التنقيب دون وجود أُسس سليمة مضمونة.

محمود الدموكي

كاتب صحفي فني، وكاتب روائي، له روايتان هما "إسراء" و :مذبحة فبراير".

أضف تعليق

15 − ستة =