حيوانات الغابات : لماذا لا تشارك البشر حياتهم؟

حيوانات الغابات على اختلاف أنواعهم وتفاوت درجة خطورتهم إلا أنهم يظلون غرباء بسبب ابتعادهم عن البشر وعدم مشاركتهم الحياة معهم، ومن هنا ينطلق سؤال هام يشغل المُهتمين بغرائب العالم، لماذا لا تشارك حيوانات الغابة البشر؟

مما لا شك فيه أن حيوانات الغابات هي أغرب الحيوانات، أو ربما يكون العكس تمامًا، ويكونون هم الصنف الطبيعي من الحيوانات بينما يكون الصنف الذي يُشارك البشر حياتهم هو الصنف الأغرب، ففي النهاية شيء ما خاطئ عندما تنظر إلى مشهد تقرب بعض الحيوانات من البشر وفي نفس الوقت ابتعاد بعض الحيوانات واتخاذها من الغابة مكانًا خاصًا بها، فهي لا تُحاول أصلًا الدخول إلى عالم البشر وترى الخطر في أبهى صورةٍ له عندما يدخل بشري عالمها، إنها بكل تأكيد ظاهرة غريبة لا يُمكن أبدًا إغفالها، بل إن أصحاب أدنى درجة من التعقل قد يُلاحظون هذه الظاهرة ويتعجبون من وجودها، ولهذا، ولأن مهمتنا كما عودناكم هي إزالة الغموض والغرابة عن الأشياء والظواهر، في السطور القليلة المُقبلة سوف نتعرف سويًا على الأسباب التي تجعل حيوانات الغابات لا تُشارك البشر حياتهم، لكن قبل ذلك سنتعرف أولًا على هذه الحيوانات وما نقصده بذكرها، فهي بنا نبدأ في هذا الأمر سريعًا.

ما المقصود بمصطلح حيوانات الغابات ؟

عندما يُذكر أمامك مُصطلح مثل حيوانات الغابات فإن أشياء كثيرة سوف تُثار في ذهنك، وسوف تعتقد أنها نوعية من الحيوانات لها صفات معينة وشكل معين، وكأننا نتحدث مثلًا عن فصيلة كفصيلة الزواحف والقوارض، والحقيقة أن بعضًا من هذا الظن صحيح والبعض الآخر ليس كذلك، فبالطبع هذه الحيوانات نوعية من الكائنات لها صفات معينة، لكنها ليست صنفًا محددًا كالقوارض والزواحف، فمثلًا الأسد، وعلى الرغم من تواجده في الغابة وتتويجه ملكًا لها إلا أن هذا الأمر لا يعني أبدًا أن الأسد لا يُمكن أن يتواجد في مكان آخر بخلاف الغابات، بل من الممكن جدًا أن تقتاده الظروف إلى هذا الأمر، وهكذا في بقية الأنواع، إذًا السؤال الذي تودون طرحه الآن بكل تأكيد، ما الذي يجعل من حيوانات الغابات جديرين بهذا الوصف أو المُسمى؟ الإجابة ببساطة تكمن في مكانهم وكينونتهم.

ما يجعل من حيوانات الغابات مُستحقة فعلًا لهذا الوصف أنها تتمسك جدًا بمكانها، وهو الغابة، وتتمسك أكثر بكينونتها، وهي التواجد في الغابة والنشأة بها، ولهذا تجد أن من الصعب جدًا تأقلم أي حيوان من حيوانات الغابة خارج هذه الغابة، وكأننا نتحدث عن علاقة السمك بالماء وعدم قدرة هذا المخلوق الصغير عن البقاء خارج الماء لأكثر من ثوانٍ معدودة، عمومًا، في الإجابة القادمة على السؤال الذي طرحناه سوف يتضح أكثر ما نرنو إليه من البداية.

لماذا لا تشارك حيوانات الغابة البشر حياتهم؟

هذه هي صيغة السؤال المثلى، والإجابة المثلى سوف تكون متوفرة من خلال مجموعة من الأسباب، هذه الأسباب بالتأكيد ليست وحدها ما تُجيب على السؤال، لكنها الأهم على الأقل، بمعنى أنه يُمكن الاكتفاء بها بعض الشيء، والحقيقة أن إجابة السؤال تأتي في صورة أسباب كثيرة، لكن أهمها مثلًا الخوف من البشر وتجاربهم السابقة.

الخوف من البشر وتجاربهم السابقة

السبب الأول البديهي في مسألة تجنب حيوانات الغابات لمشاركة البشر حياتهم أن تلك الحيوانات في الأصل تخاف من البشر، فحتى لو كنا نتحدث عن حيوانات ضخمة ومفترسة وفتاكة فإن التجارب السابقة تؤكد بأن هذه الحيوانات عندما حاولت، مجرد محاولة، تحدي البشر في الماضي، كانت النتيجة انقراض معظم الأنواع المؤثرة والقوية، وذلك مثل الديناصورات والتماسيح والماموث الصوفي، والكثير من النماذج والأمثلة الأخرى التي لا تستطيع بالتأكيد إنكار سيطرة البشر على الأرض واستحقاقهم لها، وبالتالي فإنهم سيُقاتلون حتى الرمق الأخير من أجل الحفاظ على حيواتهم أمام الحيوانات، وهو أمر فطِن إليه أغلب الحيوانات وقرروا الابتعاد والاحتماء بالغابات.

البشر طوال تاريخهم تمكنوا ببساطة من إثبات تفوقهم على جميع أنواع الحيوانات التي وجدوا أنها تُمثل حجر عثرة لهم، هذه الحيوانات كانت في الأصل قوية، وكان يُتوقع أنها ستأخذ البشر إلى الفناء، لكن العكس هو ما حدث بسبب قوة البشر وقدرتهم، بمساعدة الطبيعة، على التعامل مع كل أنواع المخاطر التي مثلتها الحيوانات عليهم، وعلى ما يبدو أن تلك الحيوانات التي استوطنت الغابات قد تعلمت الدرس جيدًا ولم تعد ترغب في تكرار أخطاء الماضي، ولهذا ابتعدوا.

الفطرة البرية لبعض الحيوانات

بعض الحيوانات تمتلك ما يُعرف باسم الفطرة البرية، وهي الفطرة التي تجعلهم غير قادرين أصلًا على العيش في مكان بخلاف الغابات، فهؤلاء مثلًا، لا يأكلون الطعام الذي يتوافر في حياة البشر ولا يشربون من الشراب الذي يشرب منه البشر، فهذه الظروف ليست مناسبة بالمرة، كما أن الركض والأدغال أمران يُحبهما تلك الأنواع، وهما كذلك لا يتوافران في بيئة البشر، أو بمعنى أدق، فطرتهم لن تسمح لهم بفعل هذه الأمور في حالة وجودهم بحياة البشر، ولهذا فإنهم يرفضون مشاركة الحياة معهم، ولو كنا مُنصفين بما فيه الكفاية لاعترفنا جميعًا بأن هذه الفطرة التي خلق الله الحيوانات عليه درب من دروب تحقيق العدالة، فالله قد خلقهم بصفات معينة وخلقنا نحن بصفات معينة، وخلق لكل نوع عالم يواكب صفاته.

فطرة حيوانات الغابة البرية تتجسد أكثر في الأسود والنمور والأفيال والكثير من الحيوانات الأخرى المعروفة إما بشراستها أو بضخامتها، بينما فطرة الحيوانات الغير برية يُمكن تمثيلها في القطط والكلاب والطيور على النحوِ الأغلب، فهذه الكائنات مُتسامحة جدًا مع الحياة البشرية والبشر أنفسهم متسامحين معهم، ولهذا من الطبيعي جدًا تواجدهم في حياة البشر دون أية مشاكل للطرفين، وكل هذا يقودنا إلى إجابة للسؤال الذي سألناه في بداية حديثنا.

عدم قدرة بعض حيوانات الغابات على التعايش في مجتمعات البشر

هذا السبب يتشابه كثيرًا في ظاهره مع السبب الماضي، لكن إذا دققنا فسنجد أن تفاصيل الإجابة مختلفة بكل تأكيد، فالفطرة شيء وعدم القدرة على التعايش شيء آخر، وذلك لأن الفطرة هي ما خلق الله الكائنات عليه، لكن عدم امتلاك القدرة على التعايش يأتي مع التجربة والمحاولة، فقديمًا كانت بعض حيوانات الغابات تعيش مع البشر بصورة طبيعية، ثم مع الوقت اتضح عدم قدرة هذه الحيوانات على متابعة عملية المعايشة هذه نظرًا لصعوبة تحققها، وأسباب هذه الصعوبة كثيرة طبعًا، فالطعام مختلف، ومعاملة البشر للحيوانات الآن أصبحت أكثر اختلافًا وبات من الممكن جدًا أذيتها بأقل السُبل، وذلك من خلال القنص والصيد بالرصاص مثلًا، ببساطة شديدة، لم يعد الأمان موجودًا بين البشر والحيوانات.

عدم القدرة على التعايش تشمل أيضًا انتفاء أسباب المعيشة من الأساس، فمثلًا الفيل، هل يُمكنكم تخيل تحركه الآن بين البشر الآن بصورة طبيعية وكأنه حصان أو ما شابه؟ بالطبع لا، لكن تخيلوا أن الفيل قديمًا كان بالنسبة للبشر وسيلة النقل الأولى؟ والحقيقة أننا إذا تابعنا البحث خلف أسباب عدم القدرة على التعايش بين حيوانات الغابات والبشر فسنجد أنها كثيرة، وسنجد أيضًا أن الأمر يستحق ما آل عليه الآن، وهو عدم تشارك البشر والحيوانات حياة واحدة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

13 − سبعة =