كيف يمكن حماية البيئة بالاستفادة من وسائل تراثية قديمة ؟

وما هي افضل الوسائل التراثية لحماية البيئة ؟

مع تفاقم المشكلات الناتجة عن النفايات الصناعية والالكترونية ظهر اتجاه يدعو للعودة الى التقنيات التراثية في محاربة التلوث وحماية البيئة والموارد الطبيعية.

التراث هو مجموعة من المعدات والمواد وطرق الحياة التي تركها لنا الأجداد ولم يعد كثير منها مناسب لحياتنا في العصر الحديث , حيث التطور والسرعة والأجهزة الكهربائية التي لا حصر لها, وفي بدايات الثورة الصناعية في أوروبا قرر الانسان الاستغناء عن كثير من الأدوات والتقنيات التراثية القديمة واستبدل بها أجهزة تعمل بالوقود البترولي ثم بالكهرباء , لكن مع تفاقم المشكلات الناتجة عن النفايات الصناعية والالكترونية الناتجة عن ذلك التطور , ظهر اتجاه يدعو الى العودة بقوة الى التقنيات التراثية في محاربة التلوث وحماية الموارد الطبيعية بتحقيق مبدأ الاستدامة , فليس التراث مجرد وسائل بدائية او بيوت بتصميم عمراني لا يناسب التزايد الكبير في اعداد السكان ولا يفي باحتياجاتهم , فالتخطيط العمراني لكثير من المدن العالمية والعربية القديمة هو افضل بكثير من تصميم المدن وهناك تقنيات في إعادة تدوير النفايات الصلبة .

يمكن القول ان سكان المدن العربية القديمة قد حققوا مبدأ الاستدامة من خلال الاستخدام الجيد للموارد والمتغيرات البيئية المحيطة بهم دون التسبب بتلوث البيئة , كما ان الأبنية التراثية المعتمدة على الحجر والطين هي اكثر موافقة لمعايير الأبنية الخضراء التي يتم الحديث عنها بكثيرة في أيامنا, كما ان انتشار الدين الإسلامي وتعاليمه التي تحث على الحفاظ على الموارد الطبيعية كان له اثر كبير في تصميم مدن صديقة للبيئة وتحافظ على الموارد الى اقصى حد .

بعض التقنيات والوسائل التراثية القديمة في حماية البيئة وطرق توظيفها في المدن العصرية

التراث المعماري العربي والإسلامي من افضل المجالات التي يمكن استحضارها والعمل على إعادة احيائها لتوفير مساكن صحية وصديقة للبيئة وليس ذلك فحسب فهناك تقنيات التخلص من النفايات المنزلية وتقنيات توفير الطاقة  وهذه بعض الأمثلة على تلك التقنيات والوسائل:

في المجال العمراني :

يزخر التراث العمراني العربي والإسلامي بنماذج رائعة للتخطيط العمراني للمدن وكذلك للتصميم العمراني للمباني المنفردة , فمثلا نجد كثير من المدن العربية القديمة تتميز بضيق الطرقات في الاحياء السكنية حيث يتوسط تلك الممرات الضيقة ساحات تكون مخصصة للأسواق ويجتمع فيها اهل المنطقة السكنية في مناسباتهم , كذلك هناك الأسواق المسقوفة او ما يعرف بالخان والتي تؤمن الحماية للمتسوقين من حرارة الشمس صيفا ومن المطر شتاءا وكذلك تعمل كقناة تهوية للمنازل الملتصقة بها في فصل الصيف . المواد المستخدمة في البناء كانت مواد عازلة فقد كان الطين افضلها ,وأكثرها استخداما  ويأتي في المرتبة الثانية الحجر الصلب الذي استخدم لتشييد الأبنية في كثير من المدن الإسلامية والعربية العريقة , وفي التصميم الداخلي للمنازل ظهرت عدة  تقنيات منها فتحات التهوية ذات الجودة العالية والفناء الداخلي الذي غالبا ما كان يحتوي على  نافورة مياه او ما يعرف بالبحرة بالإضافة الى تزيين جنباته بالنباتات والورود وبعض الشجيرات , وكل ذلك كان يمنح الساكنين في المنزل جوا منعشا, وكانت جدران المنازل في كثير من المدن سميكة وهذا كان يؤمن العزل الحراري .

في مجال التخلص من النفايات الصلبة :

النفايات الصلبة لم تكن معضلة كبيرة في الماضي وخاصة مع عدم وجود المواد البلاستيكية بكثرة وانعدام وجود أي من المخلفات الصناعية او الالكترونية  في هذه النفايات ولذا فقد كانت النفايات المنزلية تجمع بواسطة الدواب ثم تنقل الى عدة مكبات محيطة بالمناطق السكنية , وبمرور الوقت تتحول النفايات الى سماد عضوي للاراضي الزراعية القريبة من المكب.

توفير مياه الشرب :

كان هناك مصدرين اساسيين لمياه الشرب اولهما المياه السطحية في الينابيع والانهار وثانيهما ما كان يجمع من مياه الامطار , وفيما يخص الينابيع يوجد في بعض المدن قنوات حجرية تحت ارضية كانت توصل المياه الى كل منزل في المنطقة التي يغذيها ذلك النبع وقد ساعد مرور المياه اسفل المنازل والشوارع المظللة في توفير مياه معتدلة الحرارة طيلة ايام السنة بالاضافة الى عدم الحاجة الى مضخات  للمياه , لكن التقنية الاكثر نجاعة والتي كانت صالحة لكل المناطق هي تجميع مياه الامطار في ابار تحت الارض بحيث تحفظ المياه معتدلة الحرارة ونظيفة وقد تم تصميم هذه الابار لتشبه حبة الاجاص في الغالب وذلك لحماية المياه من التقلبات الجوية وتقليل معدلات التبخر.

حفظ المواد الغذائية :

التجفيف والتدخين والحفظ بالملح او تحت طبقة من الزيت او الدهن الحيواني كلها كانت طرق سهلة وغير مكلفة لحفظ العديد من الاطعمة في الماضي وبرغم انها كانت تقلل من القيمة الغذائية لبعض انواع الطعام الا انها كانت كفيلة بتوفير كميات مناسبة من الغذاء في المواسم التي تشح فيها المنتجات الزراعية, دون الحاجة الى وجود ثلاجات .

من الجدير بالذكر ان الطاقة التجارية المعروفة في زمننا الحالي لم تظهر في غالبية المدن العربية الا في نهايات القرن التاسع عشر اي قبل اقل من مئة وخمسين سنة فقط واما قبل ذلك فقد اعتمد السكان في تنقلاتهم  وفلاحة اراضيهم وغير ذلك من المهام على الدواب وهذا يعني عدم انتاج نفايات سائلة او صلبة وانعدام الانبعاثات الملوثة  , لكن لا يمكن القول ان ذلك نوع من تقنيات توفير الطاقة وذلك للفرق الكبير في الانتاجية والكفاءة بين الطرق البدائية المعتمدة بشكل اساسي على الدواب وبين الاجهزة الحديثة ذات الكفاءة والانتاجية العالية , وهذا يعني ان التراث لا يمكن ان يكون الحل لكل مشاكلنا البيئية فلا بد من التطور الدائم في الوسائل والتقنيات لمواكبة الزيادة السكانية والتوسع العمراني الكبير في المدن العربية.

لم تكن هناك مشكلة كبيرة لدى سكان المدن والمناطق الريفية على حد سواء في التخلص من المياه العادمة وذلك لأنها مثل النفايات الصلبة لم تكن تحتوي على منظفات صناعية سامة او ضارة بالبيئة , كما ان المكيات المنتجة من كل منزل لم تكن كبيرة , ولذا تم الاعتماد بشكل أساسي على الحفر الامتصاصية  التي كانت كافية لتجميع المياه العادمة  وتسريبها داخل الأرض .

يمكن القول ان المجال العمراني هو افضل المجالات التي يمكن الاستفادة من التراث فيها وذلك للنهضة العمرانية العملاقة التي شهدتها العصور المشرقة في تاريخ المنطقة العربية والاسلامية , كذلك لا يمكن اغفال الحلول الذكية التي استعملت لنقل مياه الشرب ضمن قنوات من الحجر بعيدا عن حرارة الشمس او جمع مياه المطر في ابار مصممة لحفظ حرارتها وغيرها من التقنيات التراثية التي يمكن توظيفها لخدمة الجهود الرامية الى تحقيق مبدأ الاستدامة وتطبيق معايير البناء الأخضر .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

3 × ثلاثة =