أسباب تراجع مشكلة ثقب الأوزون في السنوات الأخيرة

شهدت مشكلة ثقب الأوزون في السنوات الأخيرة تراجعًا كبيرًا نظرًا لبعض الجهود التي بُذلت، نستعرض مشكلة ثقب الأوزون وكيف أسهمت السياسات الحكيمة في تراجعها.

ثقب الأوزون هي مشكلة ظهرت منذ عدة عقود، لكن في السنوات الأخيرة بدأت تُحل بشكل ملفت، أحيانًا عندما نحاول النظر عالمنا من منظور الباحثين والعلماء واستنادًا على دراساتهم وإحصاءاتهم نشعر بعجبٍ حقيقيٍّ أننا ما زلنا على قيد الحياة وأن هذا الكوكب ما زال قادرًا على أن يعطينا حتى اليوم، فبحسب أقوالهم ودراساتهم في كل نواحي الكوكب والبيئة من حيث الموارد والمعطيات والصحة والجو العام والسماء من فوقنا والأرض من تحتنا يبدو لنا كوكب الأرض وكأنه قنبلةٌ على وشك أن تنفجر بنا في أي لحظة! لا ندري حقًا متى ستاتي تلك اللحظة وإن كنا قادرين على في ذلك الوقت على التخلي عن كوكبنا الأم وإيجاد الحياة في منطقةٍ أخرى في أنحاء المجرة الواسعة أم أننا ببساطةٍ سننتهي مع كوكبنا، وستأتي نهاية العالم التي تسبقها كل تلك البوادر والمؤشرات التي نعيش فيها اليوم في لمح البصر!
المثير للعجب والدهشة وموطن الإعجاز في كوكبنا أن كل شيءٍ متصلٌ ببعضه في نظامٍ دقيق وعجيب كأننا نعيش داخل آلةٍ عملاقة مليئة بالتروس كل جزءٍ من الكوكب هو ترسٌ لو أصابه الطب لأصاب الآلة بأكملها! لكن الحقيقة أن بعض التروس أكبر من البعض الآخر وأن عطبها قد يعني عطب الآلة كلها للأبد! واحدٌ من تلك التروس الكبيرة التي لا غنى عنها ونعيش في رعبٍ دائمٍ مقيم خشيةً من عطبه هي طبقة الأوزون التي تحمي كوكبنا وتكفل لنا حياةً طبيعية، لقد عشنا عقودًا عديدة مؤخرًا منذ بداية العصر الحديث والثورة الصناعية في كابوسٍ وحالةٍ من الرعب والترقب أثناء مشاهدة ثقب الأوزون الآخذ في الاتساع منذرًا بالنهاية، لكن من الواضح أن الثقب أظهر تغييراتٍ مؤخرًا ليبعث بعض الاطمئنان في قلوبنا، فهل هي إفاقة ما قبل الموت مباشرةً أم أن كوكبنا يعطينا فرصةً أخرى حقًا؟

كل ما تود معرفته عن مشكلة ثقب الأوزون ووصولها نحو الحل

طبقة الأوزون

ما طبقة الأوزون بالأساس وما الذي تقوم به وكيف تقوم به؟ وهل هي ثابتة أم متغيرة وعلى أي أساسٍ تتغير؟ طبقة الأوزون هي جزءٌ من الغلاف الجوي المحيط بكوكبنا وبشكلٍ أدق توجد في الجزء السفلي من طبقة الستراتوسفير ولونها بشكلٍ عام هو الأزرق، سُميت طبقة الأوزون نسبةً إلى غاز الأوزون وعند النظر إلى علم الكيمياء سنجد رمز غاز الأوزون هو O3 بينما رمز غاز الأكسجين هو O2 وهو ما يعني أن الأوزون يزيد عن الأكسجين بذرة أكسجينٍ واحدة، وما يحدث عمليًا في الواقع أن طبقة الأوزون مليئة كهوائنا كله بالأكسجين الذي يتعرض للأشعة فوق البنفسجية التي ترسلها الشمس إلينا، فبدلًا من السماح لها بالنفاذ إلى الأرض يتم استهلاكها في تحويل الأكسجين إلى الأوزون لتتكون لنا طبقة الأوزون المشبعة بكلٍ من الأكسجين والأوزون، ومن الطبيعي واستنادًا على الطريقة التي يتكون بها الأوزون يعني ذلك أن طبقة الأوزون لا تحتوي على نسبٍ متساوية من الأوزون في كل أجزائها وإنما تختلف نسبته من مكانٍ لآخر بل ومن فصلٍ لآخر من فصول السنة، ويعتمد ذلك بشكلٍ رئيسي على العلاقة بين الشمس والأرض والمسافة بينهما ودوران الأرض حول الشمس وحول نفسها، كذلك يعتمد ذلك على توزيع الهواء والرياح فنجد أقل سمكٍ لطبقة الأوزون عند خط الاستواء وتزداد كثافةً حتى تصل للقمة عند القطبين، يشهد القطب الشمالي سماكةً أكبر للأوزون بشكلٍ عام من الجنوبي بينما يشتهر الجنوبي بوجود ثقب الأوزون الشهير فيه، وباختلاف الفصول تختلف تلك النسب وتختلف معها سماكة الطبقة.

أهمية الأوزون

لا أحد يستطيع إنكار أهمية طبقة الأوزون في حياتنا ولكوكبنا وذلك ما يجعل كل ضررٍ يصيبها مأساةً تسبب الرجفة لقلوبنا خوفًا مما قد يحدث لنا إن انهارت طبقة الأوزون وتركت كوكبنا مكشوفًا بلا حماية، كما ذكرنا فتلك الطبقة تقوم بشكلٍ رئيسي على استهلاك الأشعة فوق البنفسجية المُرسلة من الشمس لتمنعها من النفاذ إلى الأرض إلا بمقاديرٍ محدودةٍ مفيدة، لكن لو لم تكن هناك طبقة أوزون وكانت الأشعة فوق البنفسجية التي ترسلها الشمس للأرض تدخل إلينا كاملةً لكانت الحياة على هذه الأرض منتهيةً منذ زمنٍ بعيد، تتسبب الأشعة فوق البنفسجية في احتراق الجلد بل وتسبب السرطان أيضًا وتؤثر على التركيب الجيني والوراثي للكائنات الحية وتسبب تغييره وحدوث الطفرات المتعاقبة فيه، وبالتالي تزيد نسبة حدوث الأمراض والأطفال المشوهين وحالات الإجهاض ونقص المناعة والتأثير على الحواس أو فقدها كما تؤثر على النباتات والحيوانات والبيئة بأكملها من حولها مسببةً خللًا في التوازن الطبيعي ونظام البيئة.

تناقص الأوزون

في العقود السابقة من الزمن تعرضت طبقة الأوزون لتناقصٍ ملحوظٍ في حجمها وسمكها وكثافتها، وكانت نسبة تناقصها تختلف من فترةٍ لأخرى ومن سنةٍ لأخرى، وأثناء مراقبة طبقة الأوزون وما يحدث لها من تغييرات ونقص أو زيادة اكتشف العلماء عام 1985 ثقبًا في طبقة الأوزون يقع فوق القطب الجنوبي وهو ما اجتذب اهتمامهم وانتباههم ودراساتهم وابحثاهم في محاولة توقع خطوات هذا الثقب القادمة وما يحمله للأرض من تهديداتٍ أو مخاطر، وعند ذلك وجدوا أن الثقب يظهر ويختفي وليس موجودًا بشكلٍ دائم، مثله مثل التغيرات في سمك طبقة الأوزون حسب الفصول، فيظهر الثقب في سماء القطب الجنوبي حسب الدوارت القلق كانت أن الثقب يزداد اتساعًا في كل مرةٍ يظهر فيها، وجود الثقب في القطب الجنوبي لا يعني أن تلك المنطقة الوحيدة التي تعاني انخفاضًا في سمك وكثافة طبقة الأوزون بشكلٍ خطير، فالقطب الشمالي أيضًا رُصدت فيه عدة مراتٍ حالات انخفاضٍ في طبقة الأوزون، وهو في الواقع ما يبدو أخطر على الأرض من مجرد ثقبٍ تتسلل منه الأشعة لكن انخفاض سمك طبقة الأوزون بشكلٍ موسع يعني ازديادًا تدريجيًا كبيرًا في نسبة الأشعة فوق البنفسجية الداخلة لأرضنا.

أسباب نضوب الأوزون

كانت الملاحظات الأولى في تلك الظاهرة أن النقص في طبقة الأوزون يزداد في البلاد الصناعية خاصةً الكبرى منها كالقارة الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية، فبدأت الدراسات تخرج إلينا عارضةً لنا أسباب نضوب الأوزون منّا وسبب تأثير تلك الدول عليه بهذا الشكل، كان على رأس تلك الأسباب هي المواد الغازية التي تنتج من الكثير من أجهزتنا وأدواتنا ومستخدماتنا الخاصة التي نستعملها بشكلٍ يوميٍّ بدون أن نشعر لتنتج في الهواء كمياتٍ مهولة غير مرئية من مركبات الكلوروفلوروكربونات وهي من أخطر المركبات على الإطلاق على الأوزون حيث تصعد إلى الغلاف الجوي وتقوم بتحويل غاز الأوزون إلى غاز الأكسجين مرةً أخرى مقللةً من الأوزون بشكلٍ مرعب، موادٌ وغازاتٌ وعوادمٌ أخرى تنتج عن الصناعة وتنتج عن الاستخدامات البشرية لبعض المخترعات والمستخدمات التي نراها عادية تنتج موادًا تتفاعل مع طبقة الأوزون وتستهلك غاز الأوزون الموجود بها لتقلل من نسبته وكثافة طبقته بالتالي، من ناحيةٍ أخرى فالتجارب النووية تشكل تهديدًا ضخمًا على طبقة الأوزون ووعدًا صريحًا وواضحًا بتدميرها، تلعب الطبيعة والبيئة دورًا لا بأس به أيضًا في تدمير طبقة الأوزون إما بالانفجارات البركانية أو الأعاصير أو الأنشطة والعواصف الشمسية.

ثقب الأوزون والاحتباس الحراري

يأتي الاحتباس الحراري وحده على رأس قائمة المشاكل التي تهدد عالمنا، لكن لم يكفِ به كارثةً وحده لنجده مساهمًا مع مشكلةٍ ليست أقل منه خطرًا ولا فجاعة، ما الاحتباس الحراري إلا عملية احتقانٍ في جو الأرض ودرجة حرارتها وتحويل كوكبنا من أرضٍ نعيش عليها إلى قنبلةٍ بانتظار أن تنفجر بنا في أي لحظة، ينتج الاحتباس الحراري عن ظاهرةٍ طبيعيةٍ وتلقائية تحدث على أرضنا منذ بداية الخليقة الغرض منها الحفاظ على دفء أرضنا ودرجة حرارتها في الحدوث التي تسمح بالحياة عليها، عندما تدخل أشعة الشمس من الغلاف الجوي تتجه إلى الأرض ثم تنعكس عنها عائدةً للفضاء الخارجي مرةً أخرى، إلا أن الغلاف الجوي يعمل على صد بعض الأشعة والحرارة ويمنعها من المرور لتعود إلى الأرض ثانيةً فتحافظ على دفئها، لكن ما يحدث الآن أن الغلاف الجوي يمتلئ بالعوادم والغيوم والحواجز الصادة التي تمنع جزءًا أكبر من اللازم من الأشعة والحرارة من الخروج وتعكسها مرةً أخرى إلى الأرض ومع الوقت بدأت درجة حرارة أرضنا في الارتفاع محولةً أرضنا إلى ما يشبه واحدةً من أواني الطهي الضاغطة!
في البداية فاتساع ثقب الأوزون ونقص كثافتها يسمح لكميةٍ أكبر من الأشعة والحرارة في الدخول إلى الأرض ثم تمنعها العوادم من الخروج فيزيد الاحتباس الحراري على الأرض، ومع ارتفاع درجة الحرارة على الأرض تتصاعد الغازات الدفيئة لطبقة الأوزون فتتصادم مع جزيئات الأوزون معرقلةً عملها ونظامها وتتفاعل معها لتزيد ضعف طبقة الأوزون أكثر وهكذا دواليك! حلقةٌ مفرغةٌ تدور فيها الأرض بلا قوةٍ ولا حيلة.

بصيص أمل

عانينا السنوات الماضية من حالة رعبٍ وترقب بسبب الاتساع المرعب وغير المسبوق لثقب الأوزون، وبدا أن الأرض تتجه بخطواتٍ سريعة نحو النهاية فعلًا، وسارعت الكثير من الدول لاتخاذ خطواتٍ كمحاولةٍ عالمية لمساعدة الأرض على الصمود أمام الخطر المحدق بها وتأخير نهايتها، فبدأت الدراسات وخرجت النظريات وعُرفت الأسباب، وكان أكبر الأسباب هو ما يُعرف باسم الفريون فبدأت الدول من الحد والتقليل منه والحرص على ألا تضع الغلاف الجوي وطبقة الأوزون أمام هذا الضغط الهائل التي تسببه لهم تلك المركبات كما شرعت الدراسات تبحث عن المصادر الطبيعية والنظيفة للطاقة وعن كل ما قد يساعد في تنقية الجو وربما تجديده أيضًا، لم نكن نتوقع الكثير بل كل الآمال كانت التقليل من سرعة الأرض باتجاهها نحو الهاوية، لكن مؤخرًا بدأت الأرض بمفاجئتنا عندما أسفرت الدراسات والمراقبات الحديثة لثقب الأوزون عن نتيجةٍ لم تخطر على بال أحد، فوجدنا ثقب الأوزون فوق القطب الجنوبي آخذًا في الانكماش أو كما يروق للبعض وصف سلوكه بالالتئام، كان الجميع مترقبًا للنتائج التي ستسفر عنها الدراسات والمشاهدات في شهر أكتوبر لأن ثقب الأوزون كما ذكرنا يظهر ويختفي في مواسم مختلفة من العام، وفي شهر أكتوبر من كلل عامٍ يظهر الثقب باتساعه كاملًا، فكانت المفاجئة أن الثقب التأم لبضعة آلاف الكيلومترات عما كان عليه في السنين السابقة، وبدأ العلماء يعلنون بسعادة أن جهود العالم في الأعوام السابقة لم تذهب هباءً وإنما آتت ثمارها، وبدؤوا يرجحون سبب الاتساع المرعب الذي حدث في الثقب في الفترة السابقة كان بسبب الانفجار الهائل لبركان تشيلي والذي تسبب في اختلال توازن العالم كله لفترةٍ طويلة فكان من الطبيعي أن يكون له تأثيرٌ كهذا على طبقة الأوزون.

أرضنا حقًا رحيمةٌ بنا مهما آذيناها وأضررنا بها واستنزفنا خيراتها تستمر في التعافي من أجلنا والعطاء بلا مقابل، وحتى عندما يكون المقابل إنكارًا للجميل وإلحاق الأذى بها، لكن لا يمكننا التواكل على حقيقةٍ كهذه فالواقع يقول أن لكل نبعٍ أن ينضب في النهاية، علينا أن نكون أكثر رحمةً بأرضنا قبل أن يفوت الأوان فنندم يوم لا ينفع الندم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

5 − 1 =