كيف يحدث تكيف الكائنات الحية مع الطبيعة بطُرق مذهلة؟

تكيف الكائنات الحية مع البيئة أمر في غاية التعقيد، لكنه أساسي في استمرار وجود الكائنات، على رغم وجود الكثير من الكوارث الطبيعية من تغيرات مناخية وبيئية.

تكيف الكائنات الحية مع الطبيعة المُحيطة بها يُعد واحد من أكثر الأمور إعجازًا في كوكب الأرض. فكل كائن يختلف عن الآخر وكل فصيلة لها مميزات تجعل لها الأفضلية في أن تعيش في ظروف بيئية معينة ومخصصة لها. ولكن إن نظرنا من جهة أخرى للإنسان كمثال فإنه يستطيع أن يعيش في أي مكان في كوكب الأرض. في حين أن هناك كائنات أخرى لا تستطيع أن تعيش سوى تحت البحر مثل الأسماك. وأسماك أخرى ليس لها خياشيم ولها رئتين ولكنها أيضًا تعيش تحت البحر مثل الحيتان والدلافين. هناك أيضًا البرمائيات التي تعيش داخل وخارج المياه مثل الضفادع والسلمندر. كل هذه الكائنات غريبة جدًا في عملية التكيف مع البيئة المحيطة. مما يستفز العقول المستنيرة في معرفة كيف يحدث تكيف الكائنات الحية بهذه الطريقة العجيبة.

فائدة عملية تكيف الكائنات الحية

عملية التكيف هي عملية طبيعية تحدث لأي كائن حي ولكن في حدود جسد ووعي هذا الكائن. بمعنى أن هناك قدرات جسدية لكل كائن حي. هذه القدرات مطاطة يمكن أن تتعايش مع درجات حرارة مختلفة ولكن الاختلاف يكون في إطار معين. أو مثلما ذكرنا قبلًا الدلافين فهي تعد من الثدييات ولكنها لا يمكن أن تعيش على الأرض دون مياه لأكثر من أسبوع بعدها ستموت. إذًا من هذه الأمثلة نستنتج أن عملية التكيف تخدم الكائن الحي في التعامل مع الظروف البيئية الطارئة ولكن في حدود معينة. فالإنسان مثلًا لا يستطيع أن يعيش في درجة حرارة أعلى من 70 مئوية بصورة مستمرة. ولكنه يستطيع أن يتحملها للحظات.

من ناحية أخرى هناك عملية التكيف الناتجة من التكاثر. حيث أن كلما تكاثر الكائن الحي في بيئة ما. ينتج نسل متوافق مع هذه البيئة أكثر من الأبوين. وهذا يحدث عن طريق تكوين جينات الجنين وتطورها نتيجة معرفة هذه الجينات مسبقًا بالظروف البيئية عن طريق الأب والأم. فتتطور هذه الجينات لتتكيف مع المحيط. وكمثال على هذا الشيء؛ القبائل التي تعيش في هضاب التبت. هؤلاء الناس تشريحيًا لديهم رئة أكبر من رئة البشر الذين يعيشون في مناطق معتدلة الحرارة. وذلك لاحتواء أكبر قدر من الأكسجين بسبب نقص الأكسجين نتيجة الارتفاع الشاهق لهذه الهضبة.

تعريف التكيف

هناك ثلاثة طرق لتعريف تكيف الكائنات الحية بطريقة بسيطة وعلمية.

  • التعريف الأول يقول: أن التكيف هو عبارة عن تغير طبيعة واستجابة كائن حي معين لتغير طارئ حدث له في البيئة المحيطة به. مثل تغير معدل حرق الغذاء داخل جسمه. أو سماكة الجلد. أو تغير مواعيد النوم من المساء إلى الصباح.
  • أما التعريف الثاني وهو الأكثر استخدامًا وهو يقول إن القدرة على إنتاج جيل قادر على التكيف بصورة أكثر ذكاء مع المحيط المتغير. وهذا الجيل قادر على إنتاج جيل أخر من خلال التكاثر. وكلما توالت الأجيال كلما زادت عملية التكيف تآلفًا مع المحيط البيئي لهذه الكائنات.
  • التعريف الثالث والأخير. هو عبارة عن تطور لسمات محددة في جسم الكائن الحي ليناسب البيئة المحيطة له. وهو ما يُعرف بالانتقاء الطبيعي. مثل الزرافة التي طالت رقبتها من أجل أن تصل إلى أوراق الشجر التي تتغذى عليها.

عوامل تكيف الكائنات الحية مع البيئة

يتكيف الكائن الحي مع البيئة المحيطة من عدة نواحي. فهناك مثلًا البنية الجسدية الناتجة من تغير الجو ونوع الغذاء. فمثلًا الحيوانات التي تعيش في القطب الشمالي أو الجنوبي لديها دهون في جسدها أكثر بكثير من الحيوانات التي من نفس فصيلتها ولكن تعيش في جو صيفي أو معتدل. مثل الدب القطبي والدب البني. فكلاهما ضخم وقوي. ولكن الدب القطبي جسده يحتوي على أضعاف الدب العادي من الدهون لأجل عملية البيات الشتوي الطويلة التي يقضيها دون أي نوع من أنواع الغذاء.

غريزة الجوع والدفاع عن النفس

أيضًا عملية الدفاع عن النفس والبحث عن الغذاء. فهناك عدد من الكائنات الحية تتخذ التكيف مع بيئتها المحيطة كنوع من أنواع الدفاع عن النفس أو الهجوم. وهذا نجده في الحرباء التي لديها القدرة على تلوين جلدها بأي لون يلمسه هذا الجلد حتى لو لم ترى هي اللون. ولكن الجلد يميز هذا اللون ويتحول إليه حتى تستطيع الاختباء من فرائسها والحصول عليها بطريقة سهلة عن طريق الترصد. أيضًا هناك حيوانات كبيرة تستخدم حيلة غريبة جدًا وتمثل أنها ميتة فلا يلتفت إليها الحيوان المفترس. هذا غير الفهود والنمور والأسود الإفريقية الذين يستخدمون حشائش السافانا الطويلة للاختباء خلفها متربصين فرائسهم من الحمير الوحشية أو الأبقار أو الغزلان.

غريزة الحياة

كل هذه الغرائز عامل مهم في عملية تكيف الكائنات الحية مع البيئة المحيطة بها. ولكن لا يزال هناك العامل الأساسي والأهم بين هذه العوامل وهو الرغبة في الحياة. هذا هو العامل الأهم على الإطلاق والغريزة المهمة التي تدفع أي كائن حي لمحاولة التكيف قدر الإمكان مع المحيط والظروف المحيطة به. وكمثال على ذلك الإنسان، فالإنسان يعتبر أذكى كائنات الأرض. ولذلك هو الأكثر انتشارًا وحياة على هذه الأرض لأنه الكائن الوحيد الذي يستغل ذكائه في تطويع البيئة المحيطة له ليتكيف معها وتتكيف معه بدافع الرغبة في الحياة.

كيفية حدوث عملية تكيف الكائنات الحية

في معظم الغابات ترى عملية تكيف الكائنات بشكل واضح. وذلك مثلًا يحدث عندما يحدث حريق معين أو فيضان في غابة. فتجد أن وابل من الكائنات الحية تتحرك من هذه الغابة وذهب إلى مكان أخر ليكون له مأوى. أحيانًا يكون هذا المكان به الكثير من البشر. أو أحيانًا أخرى تكون منطقة أخرى من الغابة ولكنها تضج بالعديد من المنافسين الشرسين. ولذلك هنا. تجد صورة مرسومة لعملية تكيف الكائنات. لأن البقاء سيكون للأذكى والأقوى. ولذلك تجد العديد من الكائنات وجدت أماكن جديدة لتعيش فيها أماكن أمنة. وإن كانت غير أمنة تجد الحيوان هرب وانتقل لغيرها. أو تجد الحيوانات وجدت طريقة جديدة لصيد فرائسها. الرغبة في الحياة التي تكلمنا عنها هي التي تحرك عقل الكائن الحي ليجد طريقة مناسبة للحياة الجديدة التي سيذهب إليها.

حتى البشر عندما عرفوا في الوقت الراهن أن الوقود وقطع الأشجار والمصانع التي ترمي العديد من المواد السامة في الأنهار. وكل مظاهر التلوث التي يسببها الإنسان. قرروا أن يجدوا بديل للطاقة. بديل نظيف. ولذلك اخترعوا خلايا الطاقة الشمسية. وفي البرازيل هناك سجن ينتج الطاقة. وهذا السجن عبارة عن مساجين يجلسون على عجلات ويدورون بدالات هذه العجلات باستمرار حتى تنتج الطاقة مقابل أيام أقل سيقضونها في السجن. كل هذا التفكير الإنساني في إنتاج الطاقة سببه هو معرفة الإنسان المسبقة بخطورة التلوث على الطبيعة مما سيجعلهم في خطر مُحدق. كل هذا جعل البشر يفكرون في وسيلة جديدة تتكيف مع النظام البيئي بشكل أفضل.

أنظمة التكيف

تكيف الكائنات الحية يحدث عن طريق أكثر من نظام. ومن الممكن أن يتم التكيف في هذه الأنظمة في نفس الوقت. وإذا حدث هذا يدل على فرصة كبيرة لنجاة هذا الكائن تحت أي ظروف متغيرة من الممكن أن يتعرض لها.

التكيف الجسدي

هناك العديد من الكائنات تغيرت بنيتها الجسمية بطريقة تجعلها تتكيف مع البيئة المحيطة لها. ولنأخذ مثال على النباتات، فهناك نباتات تدعى العُصاريات تعيش في الصحراء وأشهرها الصبار والتين الشوكي. هذه النباتات تكيفت مع الزمن ومع البيئة الجافة فصارت تحفظ المياه داخلها لفترات طويلة جدًا في صورة عصارة. والمعروفة بعصارة الصبار. وتعتمد على الندى وقت الفجر. والأمطار الموسمية التي تهطل على الصحاري فقط. فتجد سيقان هذه النباتات خضراء وطرية ومُرة. وهذه المرارة دليل قاطع على تكيف هذا النبات مع البيئة المحيطة. لأنها تمنع أي حيوان من شُرب هذه العصارة لطعمها السيئ.

التكيف السلوكي

وهو عبارة عن تغير سلوك الحيوان وطريقة عيشه. ويظهر هذا النظام في تغير الفصول، عندما تبدأ الحيتان في الانتقال من النظام البيئي الذي يوشك على البرودة إلى النظام البيئي الدافئ. فيما يسمى بالهجرة السنوية لأسراب الحيتان. أيضًا هذا يحدث للطيور. وقد تجد من الغريب أن يقطع كل من الحيتان والطيور آلاف الكيلو مترات سنويًا ذهابًا وإيابًا حتى يتكيفوا مع الجو.

الجَمَل كمثال لتكيف الكائنات الحية في الصحراء

الجَمَل يُعد من أكثر الكائنات التي تحكي عن فكرة التكيف. حيث أنه يعيش في كل الأماكن. ولكن موطنه الأصلي هو الصحراء. هو حيوان يأكل الأعشاب وأوراق الشجر الخضراء. له جزء أعلى ظهره يدعى “السنم”. وهناك أنواع من الجمال لها سنامين وأنواع أخرى لها سنم واحد.

السنم

السنم عند الجمل هو وسيلة التكيف الأولى مع الحياة في الصحراء. فلأول وهلة قد تقول كيف يعيش هذا الكائن الضخم في مكان لا يوجد فيه مياه أو أكل. وهذه حقيقية. فهناك مجموعات من الجمال في الصحاري ليس لها صاحب. هذه المجموعات تعيش على أعشاب طفيفة جدًا. وأحيانًا لا تشرب لمدة طويلة. والغريب أنها تعيش لسنوات كثيرة فمتوسط عمر الجمل 40 عام. وفائدة السنم هي تحويل أي غذاء يدخل جسم الجمل إلى مواد دهنية تختزن في هذا السنم. وعندما يحتاج جسم الجمل إلى طاقة أو غذاء يأخذ من السنم.

فم الجمل

فم الجمل أيضًا غريب. وهذا تجده واضح جدًا في تكيف الجمل مع الأعشاب الشائكة في الصحراء. حيث أن فمه السميك لا يتأثر بالأشواك ويجعله يأكل هذه الأعشاب كغذاء في حالة عدم وجود بديل غيرها.

أنف الجمل

أنف الجمل تتكيف بطريقة غريبة مع الصحراء. حيث أنه في حالات العواصف الرملية، أي كائن قد يرى مشهد العاصفة فيقول استحالة أن يعيش الجمل داخل هذه العاصفة. لكنه يعيش لأن لديه أنف غريبة. فهو قادر على غلقها لدرجة كبيرة تمكنه من حمايتها من الرمال الهائجة. أيضًا لديه كمية شعر كبيرة جدًا في فتحتي أنفه تعمل كمرشح طبيعي للهواء الصحراوي المحمل بالرمال.

معدة الجمل

الجمل لديه معده تحتمل 16 لتر من المياه. وهو يستطيع أن يتحمل العطش في الشتاء لمدة شهر. وفي الصيف لمدة أسبوع. غير أن جسم الجمل لا ينتج العرق. بل يختزن جسمه الحرارة في النهار ويتخلص منها في الليل مما يجعله قادر على تحمل درجات الحرارة الحارقة في الصيف الصحراوي.

ختام

تكيف الكائنات الحية مع البيئة المحيطة لهم هو آية إلهية لا يستطيع أحد تفسيرها. لا علماء ولا مفسرين. ولكن نستطيع أن نكمل عليها للأمام كبشر حتى نصل إلى مرحلة جيدة من الحفاظ على البيئة المحيطة بنا.

الكاتب: أيمن سليمان

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

16 − 6 =