تعقيم مياه الشرب : الطرق المختلفة ومدى فعاليتها

تعقيم مياه الشرب هي ممارسة أصبحت ضرورية في الوقت الحالي من أجل الحصول على مياه نظيفة، نظرًا للحقيقة التي تقول إن أغلب مياه الشرب على كوكبنا أصبحت ملوثة.

تعقيم مياه الشرب أصبح حاجة لا رفاهية في الوقت الحالي، نظرًا ﻷن مياه الشرب على كوكبنا لم تعد نظيفة. وجعلنا من الماء كل شيءٍ حي ليست مجرد آية أو تعبيرٌ مبالغٌ فيه وإنما هي حقيقةٌ نلمسها في واقعنا اليومي وإذا تمعنا في أشكال الحياة من حولنا نستطيع أن نرى أن الكائنات الحية تختلف في طعامها ومصادر تغذيتها وأشكالها وعاداتها وحياتها بأكملها، إلا أن الجميع يتفق على عدم القدرة على الحياة بدون ماءٍ مهما طالت بهم مدة الاحتمال يبقى انهيار الجسد بنقص الماء حتميًا في غضون أيامٍ وأحيانًا ساعات إن لم يتوفر، انظر لنفسك في أيام الصيام قد لا يصيبك التعب ولا تشعر بالجوع ولكنك تشعر بالعطش الشديد والإعياء لمجرد احتياج جسدك للسوائل، وهو أمرٌ طبيعي فجسمك يتكون من 70% من السوائل فقط! أما البقية فهي باقي المكونات، حين يبحث العلماء والمستكشفون عن كوكبٍ آخر يصلح للحياة فبعد الهواء يكون البحث عن الماء، فلا حياة في كوكبٍ ليس عليه مصدرٌ واحدٌ من المياه الصالحة للشرب فمن أين ستأتي الحياة!

لكن هناك بعض الحقائق الأولية نحن بحاجةٍ إلى معرفتها فالمياه ليست بالبساطة التي نعتقدها ما يعني أنك لا تفتح الصنبور لتنهمر منه المياه النقية التي عملت على تنقية نفسها بنفسها أو أن صنبورك متصلٌ بخزان والخزان متصلٌ بالنهر مباشرةً أو بالبحيرات أو الآبار أو أيًا كان مصدر مياه بلدك، فالماء مهما كان مصدره يمر بعدة خطواتٍ هامة لا غنى عنها والماء أيضًا مهما حسبته نقيًا لمجرد أن لونه صافٍ و لا رائحة له قد تكتشف أن شربه قادرٌ على أن يودي بحياتك في الحال، أنت بحاجةٍ لمعرفةٍ عامة بخط سير المياه من منبعها ومصدرها وحتى تصل لكأسك، والأهم أنك بحاجةٍ لمعرفة كيفية التصرف عندما تجد نفسك عاجزًا عن الوصول لمصدر مياهٍ نقية للشرب وتحتاج لتنقية المياه بنفسك.

أساليب تعقيم مياه الشرب المختلفة

تلوث الماء

تأتي المياه من عدة مصادر طبيعية إما عذبة كمياه الأمطار والأنهار والعيون والآبار والبحيرات العذبة وإما مالحة من البحار والمحيطات، لكنها حتى لو كانت عذبة وخاصةً في عصرنا الحديث الذي صارت الملوثات فيه متطايرةً في الهواء حتى أنك بعد تعقيم مياه الشرب وتطهيرها تخاف أن تتلوث المياه في طريقها من الصنبور إلى فمك قبل أن تشربها! تحتوي المياه على عدة أنواعٍ من الملوثات بعضها تلوث بالشوائب والمواد الأخرى كالحجارة وأوراق الشجر والرمال والأتربة وحتى الكائنات الحية الصغيرة التي عاشت أو ماتت في المياه، وبعضه تلوثٌ كيميائي تتغير معه خواص المياه الفيزيائية ما بين رائحة ولون وطعم وشكل لذوبان الأملاح أو المركبات أو المواد الكيميائية الضارة والسامة في كثيرٍ من الأحيان فيها، وغالبًا ما تأتي تلك المواد من الإنسان نفسه الذي يلوث المياه بإلقائه لفضلاته ومخلفاته ومخلفات المصانع فيها، ويأتي النوع الأخير من التلوث أشد بأسًا وضررًا خاصةً أن بعضه لا يكون ظاهرًا وهو التلوث العضوي، فمن الطبيعي أنك تأنف من شرب مياهٍ معكرة وترى فيها الشوائب أو مياه ذات رائحة نفاذة أو كريهة، لكنك في بعض الأحيان تكون عاجزًا عن اكتشاف أن كوب الماء الصافي أمامك بلا طعمٍ وبلا رائحة يحمل كمياتٍ كبيرة من الميكروبات والجراثيم والكائنات الميكروبيولوجية القادرة على أن تسبب لك عددًا لا حصر له من الأمراض والمصائب.

مصدر جديدٌ للمياه

بعض الدول المتقدمة وصلت بعلومها وتكنولوجيتها إلى القدرة على إخضاع مصدرٍ كبيرٍ من مصادر المياه على الأقل بشكلٍ رسمي لأن الحقيقة أن ذلك يحدث في العالم كله كقانونٍ فيزيائيٍ طبيعي أن المادة لا تفنى ولا تستحدث من العدم! لكن البعض وصل بالتقدم والحضارة والعلم لدرجة الاعتراف بأنهم صاروا قادرين تمام القدرة على تحويل مياه الصرف الصحي لمياه صالحة للشرب بنسبة 100% وبذلك تمكنت تلك الدول من توفير مصدر واضح وصريح ونقي من المياه لسكانها عبر القيام بعدة عملياتٍ معقدة ومتطورة تضمن لهم الأمان التام والحفاظ على مياههم في عملية إعادة تدوير لا تتسبب في أي أذى للإنسان ولا للبيئة، قد يستنكر البعض ذلك ويستعجب كيف بدولٍ متقدمة أن تقوم بشيءٍ كهذا لكن الحقيقة أن العالم كله يخضع لهذه العملية لكننا في وضعٍ أسوأ منهم بكثير، فالمياه التي نشربها ونستهلكها في بيوتنا لأي غرضٍ مهما كان مصيرها الصرف الصحي ، والصرف الصحي مهما مر بخطواتٍ أو عمليات مصيره العودة إلى مصادر المياه الأساسية من بحار وأنهار ومحيطات، ثم تدور الدائرة ونستخدم تلك المياه للشرب مرةً أخرى دون وضع اعتبارٍ لكثير من الأشياء كأن مجرد اختلاط مياه الصرف الصحي بمصدر مياهٍ طبيعي قادرٌ على تنقية المياه تمامًا من كل ما علق بها بكوارث لا تريد أن تتخيلها، ومن الجدير بالذكر أن تلك الدائرة اللعينة المغلقة سببٌ من أسباب انتشار الأمراض بشكلٍ مستمر في بلادنا لانتشارها في المياه ودخولها الجسم مع الشرب وخروج الميكروبات مع الصرف الصحي لتدخل جسمًا آخر عندما تدور الدائرة.

مراحل تعقيم مياه الشرب

عمليات تطهير و تعقيم مياه الشرب بشكلٍ عام تنقسم إلى عمليات تعقيم كيميائية وعمليات تعقيم فيزيائية، ومعنى ذلك أن بعض المراحل تستخدم فيها مواد كيماوية كالكلور أو الأوزون وبعض المراحل الأخرى تنطوي على عمليات فيزيائية كالغليان أو التطهير باستخدام الأشعة وغيرها من العمليات، في البداية يتم جلب المياه من مصدرها ثم تتُرك لفترة في خزاناتٍ مخصصة والغرض من ذلك إتاحة الوقت للمياه بالانفصال عن مكوناتها حيث تهدأ المياه فتبدأ المواد الصلبة بالنزول إلى الأسفل وتركن في القاع بينما تتصاعد الزيوت والمواد الأخف من الماء كثافةً وتطفو في النهاية على السطح وتبقى الطبقة الوسطى مخصصةً للماء فحسب، يتم سحب طبقة المياه وترك الزيوت والمواد الطافية والمواد الراسبة في الأسفل، لكن ذلك لا يعني أن المياه صارت خالية من الشوائب فكثيرٌ من تلك الشوائب تكون معلقةً في المياه لم تطفُ ولم ترسب.

تأتي المرحلة الثانية حين يتم تصفية المياه وفلترتها وبالطبع لا يتم فلترتها عن طريق مصافٍ عملاقة كالتي نستخدمها للمعكرونة مثلًا في المطبخ! يصنع جهاز فلترة المياه بشكلٍ أساي من الرمال والصخور! قد يثير ذلك عجب البعض لكن الحقيقة هي قدرة الرمال والصخور على ترشيح المياه وتنقيتها وفصلها عن أي شوائب تكون عالقة بها لتخرج المياه من الناحية الأخرى شفافة نقية خالية من أي عكارة أو شوائب.

مرحلة التطهير

في بعض الأحيان قد تكون المياه غير متعادلة ما يعني أنها حامضة أو قلوية بسبب بعض المواد والمركبات الموجودة فيها، عندها تكون بحاجةٍ إلى معادلة تلك المواد بأضدادها في عالم الكيمياء وترسيبها والتخلص منها للحصول على المياه المتعادلة التي نستطيع شربها، بعد التخلص من مصدري المياه الشوائب والمواد الكيماوية يتبقى التخلص من مصدر التلوث العضوي من ميكروبات وبكتيريا وجراثيم، وهي المستهدفة بوسائل التعقيم الكيميائية والفيزيائية، وحيث أن الليان واحدٌ من أصعب الحلول والوسائل والتي تهدر طاقةً كبيرة وتعلو تكلفتها ونتيجتها ليست مرضيةً كفاية لقدرة الكثير من البكتيريا على مقاومة الحرارة والدخول في حالة كمون عند شعورها بارتفاع درجة الحرارة ثم تعود لنشاطها ثانيةً ما إن تبرد المياه، لذلك يشيع بشدة استخدام الكلور ومركباته في تعقيم مياه الشرب ، قد يصيب بعض الناس الهلع من تلك الفكرة لكن استخدام الكلور يخضع لمعايير عالمية صارمة وطرق محددة لضمان صحة المواطنين وعدم تعريضهم للتسمم بالكلور، يتم استخدام الكلور بإحدى الطريقتين أولاهما أن تخضع المياه لكمية كبيرة من الكلور تضمن قتل كل الجراثيم فيها وبعد ذلك يتم تنقيتها من الكلور بشكلٍ تام، بينما الطريقة الأخرى هي وضع نسب ضئيلة غير ضارة من الكلور في الماء وتركها للتخبر ولا يتم زالتها، وهي أفضل لأنها تحافظ على الماء لمدةٍ أطول خاصةً خلال تخزينه في الخزانات ونقله عبر الأنابيب حتى الوصول إلى المستهلك.

الأوزون والإشعاع

يتم أحيانًا استخدام الأوزون كبديلٍ للكلور في عمليات تعقيم مياه الشرب أو بمعنى أدق كمساعدٍ له وفائدة ذلك تقليل مستويات ونسب الكلور لأقل درجة ممكنة للتقليل من آثاره الضارة، وحيث أن الأوزون غير قادرٍ على الحفاظ على المياه لمدةٍ طويلة أو حتى قصيرة بعد عملية تعقيم مياه الشرب فيصعب التخلي عن الكلور لأنه بهذه الطريقة ما إن تنتهي عملية التعقيم سيتلوث الماء ثانيةً، وسيفسد ويعطب أثناء تخزينه في الخزانات، تعمل عملية التعقيم بالأشعة فوق البنفسجية بنفس الكيفية حيث أنها تؤثر على الجراثيم وتدمرها وتمنعها من التكاثر وهي طريقةٌ سهلة وفعالة ولا تترك مخلفاتٍ في المياه تضر بصحة الناس لكنها تعاني من نفس العيب حيث تحتاج إلى الكلور كمساعدٍ لها على الحفاظ على المياه من التلوث بعد انتهاء عملية تعقيم مياه الشرب .

تعقيم مياه الشرب في المنزل

لنفرض أنك الآن بعيدٌ عن كل مصادر المياه النقية والمُعالجة ولا تستطيع الحصول إلا على مياهٍ من مصدرٍ رئيسي فهل تموت عطشًا؟ بالطبع لا خاصةً بعد أن علمت بآلية تعقيم مياه الشرب وقدرتك على تنفيذ تلك الخطوات في بيتك على كمياتٍ صغيرة لا تُقارن بالكميات التي يتم تعقيمها في المصانع، ستبدأ ببساطة بنفس الآلية من فصل المياه عن رواسبها وأخذها ثم ترشيحها عن طريق وعاء أو زجاجة مفتوحة الطرفين تضع فيها طبقاتٍ من القماش والرمال والأحجار ثم تصب الماء من جهة ليخرج نقيًا من الجهة الأخرى، تستطيع بعد ذلك أن تغلي الماء رغم أنها ليست بضمان الكلور لكن البعض قد يهاب استخدامه، فإن استخدمته فلا تزد عن ثلاث قطراتٍ بسيطة للتر الواحد من المياه، في حالاتٍ أخرى يمكنك أن تقوم باختراعٍ بسيط أثناء غلي الماء تتركه حتى يتبخر تمامًا وتجمع البخار وتترك المياه تتكثف فيصبح لديك ماءٌ مقطر قادرٌ على أن تشربه بأمانٍ وسلام.

اختراعٌ حديث

تعاني بعض الدول مشاكل كبيرة في تنقية المياه خاصةً الدول الفقيرة منها التي لا تملك تكلفة تلك العملية الباهظة حتى بأبسط طريقها ووسائلها بالنسبة لدولةٍ قد لا يجد سكانها ما يأكلونه حتى! فتم اختراع أداةٍ صغيرة تشبه القشة التي نستخدمها لشرب العصير لكنها أكثر سمكًا وتعقيدًا من الداخل لكنها تتيح لك شرب المياه مباشرةً من مصدرٍ ملوث أو غير معقم فتصل إلى فمك نقية ومفلترة وخالية من الشوائب بنسبة كبيرة، تمت المصادقة على هذا الاختراع وأقرته منظمة الصحة العالمية وحرصت الدول الكبرى على توفيره للدول المحتاجة والتي تعاني من ارتفاع أعداد المرضى والموتى بسبب المياه الملوثة، ولم يكن هؤلاء وحدهم هم مستخدمو ذلك الاختراع الصغير بل استخدمه الرحالة والمغامرون والمستكشفون في رحلاتهم ومغامراتهم لضمان إيجاد المياه متى احتاجوها أو نفدت منهم المياه فيكون باستطاعتهم الحصول على مياهٍ للشرب ما إن يجدوا مصدر ماءٍ جار، حقًا العلم يصنع المعجزات!

تعليق 1
  1. خزانات المياه يقول

    شكرا لكم
    بالتوفيق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

سبعة عشر − ثمانية =