تسعة شخصيات
الرئيسية » شخصيات إنسانية » هيو جلاس .. متحدي الطبيعة العائد من الموت

هيو جلاس .. متحدي الطبيعة العائد من الموت

سيرة حياة هيو جلاس : في العديد من الثقافات الشعبية يعد رمزا للبطولة والمثابرة والتحدي. فكيف كانت مسيرته وما الذي فعله فاستحق عنه التخليد وبلوغ تلك المكانة؟

هيو جلاس

هيو جلاس هو صياد فراء أمريكي عاش خلال الفترة ما بين عامي 1783م : 1833م تقريباً، وقد تصدر اسمه في الفترة الأخيرة محركات البحث على الإنترنت بعدما تم تجسيد قصته بأحد أنجح أفلام هوليود وهو فيلم The revenant من إخراج أليخاندرو جونزالس إيناريتو وبطولة ليوناردو دي كابريو وتوم هاردي، وقد رشح الفيلم لحوالي 12 جائزة أوسكار حصد ثلاث منها بالفعل في فئات أفضل إخراج وأفضل ممثل بدور رئيسي وأفضل تصوير سينمائي، وحقق الفيلم نجاحاً كبيراً ولكن ظل سؤال واحد يراود أذهان كل من شاهده.. هل قصة الفيلم حقيقية؟ وهل هيو جلاس الذي جسده ليوناردو ضمن أحداثه عاش يوماً على الأرض؟

هيو جلاس .. من هذا؟

هيو جلاس هو صاحب القصة الحقيقية التي يصعب تصديقها، هو الرجل الذي تجاوز مشاعر الألم وتحدى الطبيعة وخاض المخاطر ليسترد حقه ويحقق العدالة. فترى كيف كانت مسيرته؟ ولماذا يذكر في الروايات الشعبية باعتباره رمزاً للمثابرة والتحدي والنجاح؟

الميلاد والنشأة :

ولد هيو جلاس في عام 1783م تقريباً وكان ذلك في ولاية بنسلفانيا الأمريكية، أما أصوله فتعود لمنطقة ألستر المعروفة حالياً بأيرلندا الشمالية، في وقت لاحق انتقلت عائلة جلاس إلى الحدود الأمريكية وهناك نشأ جلاس ومن المرجح إنه تلقى تعليمه بها، وحين شب عمل في مجال الصيد مثله كمثل أغلب سكان هذه المناطق، حيث كانوا يخرجون في رحلات بعيدة بهدف اصطياد الحيوانات والحصول على الفراء وبيعه.

التعليم :

عاش هيو جلاس في زمن تفشى به داء الجهل خاصة في المنطقة الحدودية التي نشأ وترعرع بها، لهذا ذهب غالبية المؤرخون إلى أن جلاس كان أمياً كأغلب ابناء عشيرته، خاصة إن المهن التي مارسها طيلة حياته كانت تعتمد على القوة العضلية، ولم يشارك في أي مهمة تتطلب الإلمام بمهارات القراءة والكتابة.. لكن في وقت لاحق تم العثور على ما يبرهن على إنه قد حظي بقدر -ولو بسيط- من التعليم، حيث تم العثور على رسالة كانت قد كتبها جلاس بخط يده إلى والدي صديقه جون جاردنر الذي تم قتله خلال مواجهاتهم مع قبيلة أريكارا في عام 1823م تقريباً.

مسيرته المهنية :

كان هيو جلاس شاباً مغامراً وصياداً ماهراً إذ أنه كان يجيد القنص ولا يهاب المخاطر التي يتعرض لها الصياد خلال رحلاته في أعماق الأدغال، هذا أكسبه سمعة جيدة في وسط تجار الفراء وحاول كل منهم إغرائه للعمل لصالحه، وفي عام 1822م أنضم إلى شركة روكي ماونتن فار التي قام بتأسيسها الجنرال ويليم هنري آشلي بمشاركة الضابط أندرو هنري، ومنذ ذلك الحين صار جلاس أحد أفراد الطاقم الرئيسي الخاص بالشركة.

صراع الدب :

في عام 1823م خرج هيو جلاس في رحلة لصيد الفاء بمنطقة نهر ميسوري، وبتلك المنطقة عثر جلاس على دبة أنثى وصغيريها، وقبل أن يفكر حتى في اصطيادهم قامت الدبة الأم بمهاجمته وألحقت به أضرار بالغة، فقد مزقت فروة رأسه وكسرت ساقه وثقبت حلق فمه، بجانب ما خلفته على جسده من جروح غائرة، لكن في النهاية تمكن جلاس من إطلاق الرصاص على الدبة، كما أن صراخه بلغ مسامع رفاقه فأسرعوا إليه وقضوا عليها.

تعرض هيو جلاس في الأيام القليلة التالية لحادث الدب للخيانة، فقد كان رفاقه موقنون من إنه سيموت لا محالة، فالإصابات التي تعرض لها لم يكن من الممكن أن ينجو منها بشر، فتركوه خلفهم بعدما قاموا بسرقة متعلقاته وما بحوزته من أموال وكان يرأس تلك العصبة رجل يدعى جون فيتزجيرالد، أشارت بعض المصادر إلى إنه قام بقتل ابن جلاس حين حاول اعتراض طريقه.

العودة :

ترك هيو جلاس في الخلاء ينازع الموت بلا زاد أو سلاح، لكنه تحامل على آلامه وجراحه وقام أولاً بدفن ابنه، ثم قرر العودة والانتقام ممن خانوه وتركوه ليموت وحيداً، تعافى جلاس من جراحه ثم قطع مسافة طويلة سيراً على الأقدام متتبعاً فيتزجيرالد وعصبته. استغرقت رحلة هيو جلاس عدة شهور واجه خلالها العديد من المخاطر والمصاعب، لكنه تمكن من المقاومة وعاد بالفعل إلى منطقه وثأر ممن خانوه.

حياته الشخصية :

حياة هيو جلاس الشخصية هي الأخرى محاطة بالكثير من الغموض ولا نعرف عنها الكثير من التفاصيل، وذلك أيضاً يرجع لعدم اهتمام أي مؤرخ به قبل حادثة الدب الشهيرة والتي وقعت في عام 1823م، لذلك فإن أغلب ما بلغنا عن حياة جلاس قبل هذا التاريخ غير دقيق كونه يعتمد بشكل أساسي على التحليلات والتخمينات، الأمر المؤكد إن هيو جلاس كان له ابناً والذي لقي حتفه بذات الرحلة التي تعرض جلاس خلالها لهجوم الدب.

لم يجد المؤرخون ما يدل على إن هيو جلاس كان متزوجاً أم إن ابنه جاء نتاج علاقة عاطفية لم تكلل بالزواج، لكن بالرجوع إلى تقاليد العشيرة التي تربي جلاس في كنفها، فقد تم افتراض إنه كان متزوجاً كما غلب الظن على إن تلك الزوجة كانت تنتمي إلى قبائل السكان الأصليين أو ما يعرفوا تاريخياً باسم الهنود الحمر، فقد أكدت العديد من المصادر إن هيو جلاس قد وقع أسيراً لدى هنود باوني وعاش في جماعتهم لسنوات، وباحتساب سن ابنه توصل المؤرخون إلى إنه قد وُلِد خلال فترة أسره مما يشير إلى إنه قد وقع في غرام إحدى فتيات باوني وتزوج منها وانجب منها ابنه الوحيد، كما إن تلك الرواية تفسير منطقي لإقامته مع قبائل باوني لفترة طويلة دون أن يحاولوا قتله أو يحاول هو الفرار منهم. كذلك من المرجح أن تكون تلك الزوجة قد توفيت قبل العام الذي وقعت به حادثة الدب، إذ أن لم يرد لها أي ذكر بالمصادر التي تناولت سيرة جلاس ابتداءً من 1823م وحتى وفاته.

أثره بالثقافات الشعبية :

يعتبر هيو جلاس أحد أشهر الشخصيات بروزاً في الملاحم الشعبية، لا عجب في ذلك وهو الرجل الذي استطاع النجاة من هجوم الدب وتحامل على جراحه وتمكن من العودة إلى بلدته الأصلية والانتقام ممن خانوه وقتلوا ابنه. تلك الحادثة كانت سبباً في تحول جلاس إلى رمز للشجاع والصبر بجانب إن بعض الثقافات الشعبية تعتبره رمزاً للحق والعدل.

أساطير وقصص مختلقة :

صار من الصعب التعرف بدقة على قصة هيو جلاس الحقيقية، فبعد نجاته من هجوم الدب تحول إلى أسطورة وبطل شعبي توارثت الأجيال قصته وكالعادة أدخلت إليها الكثير من التعديلات والإضافات. فقد قال البعض بإن حادثة الدب لم تكن المرة الوحيدة التي ينجو فيها هيو جلاس من الموت الحتمي، وقالوا بإنه قد سبق أن وقع في أسر القرصان الفرنسي جان لافيت لكنه تمكن من الفرار بعدما اشتبك مع رجاله، ثم قفز بالماء وقام بالسباحة لعشرات الأميال إلى أن بلغ الشاطىء، بجانب العديد من القصص الأخرى التي تصور جلاس كبطل خارق أغلبها يصعب تصديقه ولا يوجد دليل واحد عليها.

هيو جلاس في الأعمال الفنية :

  • ألهمت رحلة هيو جلاس عدد كبير من الفنانيين فاستوحوا منها بعض أعمالهم، ومن أمثلة الأعمال الفنية والأدبية التي تناولت جلاس ما يلي:
  • ديوان أغنية هيو جلاس الصادر في 1915م وهو عبارة عن مجموعة قصائد ملحمية تصور رحلة جلاس ومعاناته
  • رواية Lord Grizzly الصادرة في 1954م للكاتب فريدريك مانفريد والتي ترصد السيرة الذاتية لجلاس
  • فيلم رجل البرية Man in the Wilderness عام 1971م الذي يصور رحلة جلاس ولعب دور البطولة به الممثل ريتشارد هاريس
  • رواية العائد Revenant الصادرة في عام 2002م للكاتب مايكل بونكى والتي تحولت لفيلم بنفس الاسم في 2015م من بطولة ليوناردو دي كابريو.

محمود حسين

محمود حسين، مدون وقاص مصري، خريج كلية الآداب جامعة الإسكندرية، الكتابة بالنسبة لي ليست مهنة، وأري أن وصفها المهنة امتهان لحقها وقدرها، فالكتابة هي المتعة، وهي السبيل لجعل هذا العالم مكان أفضل

أضف تعليق

8 + 4 =