تسعة مجهول
محمود أمين سليمان
الرئيسية » جريمة » محمود أمين سليمان : سفاح عربي مثقف من طراز خاص

محمود أمين سليمان : سفاح عربي مثقف من طراز خاص

محمود أمين سليمان سفاح شهير ظهر في القرن العشرين وأحد فوضى كبيرة في القاهرة بسبب جرائم السرقة والقتل الذي ارتكبها بالرغم من كونه شخص مثقف.

تُعتبر قصة السفاح العربي المصري محمود أمين سليمان أكبر دليل على أن الإنسان قادر على التلون بأكثر من وجه أمام الآخرين، وأنه ثمة أشخاص من الصعب جدًا إزالة القناع عنهم وكشف السواد الذي يتربع في قلوبهم، فهذا الرجل الذي نتحدث عنه في هذه الكلمات كان أمام الناس مثقف كبير له شأنه بين الوسط الثقافي ويحترمه الجميع، بالإضافة إلى أنه أيضًا كان مالكًا لدار نشر كبيرة، أي أنه لم يكتفي بكونه مثقف بل كان كذلك ينشر الثقافة، هذا ببساطة هو الوجه الذي يعرفه الناس، أما الوجه الحقيقي لنفس الشخص فكان يكشف عن قاتل وسارق تسبب في حالة من الذعر الشديد للقاهرة وسكانها خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، عمومًا يكفي ما مضى من تقديم ودعونا في السطور القادمة نتعرف سويًا على الوجه الحقيقي لهذا الرجل وكيف أصبح في فترة وجيزة المسبب الأول للرعب في القاهرة.

من هو محمود أمين سليمان ؟

أولى مفردات أي قصة مهما كانت أن يتم التعرف على بطلها، ذلك الشخص الذي صنع المجد أو خلف السمعة السيئة، والحقيقة أن بطلنا في هذه القصة فعل الأمرين معًا، عمومًا تبدأ قصته قبل مولده بفترة طويلة، حيث سافر والده أمين سليمان عام 1920 من القاهرة إلى لبنان من أجل مقاومة ظروف المعيشة، وهناك تزوج وأنجب ثمانية أولاد، ثلاث ذكور وخمس إناث، وقد كان ترتيب بطلنا محمود هو الثالث بين إخوته.

في لبنان تدرج أمين سليمان من موظف بسيط إلى صاحب شركة صغيرة، تلك الشركة بالتأكيد أعطت لعائلته مستقبل مرموق ومكانة اجتماعية جيدة جعلت دخول الأطفال للمدارس الراقية أمر بسيط جدًا، كان كل شيء كما يقولون يسير بخير، لا طفولة صعبة أو ضائقة مالية، كانت حياة جميلة جدًا ويتمناها أي طفل في العالم، لكن محمود، ذلك المثقف السفاح، كان قد قرر أن يبدأ طريقه في عالم الإجرام منذ سن السابعة بلا أي مقدمات!

بداية اللص السفاح

تخيلوا أن طفل يمكن اعتباره من الأثرياء، ووالده لا يجعله في حاجة إلى أي شيء، وفي نفس الوقت يتعلم بواحدة من أفضل المدارس في لبنان، إلا أنه يُقرر فجأة أن يسرق! ومتى؟ في سن السابعة، وبالرغم من أن أول سرقة كانت فقط أربع ثمرات من الخيار إلا أن الأمر قد تطور تمامًا في السرقة الثانية، فقد تمكن من سرقة أربعة أسلحة من معسكر الجيش البريطاني الذي كان محتلًا للبنان في هذا الوقت، والغريب أنه في المرتين كان لا يتم الكشف عن سرقته، لكن والدته كانت تعرف وتكتفي بمعاقبته عقابًا بسيطًا، ولم تكن تعرف أنها بهذه الطريقة تُزيد من تفاقم الوضع.

في سن التاسعة تفاقم الوضع، فلم يعد مجرد طفل سارق عادي، بل إنه قد انضم إلى أحد العصابات وقام معها بسرقة البيوت والمنشآت التابعة للأثرياء، كان حتى لا يُمانع أن طُلب منه سرقة أبيه، وقد كان مفيدًا جدًا للعصابات بسبب خفته وقدرته على التسلق، وفي يوم من الأيام، وعندما كان محمود لا يزال شابًا يافعًا، قام بالتعاون مع أحد العصابات بالتخطيط لأكبر سرقة ممكنة، وهي سرقة الرئيس اللبناني في هذا الوقت، كميل شمعون.

السرقة الأعظم لطفل

عندما كان محمود أمين سليمان يتملص من مرحلة الطفولة قاده حظه إلى المشاركة في واحدة من أعظم السرقات في التاريخ، وهي سرقة الرئيس اللبناني كميل شمعون، وخلال هذه العملية صار كل شيء بصورة طبيعية إلى أن أستخدم أحد معاوني محمود السلاح لقتل واحد من الحراس، وهنا حدث الإنذار وتم القبض على كل اللصوص وتوجيه أحكام شديدة لهم تصل إلى السجن المؤبد، وعندما أدرك أمين سليمان أنه لم يعد بيديه أي شيء يُمكن أن يُقدمه لولده فقام بتصفية كافة الحسابات الخاصة به في بنوك لبنان وعاد مع من تبقى من أولاده إلى مصر، حيث مسقط رأسه وبعيدًا عن لبنان التي ذاق بها الفضيحة بسبب ما ارتكبه ابنه، لكن ما هي إلا شهور قليلة حتى تمكن محمود سليمان من الهرب من السجن والعودة إلى مصر ملتحقًا بعائلته وفاتحًا صفحة جديدة في تاريخه الإجرامي، صفحة أعنف وأكثر شراسة بالتأكيد.

مرحلة بناء الستارة

عاد محمود أمين سليمان إلى مصر وهو يضع في حسبانه أنه سوف يوسع أكثر من نشاطه الإجرامي، خاصةً وأنه لم يكن أحد يعرفه أو يسمع بما فعله في لبنان لضعف قوة الإعلام وانتشار الأخبار في هذه الفترة، لكنه بالتأكيد لم يكن يُفضل الظهور بصورة عادية كيلا يكون شخص عادي مثل الجميع، بل أراد أن يكون مميزًا، ولذلك استغل موت والده وباع بعض أملاكه واشترى به الكثير من الكتب، ثم أسس دار نشر ومطبعة، كان يُريد بناء ستارة كما ذكرنا، وكان قد قرر أن تكون تلك الستارة هي الثقافة.

بالفعل نجحت خطة محمود سليمان، فبعد أشهر قليلة أصبح يُعرف بكونه راعي الثقافة في مصر، وقد مكنته تلك السمعة من الاختلاط بين أوساط المثقفين والمشاهير في الفن، أصبح يحضر الندوات والحفلات بصورة طبيعية، بل إنه كان يُدعى إليها خصيصًا، والحقيقة أن براعته في التحدث ووجه الوسيم بعض الشيء قد ساعداه في تأدية هذه المهمة، والتي كان الهدف منه غير واضح حتى بدأت حوادث السرقة تتفشى في الوسط الفني والثقافي.

حوادث سرقة المشاهير

كون محمود أمين سليمان الستارة التي كان يحتاج إليها، بات الجميع يتقربون منه ويأمنون له على أسرارهم، وكم كان ذلك الرجل بارعًا في استغلال هذه الأمور خاصةً مع ضحيته الأولى، والتي كانت أمير الشعراء الشهير أحمد شوقي، حيث استغل غيابه وقام بسرقة نخلة ذهبية على شكل تمثال كان أمير الشعراء قد حصل عليها كهدية من أحد الأمراء، ثم بعد ذلك ذهب إلى سباهي باشا، ذلك المليونير الشهير في هذا الوقت، وقام كذلك بسرقة أغراض منزله.

سرقات محمود أمين لم تتوقف أبدًا عند هذا الحد، فقد وصلت إلى كوكب الشرق أم كلثوم، حيث قام بسرقة بيتها بالإضافة إلى بيت صاحب مصانع الغزل والنسيج بولفار، وكل الضحايا كما نرى من المشاهير والأثرياء الذين تقرب لهم من خلال عمله كرئيس لدار النشر، لكن انحراف ذلك الرجل لم يتوقف عند سرقة الأموال، بل قام كذلك بسرقة القلوب، وقد كانت علاقته العاطفية سببًا مباشرًا في بداية سقوطه المدوي.

الجانب العاطفي في حياة السفاح

في البداية كان محمود أمين سليمان يبحث عن الحب الحقيقي، لذلك تزوج بالسيدة عواطف، والتي فيما بعد اتضح أنها ليست بِكر، فطلقها، ثم تزوج من فتاة أخرى جميلة شاهدها في الشارع فوقع في حبها، وفي يوم الزفاف علمت الشرطة بمكانه وجاءت للقبض عليه بعد سلسلة جرائم القتل التي ارتكبها، إلا أنه كان قد تمكن من الهرب مع زوجتها الجديدة، وفي الإسكندرية رأى امرأة أجنبية جميلة فظن أنها تمتلك الكثير من الأموال، فقام على الفور بالزواج منها لكنه اكتشف فيما بعد أنها هي من طمعت به وظنته ثري، وأنها في الحقيقة ليست ثرية كما يظن، ولذلك طلبت الطلاق منه فطلقها على الفور، وكانت هذه هي المرحلة التي انتهت فيها قصة محمود أمين الخائن السارق الكاذب، وبدأت بعدها مرحلة جديدة كان بطلها السفاح محمود أمين سليمان.

بداية السفاح محمود أمين سليمان

بعد طلاق محمود أمين سليمان من زوجته الأجنبية تمكن أحد السكان من التعرف عليه ووشى به، وبالفعل جاءت الحكومة وقامت بإلقاء القبض عليه وسجنه ومحاكمته حتى حصل في النهاية على حكم بالسجن لعدد وافر من السنوات، وفي هذه الأثناء كان له صديق محامي يُدعى بدر الدين، وقد أقنعه بأنه لن يتركه وسوف يحاول الحصول على أخف حكم ممكن، وبالطبع صدق محمود وتعلق بهذا الأمل، لكنه لم يكن يعرف أنه كما خدع الكثيرين من قبل فسوف يأتي أحدهم في يوم من الأيام ويرد الصفعة له.

خلال مدة سجن محمود جاءته الأخبار بأن المحامي بدر الدين يخونه مع زوجته، وأنه يفعل كل ما بوسعه لكي يؤخر فترة مكوث محمود في السجن وليس العكس، وبالتأكيد شعر الرجل بالغضب الشديد وقرر الانتقام من بدر الدين وزوجته، لكنه بالتأكيد في البداية كان يحتاج إلى الهرب من السجن، وهذا ما نجح في فعله بالفعل، حيث هرب وتخفى كما فعل تمامًا في لبنان، وقرر حينها أن القتل هو عمله المستقبلي.

قصة السفاح محمود أمين سليمان

بحث محمود أمين عن بدر الدين في كل مكان يعرف أنه سيذهب إليه، لكنه لم يجده، فقرر أن يتخلص من زوجته الخائنة أولًا، وعندما ذهب وأطلق عليها الرصاص أصاب شقيقتها فقتلها ولاذ بالهرب، ثم اكتشف بعد ذلك أنه بحاجة إلى المال فذهب إلى منازل الأثرياء الذين كانوا أصدقائه أثناء فتح دار النشر، وخلال تلك السرقات قام بقتل أفراد كثيرة من الحرس والخدم، وقد زعم أحد الأشخاص أنه يعرف مكان بدر الدين الخائن، لكنه في الحقيقة كان ينصب فخًا لمحمود، فلما أدركه قام بقتله هو ومجموعة من الخدم، وقد أدت حوادث القتل المتلاحقة تلك إلى بث الرعب في القاهرة، وعُرف بعدها أن ثمة قاتل هائج في البلاد يُدعى محمود أمين سليمان.

أخيرًا يسقط السفاح

ظل الهرج والمرج مُسيطران على القاهرة بسبب السفاح محمود أمين سليمان، وما زاد من ذلك أن الحكومة المصرية قد رصدت مكافأة قدرها خمسين ألف جنيه لمن يدل عليه، فأصبح محمود مطاردًا من الشرطة والأهالي كذلك، ولهذا فكر في الفرار إلى أحد قرى الصعيد البعيدة، لكنه في الطريق استقل السيارة الخطأ مما تسبب في تعرف السائق عليه واقتياده خلسة إلى كمين للشرطة كان موجودًا في هذا الوقت من أجل إغلاق الطريق على محمود أمين سليمان، وفي اللحظات الأخيرة أدرك السفاح الكمين الذي يُنصب له فاستفرد بالسيارة وأطلق الرصاص على الكمين هاربًا.

لم يهرب محمود بعيدًا، إذا تمت محاصرته بعدد مهول يتجاوز الخمسة آلاف شخص، أغلبهم من الشرطة والبقية من الأهالي الذي كانوا في حالة تأهب لرؤية السفاح الذي أرعب البلاد، وبالرغم من كون الشرطة قد وفرت له الخروج الآمن إلا أنه رفض الخروج حتى يتم إحضار رأس زوجته الخائنة له، ومع احتدام المفاوضات حصل تبادل إطلاق النار الذي أدى في النهاية إلى مقتله في العاشر من أبريل عام 1960، لتُغلق بذلك صفحة السفاح المُثقف.

محمود الدموكي

كاتب صحفي فني، وكاتب روائي، له روايتان هما "إسراء" و :مذبحة فبراير".

أضف تعليق

واحد × أربعة =