تسعة مجهول
محكمة ماساتشوستس
الرئيسية » غرائب » محكمة ماساتشوستس : محاكمة الأبرياء على جريمة لم تحدث!

محكمة ماساتشوستس : محاكمة الأبرياء على جريمة لم تحدث!

تعتبر محكمة ماساتشوستس القابعة في الولايات المتحدة الأمريكية أغرب محكمة في التاريخ لما وقع بها قبل قرون من مُحاكمة لأشخاص غير مُذنبين في قضايا وهمية.

شهد محكمة ماساتشوستس قبل ثلاثة قرون أحد أشهر الوقائع التي مرت في تاريخ القضاء الأمريكي إذ لم يكن التاريخ الأمريكي بأكمله، فقد جاءت هذه المحكمة لتكون القشة التي كسرت ظهر البعير وأنهت تاريخ طويل من الفساد القضائي في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي كانت في هذا الوقت أشبه ببلد نامية مُتأخرة، ونقول أشبه لأنها لم تكن بلدًا في الأساس، لكن الحديث عن محكمة ماساتشوستس وما حدث في قرية سالم يمنعنا من الخوض في هذا الأمر، وإنما سنتناول سويًا في السطور الآتية أحد أشهر القضايا التاريخية التي عصفت بالعالم قبل قرون، وكان اسمها محكمة ماساتشوستس، أو محكمة القرن كما سُميت.

محكمة ماساتشوستس هل هي أغرب المحاكم على الإطلاق؟

محكمة ماساتشوستس

قبل أن نتناول ما حدث في محكمة ماساتشوستس علينا أولًا التعرّف على المحكمة نفسها، فهي محكمة كبيرة كانت تقع في قرية صغيرة تُسمى سالم، هذه القرية الصغيرة كانت تتبع إحدى المستعمرات الأمريكية الشهيرة في هذا الوقت، مستعمرة ماساتشوستس، وقد اعتادت هذه المحكمة أن تنظر في جميع القضايا المتعلقة بالقرية، وأن تجعل حكمها بالطبع حسب الأهواء والنفوذ والسلطة، فالغني في هذا الوقت لم يكن مثل الفقير أبدًا، والعدل لم يكن سوى كلمة صغيرة تُكتب على باب المحكمة، لكن، بالرغم من كل هذا الظلم، كان ما حدث في محكمة ماساتشوستس فبراير 1693 فوق كل التوقعات.

بداية القصة

بدأت قصة محكمة ماساتشوستس في يناير 1693، حيث كانت هناك فتاتان يعيشان في بيت من بيوت الطبقة شبه الحاكمة، الفتاة الأولى تسعة أعوام والثانية إحدى عشر عام، وعندما كان والدهما القس يجلس جوارهما قاما فجأة وأصدرا أصوات غريبة وفعلتا حركات أغرب، حيث بدأت التشنجات والهستيريا الشديدة في الظهور عليهما دون وجود سبب مُقنع، بل إنهما قد تجاوزا ذلك وبدأتا في تهشيم أثاث البيت دون تعقّل أو تفكير، وللأسف، نجحت خطتهما في الوصول إلى كل من شاهدهما، حيث أدرك الجميع أنهما يُصدران هذه الأفعال الغريبة نتيجة لإصاباتهما بمس من الشيطان أو ما شابه.

الادعاء الكاذب

أحداث محكمة ماساتشوستس بدأت بالإعداء الكاذب من قِبل الفتاتين بأنهما قد تعرضا لنوع من أنواع المس أو التلبس الشيطاني المذموم، وأن شخص ما من السحرة قد أوقع بهما حتى يكونا ما عليه الآن، وبالرغم من أن الأب لم يقتنع في البداية واستدعى الطبيب إلا أن الطبيب الذي جاء لم ينفي ما قاله الفتاتان بل أكد عليه، حيث قال بعدم وجود أمراض طبية جسدية وأن الأمر كله يتعلق بوخز شيطاني يُمكن أن يكون نابعًا من السحر أو ما شابه، لكن الأمر برمته في الحقيقة كان مُجرد قصة من ابتكار الفتاتين، فلا وجود لمس شيطاني بل ثمة مكر طفولي بحت.

الأسباب الحقيقية

الأسباب الحقيقة لما حدث، والتي لو عُرفت ما كانت محكمة ماساتشوستس انعقدت من الأساس، أن الفتاتين كانا يقومان بتمثيلية على والدهما كي يفلتان من العقاب المحتوم، حيث كان قد شاهدهما قبل الحادثة بليلة واحدة وهما يلعبان مع أبناء الطبقة السُفلى، وهو أمر يستحق العقاب الشديد من وجهة نظره، إلا أن الفتاتين بمكرٍ ودهاء تمكنا من جعل هذا العقاب يطل أشخاص آخرين ليس لهم أي ذنب فيما حدث، حيث قامت محكمة ماساتشوستس ووقعت أكبر مهزلة قضائية في التاريخ، وذلك كله من أجل مكرٍ طفولي سافر.

ضحايا أبرياء

ولأن الأمور تتعلق ببنات الطبقة العليا، تفاقم الوضع حتى وصل للقضاء، وبدأت محكمة ماساتشوستس باستدعاء ضحايا أبرياء ليس لهم أي يد في القضية، حتى قيل أن الدوريات الأمنية كانت تخرج في الطريق وتأخذ كل من يقابلهم من العامة، كما أن المتسولين أيضًا لم يسلموا من قبضة القضاء، حيث تم استدعائهم أيضًا بدعوى أنهم غير موثوق فيهم من الأساس، عدا ذلك، تم القبض على كل من له علاقة بالسحر والشعوذة من قريب أو بعيد، حتى أولئك الذين ذهبوا إلى أحد السحرة من أجل العلاج أو الأعمال تم القبض عليهم، ليتفاجأ الجميع بأنه قد تم القبض على أكثر من ربع سكان قرية سالم وأكثر من نصف العامة، لتبدأ بعد ذلك عملية الفلترة والتنقيح.

بداية المسرحية

بدأت مسرحية محكمة ماساتشوستس بتصفية المقبوض عليهم عقب تحقيقات أقل ما يُقال عليها أنه مُضحكة، ليصل إجمالي عدد المُتهمين إلى مئة وخمسين مُتهمًا، جميعهم لا يعرفون أسباب القبض عليهم من الأساس وأغلبهم تم إجبارهم على التوقيع في وثيقة الاتهام والقبول بالتهم المنسوب إليه، والحقيقة أن القضاة التي كان يتم تعينهم من قِبل محكمة سالم كانوا بعد الاطلاع على ملابسات القضية المُضحكة يبدون رفضهم وغضبهم ويبتعدون كل البعد عن القضية، حتى أن ذلك قد فتح بابًا للاعتراضات والشعور بأن أمر ما مُريب يحدث في الخفاء، لكن ذلك لم يستمر طويلًا، إذ ظهر من القضاء صنف ظالم قبل بالمحاكمة وبدأ في إصدار الأحكام كذلك.

أحكام جائرة

بدأت محكمة ماساتشوستس تنفيذ أحكامها في الثاني والعشرين من سبتمبر، حيث تم إعدام أكثر من عشرة أشخاص في يوم واحد دون وجود سند أو اتهامات مقبولة من الأساس، مما اضطر أهالي قرية سالم إلى الخروج والاعتراض على الحكم والتنديد به، لكن هذا لم يمنع من إعدام أربعة أشخاص آخرين صبيحة اليوم التالي، تبعهم عدة أحكام بالإعدام والسجن المؤبد أيضًا، لكن، ما تصاعد الأحداث، وارتفاع وتيرة الإعدامات المجنونة، ثار شعب سالم ثورة عارمة ضد محكمة ماساتشوستس نفسها وليس فقط مجرد الاعتراض على أحكام الإعدام، وبدأت الأمور تتغير وتأخذ مُنعطفًا جديدًا.

انهيار محكمة ماساتشوستس

مع تصاعد الأحداث لم تستطع محكمة ماساتشوستس الصمود أمام وتيرة الاحتجاجات، فتم إلغاء أحكام الإعدام المُزمع تنفيذها وتبرأة كل من تبقوا على زمه القضية، أما التصعيد الأكبر فقد جاء بحل محكمة ماساتشوستس وإبعادها عن القضاء نهائيًا، حيث لم تكن تلك القضية الأولى من نوعها التي يحدث فيها هذا الظلم البين، وإن كانت الأشد ظلمًا بين كل المرات، لكن الشيء الملفت في حادثة محكمة ماساتشوستس، وما كان مدعاة لتخليدها بالطبع، هو أن العالم، والشعب الأمريكي خاصةً، لم يستطع نسيان ما حدث في هذه الحقبة، وفعل كل ما بوسعه لتخليد ضحاياها.

نصب تذكاري للضحايا

عن طريق الخرائط وكتب التراث، تمكنت الحكومة الأمريكية عام 1922 من التعرّف على المكان الحقيقي الذي تم فيه تنفيذ أحكام إعدام محكمة ماساتشوستس، وهناك تم عمل نصب تذكاري للضحايا وتخليد ذكرى إعدامهم بيوم تاريخي يُطلق عليه يوم الحرية، أما فيما يتعلق بالأشخاص الذين تم إعدامهم ظلمًا فقد تم تبرأتهم من قِبل مجلس الشيوخ عام 1922 أيضًا، وتم اعتبار أي شخص من سلالتهم من الأخيار، عدا ذلك الشخص الذي تم إعدامه هو وزوجته وطفلته الوحيدة، فقد تم تخليدهم بطريقة خاصة بعض الشيء، حيث سُميت بعض المحاكم الموجودة في ولاية ماساتشوستس باسمه هو وزوجته وطفلته، كما تم اعتبارهم رمزُا للظلم على مر التاريخ، وذكروا كذلك في الكتب والمناهج التعليمية، أما إجمالًا، فلم يستطع أحد من مُرتكبي مهزلة محكمة ماساتشوستس من الإفلات من قبضة التاريخ، حيث تم ذكرهم دائمًا بأبشع ما يُمكن أن يُذكر به قاضٍ أو حاكم.

محمود الدموكي

كاتب صحفي فني، وكاتب روائي، له روايتان هما "إسراء" و :مذبحة فبراير".

أضف تعليق

أربعة + 1 =