مجهول
الرئيسية » جريمة » شولا كوهين : جاسوسة إسرائيل الأشهر والأكثر خطورة

شولا كوهين : جاسوسة إسرائيل الأشهر والأكثر خطورة

شولا كوهين جاسوسة إسرائيلية يهودية من أصول أرجنتينية، عاشت لمدة قرن بدأ في عام 1917 وانتهى في عام 2017 ، وقدمت خلال ذلك القرن الكثير من الخدمات لليهود.

شولا كوهين

تُعتبر الجاسوسة الإسرائيلية شولا كوهين أحد أهم النساء داخل الكيان الصهيوني منذ تأسيس دولته المزعومة وحتى الآن، فتلك الدولة التي تأسست عام 1948 تأسست أمام أعين وبأيدي شولا التي وُلدت قبل تاريخ التأسيس بأكثر من ثلاثة عقود، والحقيقة أن شولا لم تتوانى أبدًا عن خدمة وطنها منذ يومها الأول، فكانت واحدة من أفضل الشباك التي استخدمها جهاز الموساد الإسرائيلي في الإيقاع بضحاياه، وذلك من خلال الأسلوب المُتبع في هذه البلد منذ ظهورها، وهو أسلوب الدعارة والفضائح الأخلاقية، فكم حوى سرير شولا على الكثير من القيادات العربية وكم كان منبعًا للكثير من المعلومات الهامة والخطيرة، عمومًا، دعونا نتعرف سويًا من خلال السطور القادمة على الجاسوسة الإسرائيلية شولا كوهين، من هي وكيف بدأت حياة التجسس وكيف جاءت النهاية على أفضل نحو ممكن بالنسبة لها.

من هي شولا كوهين؟

أول المعلومات التي يجب معرفتها عن أي شخصية شهيرة هي اسمها، والحقيقة أن اسم شولا الحقيقي هو شولاميت ماير كوهين، والذي تم اختصاره فيما بعد إلى شولا كوهين، عمومًا، وُلدت جولا في أحد دول المناطق البعيدة تمامًا عن الشرق الأوسط، وهي دولة الأرجنتين، لكن الأمر الذي جمعها فيما بعد مع إسرائيل هو ديانتها، فقد كانت شولا يهودية، وكما نعرف جميعًا، بالنسبة لليهود فإسرائيل هي الوطن الأم، مهما قربت المسافات أو بعُدت.

كانت شولا كما نرى بعيدة كل البعد عن الشرق الأوسط والدول العربية بشكل عام، لكن ذلك الحال لم يدم طويلًا، إذ داست تلك الجاسوسة أغلب الأراضي العربية قبل أن تُكمل حتى عامها الخامس، وذلك بسبب تجارة والديها، واللذان بالمناسبة لم يكونا مؤمنين بالمشروع الصهيوني الذي كان قيد الدراسة والتطوير في ذلك الوقت تزامنًا مع خروج وعد بلفور التاريخي.

شولا كوهين والبلاد العربية

كما ذكرنا، عرفت شولا البلاد العربية لأول مرة منذ أن أكملت عامها الخامس، فقد انتقلت مع عائلتها إلى العراق في هذا السن، ثم بدأت هناك تتكلم العربية بطلاقة، والواقع أن السن الصغير كان له عاملًا كبيرًا في ذلك الأمر، عمومًا، في العراق تنقلت العائلة بسبب التجارة بين بعقوبة والبصرة، وبالتأكيد نحن نعرف أن أشهر التجارات في العرب والتي تستحق السفر والترحال هي تجارة القماش، وهو ما كان يعمل به والدي شولا قبل أن ينتقلا إلى دولة عربية أخرى لتوسيع التجارة.

عندما كانت شولا لا تزال طفلة في الخامسة عشر انتقلت مرة أخرى إلى دولة فلسطين، وهناك عاشت في حيفا واستقرت بها مدة طويلة، بعدها حدث ما حدث من تنفيذ وعد بلفور وإقامة دولة إسرائيل المزعومة لتستقر شولا بمدينة القدس حتى يومنا هذا، لكن قبل ذلك كان هناك السفر إلى لبنان، حيث هناك وُلدت الجاسوسة شولا كوهين لؤلؤة إسرائيل.

الانتقال إلى لبنان

عندما تجاوزت شولا كوهين عقدها الثاني باتت في السن الأمثل للزواج، والحقيقة أن التاجر اليهودي الشهير جوزيف كشيك لم يكن ليُرفض أبدًا، خاصةً وأنه كان يملك مصالح تجارية مع والديها، لكن العقبة الوحيدة كانت تكمن في أنه دائم التنقل، وكان على شولا أن تتأقلم مع ذلك، فمثلًا، بعد زواجها بعدة أشهر اضطُرت للسفر إلى بيروت بلبنان، وهناك استقرت لفترة طويلة، ثم كانت التجارة تستعد لإجبارها للسفر مع زوجها إلى بلد عربية أخرى، لكن الرياح جاءت بما لا تشتهيه السفن عندما مات زوج شولا في ريعان شبابه بعد أن ترك لها طفلين، وكان من الممكن جدًا أن تنشغل شولا بتربية الطفلين وتقضي ما بقي من حياتها كأي أرملة عادية، لكن حلم الدولة كان يلوح بشدة في أفق اليهود بذلك الوقت.

شولا كوهين الجاسوسة

لا أحد يعرف كيف بدأ الأمر بالتحديد، لكن في عام 1947 كان شولا كوهين ضمن فريق الجاسوسات الأكثر أهمية في إسرائيل، فهناك من يقول إنها قد تعرفت على صديقة في بيروت تمكنت من تجنيدها بعد إدخال حب الصهيونية إلى قلبها، وهناك من يقول أيضًا أنها قد سقطت في شراك الموساد عن طريق التهديد بفيديو فاضح لها، وهناك الكثير والكثير من الأقاويل حول ذلك الأمر، لكن في النهاية تبقى النتيجة واحدة، وهي انضمام شولا إلى جهاز الموساد.

انضمام شولا إلى الموساد في الحقيقة لم يكن بسبب ذكائها المتدفق أو حسها الأمني الكبير، فهي لم تكن تمتلك هذا ولا ذاك، وإنما كانت تمتلك الشيء الأهم بالنسبة للموساد، والذي يُمكن استخدامه كسلاح فتاك ضد قيادات العرب، وهذا ما حدث بالفعل فيما بعد، لكن هل تتوقعون ما يُمكن أن يكونه ذلك الجهاز الخطير؟ إنه الجسد ولا شيء غيره.

شولا وسلاح الجسد

كان سلاح الجسد هو سلاح شولا كوهين الأهم والوحيد، والحقيقة أن الموساد الإسرائيلي قد اعتاد على استخدام ذلك السلاح مع كل فتاة جميلة وجاذبة، وهذا بالضبط ما كان يتوفر في شولا، والتي كانت بالرغم من صغر سنها ناضجة ومُغرية لأي شخص، وطبعًا كلنا نعرف أنه لا يوجد أكثر من الحكام والقيادات العرب الذين وقعوا ضحية لهذه الطريقة طوال تاريخ الموساد القذر، وإن كان العرب هم المتحملون للمسئولية بسبب نزواتهم الجامحة هذه.

في بيت بواد أبو جبل اللبناني تمكنت شولا من استدراج العديد من الضحايا، جميعهم كان يتم استدراجهم عن طريق السمعة الكبيرة التي كانت تتمتع بها شولا في هذا المجال، فقد كان يُقال إنه لا يُمكن أبدًا أن تكون في لبنان ولا تزور بعد الأماكن، والتي على رأسها بكل أسف بيت شولا كوهين في حي اليهود.

كيف ساعدها الموساد؟

مساعدة الموساد لجاسوستهم كانت تتضمن تدريبها على كيفية استدراج الضحايا، ثم بعد ذلك تعليمها طريقة زرع الكاميرات التي يمكن من خلالها توثيق ما يحدث على سرير شولا، بعدها يُصبح لديهم دليل قوي وأداة ابتزاز يستطيعون استغلالها أفضل استغلال للحصول على المعلومات التي يُريدونها من الضحايا، وبالطبع لم تكن شولا تستدرج إلى بيتها أي أشخاص عاديين، وإنما فقط أولئك الذين يملكون معلومات هامة وخطيرة يُمكن أن تُساهم في القضية الصهيونية، فقد كان الأمر أشبه بواجب قومي وليس مجرد علاقات حميمية للمتعة، والدليل على ذلك أن شولا لم تكن تتقاضى أموال من الموساد.

السلطات اللبنانية ساعدت كذلك في هذا الوضع بعد فرضها للقيود على ما كان معروفًا أنه يحدث في حي اليهود، بل إن الدعارة بشكل عام كانت شيئًا مُباحًا قانونيًا في ذلك الوقت، لذا، كان من المنطقي جدًا أن تتخير شولا لبنان بالتحديد كي تُمارس فيها أفعالها المشبوهة تلك، وأيضًا كان من المقبول جدًا السماح لها بالتوسع في هذه النشاطات إلى أبعد حد.

تطوير النشاط القذر

لم يتوقف الأمر عند بيت شولا كوهين، خاصةً بعد إثبات نجاحه الكبير والحصول من خلاله على كم كبير جدًا من المعلومات، لذلك كان من الطبيعي أن يدخل النشاط القذر هذا حيز التطوير والتكبير، وهو ما حدث بالفعل مع نهاية الخمسينات، حيث توسعت شولا بشكل كبير في نشاطها، وبدلًا من الاكتفاء ببيتها قامت بشراء مطعم كبير وحولته إلى نادي ليلي جاذب لكل أثرياء العرب، والذين كان أغلبهم بالتأكيد يشغل مناصب هامة ببلادهم.

كذلك لم تكن شولا قادرة على تقديم خدماتها لكل زبائنها بسبب كثرتهم، لذلك استقدمت الكثير من الفتيات اللواتي يصلحن للعمل بهذه المهنة، والتي يكون الشرط الأول فيها بالتأكيد الجمال وامتلاك مقومات الإغراء، كما أنها كانت تُخصص فتاة تبلغ من العمر أربعة عشر عامًا لكبار المسئولين والضيوف المهمين، فقد كانت تلك الفتاة شديدة الجمال والذكاء في نفس الوقت، لذلك كانت قادرة على استخراج المعلومات منهم، وهو نفس الغرض الذي كانت تعمل لأجله كل كتيبة شولا.

المهمة الأسمى على الإطلاق

مع بداية دولة إسرائيل المزعومة بدأ اليهود يتوافدون عليها من كل حدبٍ وصوب، والحقيقة أن شولا قد كُلفت خلال هذه الفترة بمهمة في غاية الخطورة، وهي تهريب اليهود الموجودين في لبنان ومساعدتهم في الهجرة إلى إسرائيل، وهو ما نجحت به شولا بامتياز، بل أنها قد أعطتهم الأموال اللازمة لبدء حياتهم في الوطن الجديد، وبالطبع كان هذا الأمر سببًا كبيرًا في أن تحظى شولا بكل هذا الحب والاحترام من قِبل الصهاينة.

سقوط شولا كوهين

ظلت شولا كوهين تساعد الكيان الصهيوني مدة ستة عشر عام كاملة، كل ذلك والغمامة على أعين السلطات اللبنانية التي لم تستطع اكتشافها أو إسقاطها، لكن، في عام 1962 تم القبض عليها هي وتسعة ممن يعملون في شبكتها، وذلك بعد أن تم رصدها لفترة طويلة ومُراقبة النشاطات المخابراتية التي كانت تقوم بها على مدار السنوات السالفة.

في المحاكمة لم تُخفي شولا أي شيء، فقد قدمت كل المعلومات التي طُلبت منها واعترفت بأنها كانت بالفعل تُدير شبكة مخابراتية، كما قالت أسماء الحكام الذين سقطوا في شراكها وأخطر المعلومات التي حصلت عليها منهم، والحقيقة أن تلك الاعترافات كانت كفيلة بإعدام تلك المرأة في الحال وكتبت كلمة النهاية فيما يتعلق بما فعلته، لكن هذه لم يحدث، وإنما مر الأمر بالكثير من المُنحنيات قبل النهاية.

نهاية شولا كوهين

كانت نهاية كوهين مُثيرة بحق، ففي البداية حصلت الجاسوسة على حكم بالإعدام، وكان من المفترض أن يُنفذ خلال أيام قليلة، لكن في اللحظات الأخيرة تم تخفيفه إلى حكم بالسجن لعشرين عام، قبل أن يُخفف مرة أخرى إلى خمسة عشر عام، لكن المنحنى الأهم كان دخولها في صفقة تبادل للأسرى عام 1967 مع بعض الضباط والمساجين العرب، لتُغادر أخطر جاسوسة إسرائيلية السجون العربية وتفلت من الموت المُحقق.

بالتأكيد لم يكن أحد يصدق وقتها أن شولا كوهين سوف تظل على قيد الحياة حتى عام 2017 وتشهد كل الأحداث التي مرت بها البلاد، لكن هذا ما حدث بالفعل، إذ ظلت تتنفس حتى مايو 2017، أي أنها قد عاشت قرن كامل من التاريخ.

شولا كوهين في السينما

لم تترك السينما ذكرى شولا كوهين تمضي هكذا، وإنما تم إنتاج العديد من الأفلام التي تحكي قصة أشهر جاسوسة في الشرق الأوسط، وبالطبع كانت أغلب هذه الأفلام لبنانية لأن الأحداث الرئيسية في حياة شولا قد جرت بها، ومن أشهر هذه الأفلام فيلم شولا كوهين اللؤلؤة، والذي أخرجه المخرج الكبير فؤاد خوري وقامت ببطولته الممثلة اللبنانية دارين حمزة.

محمود الدموكي

كاتب صحفي فني، وكاتب روائي، له روايتان هما "إسراء" و :مذبحة فبراير".

أضف تعليق

أربعة + 10 =