وباء 1918 : الوباء القاتل الذي فتك بالملايين مطلع القرن العشرين

الوباء القاتل هو الوباء الذي وقع في عام 1918 وقتل ما يقرب من الخمسين مليون شخص، على الرغم من أن الحرب العالمية كانت قائمة وقتها ولم تستطع إسقاط هذا العدد!

0 176

يُعتبر الوباء القاتل الذي حدث في عام 1918 أحد أهم الأشياء التي سيتوقف التاريخ أمامه كثيرًا وسط حالة من الدهشة والإعجاب، والحقيقة أن ذكر كلمة الإعجاب قد لا يتماشى مع كون الوباء أمر سيء وخطير، لكنه يتماشى أكثر مع قدرة ذلك الوباء على سحب البساط من تحت أقدام الحرب العالمية الأولى، والتي كانت في أوجها بذلك الوقت، حيث تفاجئ الناس دون مقدمات بتساقطهم واحدًا تلو الآخر لمجرد نزلة إنفلونزا، ثم اكتشفوا فيما بعد أنهم أمام وحش كاسر لو استمر لأعوام قليلة أخرى لكان قد أنهى الحياة البشرية بلا شك، عمومًا، دعونا في السطور القادمة نتعرف سويًا على الوباء القاتل وتوقيت ظهوره والكوارث التي تسبب بها، والأهم من كل ذلك بالتأكيد كيفية زواله من الكوكب دون مقدمات.

وباء 1918 القاتل

كان الوباء القاتل عبارة عن مرض إنفلونزا من الدرجة الأولى، والحقيقة أن ذلك المرض بالتحديد ليس غريبًا أبدًا على البشرية، فقد عرفه البشر منذ أكثر من ألفي ونصف عام، وكان آخر اجتياح لهذا المرض في عام 1889، وذلك في روسيا، لكن كان ثمة قاسم مشترك بين كل المرات التي وقع فيها هذا المرض، وهو أنه كان يُسبب الألم، لكنه لم يكن مرضًا قاتلًا أبدًا، وهذا ما تغير كُليًا مع وصول وباء 1918 القاتل.

الإنفلونزا بشكل عام كانت مُتمثلة في الرشح الذي قد يتطور إلى انسداد في الجيوب الأنفية، وأيضًا كان ثمة معلومة خاطئة يتم تناقلها باستمرار، وهي التي تقول بأن الوباء الكامن في الإنفلونزا إضافة إلى كونه لا يقتل فإنه كذلك لا يتعرض سوى للأطفال والمراهقين، أما الكبار فهم محصنون منه تلقائيًا، لكن كل ذلك تغير كما ذكرنا مع ظهور الوباء القاتل.

ظهور الوباء القاتل

في عام 1918 كان العالم يعتقد أنه يمر بأسوأ فترة عصفت بتاريخه الكبير، وأنه ليس هناك بلاء أكبر من أن تتقاتل القوى العظمى مع بعضها البعض، فقد كان ظهور الأسلحة الحديثة فهذا الوقت ظاهرة غير مسبوقة، وكانت الدبابات والطائرات الحربية قبل هذا التاريخ مجرد أسلحة لم تُستخدم بعد، كان الدمار يتجسد في أبهى صوره، لكن، على الرغم من ذلك، كان ثمة سلاح أقوى يتجهز من أجل قضاء أسرع على البشرية.

هكذا ودون أي مناسبة، تساقط بعض الأشخاص في بعض الولايات الأمريكية، ومنهم بالمناسبة جنود في الجيش، ثم بدأ الأمر ينتقل من ولاية إلى أخرى، ومن دولة إلى المجاورة لها، ومن قارة صغرى إلى قارة أخرى أكبر منها، ببساطة، كانت رقعة الخطر تتسع بطريقة غير مسبوقة، وبالرغم من ذلك كانت اسبانيا هي الخاسر الأكبر تاريخيًا من هذا الوباء، لأنه قد سُمي باسم الوباء الاسباني دون وجود سبب حقيقي لذلك.

لماذا سُمي بالوباء الاسباني؟

كما ذكرنا، سمي الوباء القاتل بالوباء الاسباني دون وجه حق، بل كان الأمر كما قال المؤرخون أشبه بالسقوط الأعمى في الفخ، فالوضع ببساطة بدأ من كون اسبانيا هي الدولة الأهم التي لم تشترك في الحرب، وأيضًا كانت على الحياد، فلم تتحمس لدولة ضد الأخرى، ولذلك كان من الطبيعي جدًا أن تمتلك من الوقت ما يؤهلها لتغطية ظهور هذا الوباء وانتشاره، وهذا ما حدث بالفعل في صيف عام 1918.

عندما ظهر الوباء القاتل في الولايات المتحدة الأمريكية تشمرت صحافة اسبانيا وقامت بتوفير معلومات كثيره عنه ونشره عالميًا حتى يعرف به القاصي والداني، مما أغضب بالطبع الدول المحاربة الكبرى، والتي كانت تُريد التكتم على هذا الأمر والتركيز على الحرب فقط، لذلك تم تسمية الوباء القاتل بالوباء الاسباني نسبةً إلى الدولة الأولى التي تحدثت عنه، عمومًا، حلّ الوباء وأصبح أمرًا واقعًا وبات على العالم التعرّف عليه ومواجهته.

كيف انتشر الوباء القاتل؟

جاء انتشار الوباء القاتل في العالم بطريقة مثيرة جدًا، فبالرغم من الاختلاف حول الدولة الأولى التي شهدت ظهور المرض، وهل هي الصين أم الولايات المتحدة الأمريكية إلا أن المؤرخين قاموا بشبه اتفاق على أن المعسكرات الأمريكية هي من احتضنت هذا الوباء أولًا، أو أنه بمعنى أدق شهد التطور الأكبر له، والحقيقة أن الخطر لا يكمن هنا وحسب، بل أيضًا كان انتشار الوباء في منطقة حساسة، وهي معسكر الجنود في الولايات المتحدة الأمريكية.

تحرك الجنود الأمريكيين إلى الحرب في بعض مناطق العالم المُلتهبة بهذا الوقت، ومن خلال هذه الطريقة تمكنوا من نشر الوباء في كل أرجاء المعمورة، لكن الأمر كذلك لم يأتي دفعة واحدة، وإنما مر ذلك الانتشار بعدة مراحل عُرفت فيما بعد باسم موجات انتشار الوباء القاتل.

موجات الوباء القاتل

كان التنظيم الحليف الأول للوباء القاتل من ظهوره وحتى زواله، فلو كان الأمر عشوائيًا لكان من الممكن جدًا القضاء عليه وبسهولة، لذلك كان اختيار نظام الموجات، والذي من شأنه اقتلاع جذور العالم وبث المرض به على مرحلتين، أو موجتين كما يُعرفوا، وقد كانت الموجة الأولى في مارس القابع في عام 1918.

مارس 1918، الموجة الأولى للوباء

في الموجة الأولى كان الوباء في مرحلة تُشبه مرحلة التعرّف على البشر، فقد كان خفيف الحدة إلى حدٍ كبير، لذلك لم يتمكن من أذية الشباب والبالغين، وإنما كان يستهدف فقط الطبقة الأضعف، وللأسف الأكثر عددًا في هذا الوقت، وهي طبقة الأطفال وكبار السن، والحقيقة أنه بالرغم من الأعداد الكبيرة من الأمل التي قضت نتيجة لهذا الوباء إلا أن كل شيء كان يبعث على الأمل، حيث كانت لا تزال فئة الأمل، وهي الشباب، صامدة بعد، لكن، مع الموجة الثانية، بدأ ذلك الأمر يتبخر شيئًا فشيئًا، وبدأ كل شيء يكتسي بلون الضباب المُخيف.

الموجة الثانية، موجة الموت

تغير كل شيء تمامًا في الموجة الثانية التي وقعت في أغسطس القابع في نفس العام، فالمرض الذي كان يكتفي فقط بمداعبة الشباب بدأ بقتلهم بصورة غريبة، وكأن مرضًا آخر أشد شراسة قد حل بدلًا منه، وعلى الرغم من أن فئة الأمل قد أخذت المناعة بسبب الإصابة بالوباء القاتل في الموجة الأولى إلا أن كل ذلك لم يُغني أو يُسمن من جوع، فقد كان الأمر أشبه باجتياح الماني نازي لا يُمكن التصدي له سوى بتفجير النفس فيه.

تتطور الأمر أكثر وأكثر خلال الموجة الثانية، وأصبح المرض أكثر انتشارًا وأكثر استهدافًا لفئة الشباب تحديدًا، فكان يوميًا يموت مئات الآلاف في كل بقاع الأرض، حتى أن بعد القرى التي هاجمها ذلك المرض كان يموت فيها ما يزيد عن الثمانين بالمئة من أهلها، وهو ما يوصف حربيًا بالاجتياح والإبادة، لكن، بالرغم من كل ذلك لم يرأف المرض بأي كائن حي على وجه الأرض، وكان ظهور الأعراض على شخص ما يعني أنه الأسوأ حظًا بالعالم بلا منازع.

أعراض الوباء القاتل

كان الوباء القاتل قاتلًا بحق، وعلى الرغم من أنه كان في الأصل مجرد إنفلونزا عادية إلا أن أعراضه كانت تظهر وتؤدي الغرض وتُحدث المرض وتقتل في فترة وجيزة، ومن أبرز تلك الأعراض النزيف، والذي كان ينهمر من أي مكان بالجسم دون تفريق، فمثلًا الأنف والأذن، وحتى فتحة الشرج والفم وكل مكان مثقوب يُمكن أن يخرج منه شيء سائل مثل الدم، كان الأمر جحيميًا بحق، والأكثر من ذلك أن الأشخاص كانوا يموتون سريعًا بلا مقاومة.

مع مضي الشهور الأولى من المرض أعلن الوباء القاتل أنه غير قابل للمقاومة، فمثلًا، عندما يظهر بشخص يوم السبت فإنه يكون من المستحيل أن يأتي الثلاثاء عليه وهو على قيد الحياة، بل إنه مع اشتداد المرض أصبح الناس يموتون في نفس اليوم الذي يُصابون فيه بالمرض، ولعل أكبر شاهد على ذلك قصة النساء الضاحكات الشهيرة.

النساء الضاحكات والوباء

كان الناس يسمعون بالوباء القاتل في كل مكان، لكنهم مع ذلك لم يكونوا مقتنعين تمامًا بقوته، بل كانوا يعتقدون أنه مجرد نزلة برد تقتل الضعفاء، لذلك جاءت قصة النساء الضاحكات لتُثبت خطأ اعتقادهم، حيث كان هناك أربع نسوة في الصباح يجلسن ويضحكن بسبب ذلك الموت والضعفاء الذين قضوا به، وفي المساء كان ثلاثة من هؤلاء النسوة قد متن بالمرض في أقل من ساعة، والحقيقة أنه منذ ذلك الوقت وقد ارتفع معدل الخوف حتى وصل إلى ذروته.

بدأ الناس يخشون الوباء بحق، فمثلًا الازدحام في الشوارع بات أمرًا نادرًا، وكذلك أصحاب المحلات التجارية باتوا يغلقونها في وجه الزبائن كي لا يحتكون بهم وينقلون العدوى منهم، حتى الأزواج أصبح التعامل بينهم طفيف وباهت ومُقلّ، فقد كانت الكارثة كبيرة بحق، وكان من الممكن جدًا أن تُباد عائلة كاملة أو أغلب أفرادها بسبب ذلك الوباء.

الوباء القاتل والحرب

في الحقيقة لم يدخر الوباء القاتل جهدًا في الحرب العالمية الأولى، فقد كان له اليد أولًا في إنهاء الحرب، وثانيًا في إسقاط العدد الأكبر من ضحاياها، فقد كانت أعداد الجنود الذين يموتون على جبهات القتال أكثر بكثير من الأعداد التي تموت في الريف والمدن، ولذلك ظهر ما عُرف فيما بعد باسم المقابر الجماعية، والتي كانت تُخصص لدفن أكبر عدد ممكن من الجنود، بل إن البعض كان لا يتم دفنه بسبب الوقت والمساحة.

ذكر لنا التاريخ كذلك أن ألمانيا والنمسا كانا أكثر دولتين تضررًا من الوباء القاتل، والحقيقة أن بقليل من التفكير والربط سنكتشف أن الجنود الذين عادوا من الحرب في أوروبا هم أكثر من تسببوا في نقل الوباء إلى أهلهم وبالتالي أوطانهم، حيثُ أُصيب أكثر من خمسمائة مليون بذلك الوباء، مات منهم خمسون مليونًا وعاش البقية للمعاناة والألم.

نهاية الوباء القاتل

هكذا وبدون أي مقدمات، وبنفس الطريقة الغريبة التي ظهر بها، بدأ الوباء القاتل في الاختفاء بدايةً من العام التالي، وهو عام 1919، أي أنه لم يرتكب كل هذا الدمار سوى في عام واحد فقط، عمومًا، بدأ العلماء على الفور البحث خلف ذلك الوباء ومعرفة أسباب اختفاءه المفاجئ فتوصلوا إلى أن التقدم الطبي الذي حدث والتكاتف بين المؤسسات الصحية كان له العامل الأكبر في إنهاء الأمر، كذلك فإن الوباء نفسه لم يُكمل الطريق بنفس القوة التي بدأ بها وإنما تمكن منه الضعف في أيامه الأخيرة، عمومًا، بمرور الوقت نسي الناس الوباء القاتل وانشغلوا بالسلام الذي تبع الحرب ثم انشغلوا بعدها بالحرب العالمية الثانية، فتم تسمية الوباء باسم الوباء المنسي الوحيد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

7 + 5 =

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد