تسعة اولاد
الرئيسية » تاريخ وحضارات » جامع آياصوفيا : الأثر التركي الأكثر شهرة في البلاد

جامع آياصوفيا : الأثر التركي الأكثر شهرة في البلاد

إذا ما ذُكر فن المعمار فإن جامع آياصوفيا بالتأكيد سوف يكون حاضرًا، فذلك الجامع ما زال قائمًا حتى الآن ليشهد على عظمة المعمار التركي في العصور السابقة.

جامع آياصوفيا

يُعتبر جامع آياصوفيا أحد أهم الشواهد على عظمة المعمار، ليس في تركيا وحدها، بل في العالم بأكمله، والحقيقة أن ذلك الجامع بالإضافة إلى تفوقه في المعمار فإن التاريخ يمتلك الكثير من الأشياء المُدهشة له خلال سنوات وجوده، ففي البداية لم يكن ذلك المسجد مسجدًا، وإنما كان كنيسة كبيرة وشهيرة، ثم تحول بعد ذلك إلى جامع لتكون سابقة هي الأولى من نوعها، وكذلك فإن العراقة التاريخية التي يعج بها كل جنب في جامع آياصوفيا لم تجعله مجرد جامع عادي للصلاة فقط، وإنما كذلك أصبح مزارًا سياحيًا عالميًا يأتي إليه السياح من كل مكان في العالم، لكل هذا، دعونا في السطور القادمة نتعرف سويًا على جامع آياصوفيا وسر تميزه في المعمار ومكانته السياحية الكبرى أيضًا.

جامع آياصوفيا في إسطنبول

في منطقة السلطان، حيث أحد أهم مساجد تركيا مسجد السلطان أحمد، ثمة مسجد آخر لا يقل أهمية، وهو جامع آياصوفيا، ذلك الجامع الذي يُعتبر صرحًا معماريًا شامخًا، والحقيقة أن ذلك الجامع جاء ليجعل من منطقة السلطان علمًا سياحيًا شهيرًا، فعندما تُذكر تركيا تُذكر منطقة السلطان، وعندما تذكر منطقة السلطان فإنه من الواجب إتباعها بذكر جامع آياصوفيا، حيث أفضل المعالم الموجودة في تركيا وأشهرها على الاطلاق.

إسطنبول هي العاصمة التركية التي تتواجد بها منطقة السلطان الحاضنة لجامع آياصوفيا، وبالتأكيد جميعنا يعرف أن المساجد تُعد واحدة من أهم المعالم التركية بشكل عام، بمعنى أن أول شيء قد يتبادر إلى ذهنك فور ذكر تركيا هو المساجد والمآذن، وهذا بخلاف دولة مصر مثلًا تتميز بالمعابد، ودولة مثل الفاتيكان تتميز بالكنائس، وهكذا في مختلف الدول والثقافات، وعامةً، يتم إرجاع وجود المساجد بكثرة إلى الفترة التي تولت الدولة العثمانية بها خلافة المسلمين، ففي هذه الفترة تم بناء عدد وافر من المساجد ما زال أغلبه قائمًا حتى الآن.

قصة جامع آياصوفيا

يمتلك جامع آياصوفيا قصة غريبة ونادرة الحدوث، ففي العصور القديمة تم بناء ذلك المسجد في منطقة السلطان على أساس أنه كنيسة، بل وتم العمل به على ذلك الأساس لفترة طويلة، حتى جاء الحكم العثماني وانتشر الإسلام في جميع أرجاء إسطنبول، وأصبحت الكنيسة شبه مهجورة، إضافةً إلى أنه كان هناك الكثير من الكنائس بتركيا، ومنطقة السلطان خاصة، في هذا الوقت، ولذلك تم التفكير على الفور في تحويل الكنيسة الكبرى إلى مسجد كبير، وبالطبع كانت هذه سابقة هي الأولى من نوعها، فلم يكن من الطبيعي أبدًا أن تتحول كنيسة إلى مسجد، أو مسجد إلى كنيسة، لكن، في النهاية تم الأمر، والحقيقة أنه قد تم على عدة مراحل.

مراحل التحويل

مراحل تحويل كنيسة السلطان إلى جامع آياصوفيا لم تكن بالمراحل السريعة، ففي عهد السلطان العظيم محمد الفاتح بدأ العمل على تحويل الكنيسة التي بُنيت عام 537 إلى مسجد، وقد بدأت المراحل بإضافة منارة ومأذنة إلى الكنيسة، ثم بعد ذلك، وفي عهد السلطان بازيد الثاني، تم إضافة منارة أخرى، والحقيقة أنه مع إضافة المنارتين لم يكن الناس بعد يتقبلون أن كنيسة السلطان قد تحولت إلى مسجد، ولا نعني بأنهم لا يتقبلون أنهم يرفضون ما حدث، وإنما فقط لا يعتادون عليه، لكن، مع مرور السنوات وتتابعها تعود الناس وبدأوا يقبلون على الصلاة في المسجد، حتى جاء عام 1934 وتغيرت الأمور مرة أخرى لتأخذ منحنىً جديدًا وهامًا في حياة المسجد.

من مسجد إلى متحف

وكأن جامع آياصوفيا قد وُعد دائمًا بالتغير وتحويل المسار، فبعد أن تحول من مسجد إلى كنيسة في العهد العثماني جاء آخر سلطان عثماني في عان 1934، وهو أتاتورك، وأصدر قرارًا بتحويل المسجد إلى متحف، وبالطبع لم يلغى تحويله إلى متحف فكرة كونه في الأصل مسجد، وإنما كان هذا القرار بمثابة الباب الذي فُتح أمام أي شخص مهما كانت ديانته أو جنسيته أو هويته، تمامًا كما يحدث مع أي معلم أثري في أي مكان في العالم.

تحول جامع آياصوفيا إلى متحف كان بمثابة انتصار للجمال، فبالرغم من معارضة القرار من البعض في البداية إلا أنه قد ثبتت صحته فيما بعد، حيث أنه قد أصبح مصدرًا هامًا من مصادر الدخل التركي لكونه معلمًا سياحيًا يُقبل عليه السياح من كل مكان في العالم، والواقع أن إقبال السياح في الأصل لم يكن لشيء سوى الإبهار المعماري الموجود في بناء هذا المسجد، والذي يُعتبر كما يدعي البعض آية في المعمار والهندسة.

شكل جامع آياصوفيا

مما لا شك فيه أن بناء جامع مثل آياصوفيا يُعد دليلًا قويًا على أن فن المعمار في العهد البيزنطي كان متطورًا للغاية، وإذا كنا نتحدث عن شكل وتصميم جامع آياصوفيا فإننا بالتأكيد مُطالبون برده إلى أصله، وهو كونه كنيسة، والتحدث عن بناء تلك الكنيسة أولًا، فقد كانت على شكل غريب نوعًا ما، وهو شكل المُستطيل، ثم في جزء مربع منها كان ثمة قبة تعتليه، أما في مقدمة البناء، والذي كان كنيسة كما ذكرنا، كان ثمة أتريوم ضخم مُحاط من جوانبه الثلاثة بعدة أشياء، منها البورتيكوس والناثيكس، كل ذلك فقط في بداية البناء أو مقدمته، كل ذلك يمكنك مشاهدته وأنت على باب آياصوفيا في منطقة السلطان، أما إذا كنت سعيد الحظ ودخلت ذلك البناء فإنك سوف ترى في الداخل ما هو أكثر إبهارًا بكل تأكيد.

جامع آياصوفيا من الداخل

جامع آياصوفيا من الداخل يبدأ بالصلات الجانبية الكثيرة، والتي يعتليها كما ذكرنا قبة جميلة فوق الجزء المربع من المسجد، والحقيقة أنه من ضمن اللمحات الهندسية اللافتة أن تلك القبة تقف مرتكزة على دعامات، وتمتد تلك الدعامات إلى أسفل البناء، مما يُسهم بالطبع في زيادة قوة البناء وتقليل الضغط المفترض على الجدران، وهذا الأمر بالتأكيد لا يدل إلا على التقدم الهندسي الكبير في ذلك الوقت، وبالإضافة إلى ما ذكرناه من قوام رئيسي فإن جامع آياصوفيا من الداخل أيضًا يحتوي على عدة لمحات يُمكن إجمالها سريعًا في عدة نقاط، ولنبدأ سويًا بالرصاص والقبة.

الرصاص والقبة

من داخل القبة يُمكنك ببساطة أن تُلاحظ معدن الرصاص وهو يكسو كل شيء فيها، وربما أنتم لا تعرفوا أن الرصاص مادة أساسية في بناء القباب، وهذا في الواقع صحيحًا، لكن جامع آياصوفيا وحده تميز بهذا الأمر، وقد كان التبرير وقتها أن الرصاص سوف يقي القبة في حالة هيجان العوامل الجوية، فنحن نتحدث عن مسجد بُني منذ مئات السنين ولا يزال على حالته الأولى حتى الآن، وهذا إن أكد على شيء فهو أن تقدم فن المعمار والهندسة في هذا الوقت كان أكبر مما يُمكن تخيله بالفعل، وجامع آياصوفيا إن نطق فسيشهد على ذلك الأمر.

النوافذ والتهوية

لم يغفل بُناة المسجد عنصر هام من عناصر أي بناء مهما كان وصفه، وهو عنصر النوافذ الذي يتكفل بإدخال الهواء في كل مكان في المسجد، فبالطبع لم يكن هناك وجود قديمًا لوسائل الهواء الموجودة الآن مثل المراوح والتكيفات، والحقيقة أن البراعة كلها تظهر في الأماكن التي تم اختيارها من أجل وضع المنافذ بها، والتي ثبت أنها منفذًا للهواء بحق، وليس مجرد فتحات في حيطان المسجد، لدرجة أن البعض يقول بأنه في ظل وجود المراوح وأجهزة الهواء الحديث لا يزال من الممكن الاستغناء عن كل ذلك بتلك النوافذ السحرية.

الأدراج والطوابق

من المعروف أن جامع آياصوفيا مكون من طابقين هائلين، طابق للرجال، وهو الطابق الأراضي، وطابق آخر مُخصص للنساء وهو الطابق العلوي، والذي يتم الصعود إليه من خلال أدراج موجودة في وسط الوسط، أو في جزء من الوسط، لكنه بالطبع بعيد عن مكان الرجال، وذلك حتى لا يحدث الاختلاط أثناء الصلاة بين الجنسين.

المباني الدينية

يعج جامع آياصوفيا بالعديد من المباني الدينية التي يتلقى فيها الطلاب العديد من العلوم الشرعية، فهي تُشبه حلقات العلم، لكن، بسبب كبر الأعداد في هذه الحلقات لا يتم الاكتفاء بالمسجد، ولهذا تم بناء العديد من الزوايا والمباني الدينية داخل مُحيط المسجد، والحقيقة أنه من الأشياء الغريبة جدًا أن بعض الغير مُسلمين قد يأتون إلى هذه المباني من أجل تلقي العلم، ولا يُعد هذا مُستبعدًا خاصةً إذا عرفنا أن الكنائس تُحيط بهذا المسجد من كل مكان.

الحجرات المُلحقة

هناك عدد وافر من الحجرات المُلحقة بفناء جامع آياصوفيا، وهذه الحجرات تُستخدم لأكثر من غرض، لكن أغلبها يكون لرجال الدين الذين يُفضلون المبيت بها من أجل التواجد دائمًا بالمسجد، فهناك أشخاص يهبون أنفسهم تمامًا لجامع آياصوفيا والاهتمام به، ولا يرون ذويهم إلا على فترات مُتباعدة.

مساجد عالمية أخرى

بالتأكيد يحظى جامع آياصوفيا يزخم عالمي كبير وشهرة واسعة لا تتوافر في الكثير من المساجد، بالرغم من أن بعض الدولة الإسلامية يتواجد بها أكثر من عشرة آلاف مسجد إلا أن مسجد واحد أو اثنين هم من يُمكن أن نطلق عليهم مساجد عالمية تاريخية، أو معلم سياحي إن جاز اللفظ، وعلى رأس هذه المساجد بالتأكيد يطل الأزهر العظيم.

جامع الأزهر

مما لا شك فيه أن جامع الأزهر لا يقل في شيء عن جامع آياصوفيا، فكلاهما مسجدين عريقين بُني منذ زمن طويل، والحقيقة أننا إذا أردنا وصف جامع الأزهر فيكفي أن نقول إنه يُشبه جامع الأزهر في الكثير من الأشياء، وعلى رأسها المعمار، كما أنه معلم سياحي هام يأتي إليه السياح من كل حدب وصوب، ولن نبالغ إذا قلنا إنه يحظى بجماهيرية عالمية كبرى تفوق تلك التي يحظى بها جامع آياصوفيا، وهذا ربما بسبب إنشاء جامعة الأزهر العريقة المُلحقة به، وليس مجرد الاكتفاء بدروس العلم البسيطة مثلما هو الحال في جامع آياصوفيا.

الجامع الأقصى

بالطبع أنتم لا تتوقعون أبدًا أن ذكر المساجد العالمية دون أن نذكر أحد أهم هذه المساجد على الإطلاق، وهو الجامع الأقصى، أولى القبلتين، والذي كان شريكًا رئيسيًا في رحلة الإسراء والمعراج، والحقيقة أنه منذ حوالي قرن يعاني ذلك المسجد العريق من بعض المشاكل، خاصةً بعد احتلال الكيان الصهيوني له وتدنيسه بكل وسيلة تدنيس ممكن، ولا يزال البعض ينتظر ردة فعل أقوى من العرب والمسلمين بشكل عام، لأن جامع الأقصى ليس ملك للفلسطينيين فقط، وإنما لكل مسلم على وجه الأرض.

محمود الدموكي

كاتب صحفي فني، وكاتب روائي، له روايتان هما "إسراء" و :مذبحة فبراير".

أضف تعليق

11 + 9 =