جلود الحيوانات : لماذا من الوحشية استعمالها في الملابس ؟

تعتبر قضية الملابس والاكسسوارات المصنعة من جلود الحيوانات قضية ذات أبعاد أخلاقية كبيرة، نناقش هنا لماذا يجب التوقف عن هذا الأمر وكيف يمكن إيقاف هذه الظاهرة.

تعد الملابس والأحذية والحلى المصنوعة من جلود الحيوانات وفرائها أغلى الأنواع نظرا لقيمة الخامة وجمال الشكل وقدرتها على الحياة دون تلف يؤثر على جمالها لفترات طويلة. وتختلف الجلود في أنواعها بين جلد الغنم والماعز والثعابين وسمك القرش والتماسيح، إلا أن جلد الغنم والبقر والخنازير يعدون أكثر تلك الجلود شيوعا بين محبي الجلود. وتعد أكثر المنتجات استخداما للجلود هي الأحزمة والأحذية والقفازات والقبعات والحقائب والسراويل، كما أن سيور الآلات والكرات الخاصة بالألعاب المختلفة مثل كرة التنس وكرة القدم والطائرة واليد يصنعون أيضا من تلك الجلود. وقديما في عصور منسية تقريبا، استخدم الصيادين من أتباع الديانة الشامانية الجلود في كل ملابسهم وأدواتهم تقريبا لاعتماد بشر العصر الحجري القديم على صيد الحيوان للحصول على الغذاء وإشعال النار بدهنه والتزيي بجلوده، كما استخدموا تلكم الجلود لحفظ الطعام واللحوم من العفن. ويرجح المؤرخين أن تلك الفترة كانت فاتحة استخدام البشر للجلود في حاجتهم المعيشية وهو الأمر الذي استمر حتى اليوم وانتقل من مجال الضروريات لمجال الكماليات من زينة وترف.

مناقشة قضية استخدام جلود الحيوانات في الصناعة

مختصر عن دباغة جلود الحيوانات

والدباغة هي العملية التي تقوم على استخلاص الجلود من بشرة الحيوانات وتخليصها من الشعر والزوائد بكشط الجزء المتبقي من الفرو عدا الجزء الداخلي منها، وتحقيق التماسك المطلوب للاستخدام في الصناعة، وتلك العملية تحفظ الجلد وتقيه العفن كما أسلفنا، كما أنها تضيف المتانة والانسيابية والمرونة المطلوبين. وتمر دباغة جلود الحيوانات بعدة مراحل نذكر منها:

  • عملية المعالجة: وبها يتم معالجة الجلد بالملح بعد التجفيف وتأتي تلك العملية للحفاظ على الجلد من العفونة السريعة قبل أن يتم إرساله للمدابغ ويتلوها عملية التنظيف وهي جزء من عملية المعالجة يتم فيها غسل الجلود من الأملاح و ما يعلق بها.
  • عملية إزالة الطبقة اللحمية: وفي تلك المرحلة يتم إزالة الزوائد من دهون عن الجلد قبل دباغته، ويتلو ذلك نزع الفرو كي يتسنى للمدابغ القيام بعملية الضرب
  • عملية الضرب: وهنا توضع الجلود في محاليل حمضية لتكسبها المرونة والمتانة اللازمة للصناعة.

جلود الحيوانات وعلاقتها بالصيد الجائر

تواجه الكثير من الحيوانات النادرة خطر الانقراض الآن للعديد من الأسباب، وليس ثمة شك أن انقراض بعض الأنواع ليس بالجديد علينا فقد واجهت الأرض الكثير من حوادث الانقراض بالفعل للكثير من الأنواع ويعد ذلك جزء من عمل الطبيعة بانقراض أنواع لتنتشر أخرى أكثر قدرة على البقاء منها، لكن، وبعد تطور الوعي البشري والحضاري نما عند الكثير نازع رحيم للحفاظ على حياة تلك الحيوانات وتحريم صيد وأكل ما لا يفيدنا بل حتى ما يفيدنا لكن نستطيع أن نستعيض عنه بأنواع نباتية أخرى، فالكثير من عمليات الصيد تتم للتسلية أو للربح لا كي تشبع أو تغطي حاجات أساسية وضرورية لدى البشر، وكل ذلك ينبع من وعينا الآن أن الحياة كلها ترتبط ببعضها البعض وأن الحياة –حتى حياة الحيوان- لها قيمتها الجمة ويجب الحفاظ عليها. ويعد الحصول على الجلود أحد أبرز أسباب انقراض الحيوانات في القرنين الماضيين وحدهما، ويمكننا أن نجد أنواع حيوانية كمثال النمر التسماني ونمر اليوان وهي حيوانات عمرت لآلاف السنين استراليا وجنوب القارة الإفريقية وقد انقرضت نتيجة الصيد الجائر لها بغية الحصول على الفرو والجلود كي تتزيا به النساء في الحفلات الفاخرة التي تقام في البلدان الغنية.

جمعيات الحفاظ على البيئة

تبذل جمعيات الحفاظ على البيئة حول العالم وجمعيات المحافظة على الحيوان جهود جمة لحماية الأنواع الحيوانية -وخاصة النادرة منها- من الاندثار، ويحارب أولئك بشتى السبل القانونية استخدام الناس ل جلود الحيوانات الطبيعية ويقيمون حملات ترويجية ضخمة لتوعية الناس بخطورة استخدام مثل تلك الجلود على حياة الحيوانات ويحثونهم على استخدام البديل الصناعي القريب في الجودة. وينطلق العاملين بتلك الجمعيات من أهمية المحافظة على النظام البيئي من الخلل حيث أن انقراض الحيوانات بشكل متعمد يسمح لحيوانات أخرى ربما تكون أكثر ضررا بالإنسان ومصالحه، ويستشهدون بما حدث عند صيد الأفاعي الجائر في استراليا في الوقت الذي أدخل الإنجليز في الأرانب لمتعة الصيد إبان القرن التاسع عشر مما سمح بانتشار الأرانب لانعدام العدو البيئي لها حتى تغذت بضراوة على المحاصيل الزراعية تاركة أزمة غذائية كبيرة استمرت لسنوات، ولم يتمكن المسؤولين من إعادة النظام البيئي لأصله مجددا حتى الآن. ويؤكد أعضاء تلك الجمعيات على أن الحيوانات ما هي إلا مخلوقات لها نفس الحق في الحياة الذي نمتلكه، لذا يعد صيدها غير قانوني لمجرد الحصول على التفاخر وعلامات الثراء التي تمنحها جلود الحيوانات الفاخرة.

و في الوطن العربي خاصة في السودان يعد ثعبان الأصلة العظيم أحد أهم موارد جلود الحيوانات في وسط وغرب السودان ضمن مناطق غير مأهولة بالسكان، ويعد عدم إصدار الحكومة قوانين تحرم صيده فهو يتكاثر بأعداد كبيرة، لذا يميل دابغي الجلود لشراؤه من الصيادين بكثافة، ويستخدموه في عمل أحذية جلد الأصلة المكونة من ألوان سوداء وبنية متعرجة بشكل جميل ويتميز بالبقائية العالية دون تلف وبشكله الجميل، حيث يصنع الثعبان من هؤلاء ما مقداره ثلاثة أحذية.

حملة ذكية توضح الحقيقة المتوحشة للصيد الجائر

قامت جمعيات المحافظ على الحيوان من الانقراض بترويج حملة ضخمة ضد مستخدمي جلود الحيوانات في الصناعة مما يؤثر على الثروة الحيوانية القيمة، وقد جربت تلك الجمعيات أفكار جديدة للغاية بشان تخفيض استخدام مثل تلك الجلود، وجربت تلك الجمعيات في المملكة المتحدة وإنجلترا على وجه التحديد بيع الجلود الحيوانية المدبوغة دون إزالة اللحم والأعضاء الداخلية منها مما أثار اشمئزاز الجمهور عندما رأوا الكلفة الحقيقية لوحشيتهم. فقد عمد دائما أصحاب تلك الصناعات في منح الزبائن الصورة النهائية الأنيقة للمنتج دون أن يعرفوا بأنفسهم ثمن الوحشية التي يتعرض لها تلك الحيوانات دون طائل حقيقي في سبيل الحصول منها على جلود الحيوانات الفاخرة.

البديل الحديث

انتشر في الآونة الأخيرة استخدام الجلود الصناعية كرد فعل طبيعي على الحملات الدؤوبة من الجمعيات البيئية، ولا تتمتع الجلود الصناعية بمثل جودة جلود الحيوانات الطبيعية من حيث الخامات النادرة ولا الألوان الجذابة، إلا أنها تقترب منها وتتطور صناعة الجلود كل يوم منتجة خامات أفضل ذات جودات فاخرة تقارب الجودة الأصلية، إلا أن من يحبون إظهار الثراء و التفاخر به يعمدون حتى الآن لارتداء المشغولات الثمينة من الجلود و الفراء دون اهتمام لحملات أو انقراض تلك الحيوانات الوشيك، فالدافع لدى الكثير منهم لا يكمن في الشكل بقدر ما يكمن في إظهار الثراء و الترف.

على الجانب الآخر تخرج أصوات منادية بأن التخلي الكامل عن جلود الحيوانات غير مجدي، فهناك مستلزمات مثل الخيوط الطبية ضرورية وهي لا تصنع إلا من جلد الحيوانات، كما أن مكونات الآلات الموسيقية خاصة الأوتار الصناعية جودتها رديئة للغاية بالمقارنة مع الطبيعية منها، ولا يستقيم صناعتها دون جلود الحيوانات الطبيعية. أيضا فإن سكان البلاد الشمالية الباردة يكثرون من استخدام الجلود والفراء الطبيعية حيث أن المنتجات المصنعة –حتى الحديثة منها- لا تمنحهم الدفئ الكافي، وهم في هذا يعدونه ضرورة و حاجة أساسية لا تستقيم حياتهم دونها. استمر الجدل طويلا بين المؤيدين لمنع استخدام جلود الحيوانات والقائلين بضرورة استخدامها ولا يبدو أنه سينتهي في المستقبل القريب، فما رأيك أيها القارئ؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اثنان × 5 =