تسعة بيئة
الشعاب المرجانية
بيئة » الماء » الشعاب المرجانية : كيف نستطيع إنقاذها من الموت المحقق؟

الشعاب المرجانية : كيف نستطيع إنقاذها من الموت المحقق؟

ليست الغابات الخضراء على اليابسة وحدها هي المهددة بالخطر فتحت سطح الماء هنالك غاباتٌ من الشعاب المرجانية أكثر جمالًا وبهاءً يبدو أن الموت يلاحقها أيضًا.

دائمًا ما حملت لنا المياه في أعماقها كل غامضٍ وجميل وأثبتت لنا أن تحت ذلك الخط الرقيق الفاصل بين الماء والهواء دائمًا ما كان هنالك عالمٌ آخر مختلفٌ تمامًا عن عالمنا السابح في حرية الهواء وأن هنالك حريةً أخرى تحت السطح لن نفهمها كما يفهمها أصحابها، وكما لليابسة حظٌ من الجمال فأظن أن المياه كان لها حظوظٌ منه تفوقت على حظنا في بعض الأحيان، الشعاب المرجانية واحدةٌ من صانعات ذلك الجمال اللامتناهي تحت سطح الماء بحارًا أو أنهارًا أو محيطات كأن جمال الأسماك والبحريات وروعة الرمال وانكسار وانعكاس أشعة الشمس على سطح المياه حين يضيء أعماقها وحده لم يكن جمالًا خلابًا كافيًا فجاءت الشعاب كأميرةٍ في تلك الطبيعة الساحرة زادتها بهاءً على بهاء بتباين ألوانها واختلاف أشكالها وغرابة طبيعتها لكن مثلها كمثل أي جمالٍ في هذا العالم دائمًا ما كان هنالك شيءٌ يهدده ويعكر صفو جماله ويضع على عاتقنا كبشرٍ أن نساعده وننجو به من الهلاك.

كيف نستطيع إنقاذ الشعاب المرجانية من الهلاك؟

حيوانٌ أم نبات؟

كلمة غابة وحدها كانت كفيلة بجعل الاستنتاج الأول الذي يتبادر إلى ذهنك أن الشعاب المرجانية هي نباتاتٌ تغمر قاع البحار والمحيطات إلا أننا سنخيب ظنك بواقع أنها ليست من عالم النبات في شيء إلا الشكل الذي قد يشبه الأشجار أو الأزهار ويعطي انطباع الغابة بتجمعها، إذًا حيوان؟ لا أستطيع الجزم بكونها حيوانًا أيضًا وقبل أن نبدأ بالتصنيف فمن المعروف أن الأسماك والبحريات بشكلٍ عام تحتل منزلةً منخفضةً في سلم تطور الأحياء وتعتبر من أقل الكائنات ذكاءً وتطورًا فسيولوجيًا وذهنيًا على هذا الكوكب لذلك ليس من العجيب أن نجد تصنيف الشعاب المرجانية ككائناتٍ بدائيةٍ لم ترقى حتى لتدخل في تصنيف الحيوانات.

لربما تريد أن تعرف هذه الأشياء

قد تبدو الشعاب المرجانية شيئًا بريئًا لا حاجة له على الإطلاق سوى أنه يعطي جمالًا وسحرًا للبيئة البحرية إلا أن الحقيقة أن لها دورًا حيويًا هامًا تحت سطح المياه وتدخل من ضمن دائرة الحياة البحرية الأساسية كجزءٍ يحافظ على استمرارها وتعتمد عليه حياة الكثير من الأسماك والمائيات وحتى البرمائيات.

كثيرٌ من تلك الشعاب تمثل بيوتًا لبعض الأسماك خاصةً الصغيرة منها والتي تختبئ من أعدائها وتبحث عن مكانٍ آمنٍ تضع فيه بيوضها وتخبئ صغارها، وقد تمثل هي وأيٌ من العوالق فيها من الكائنات الدقيقة والصغيرة مصدر غذاءٍ متجددٍ ومفيدٍ لأسماكٍ أخرى.

برغم بدائيتها إلا أن الشعاب المرجانية تشتهر بقدرتها على تكوينٍ ما يشبه الهيكل الصلب الداخلي لها والذي غالبًا ما يتكون من المعادن كالكالسيوم وتحمل في داخلها أنسجةً هاضمةً وأخرى قادرةً على التكاثر، تتغذى الشعاب على الكائنات الدقيقة التي تسحب في المياه من حولها ويكون لها أطراف تحمل مجساتٍ صغيرةً بارزةً تعلق بها تلك الكائنات الدقيقة فتدفعها نحو فمٍ صغير يودي إلى جهازٍ هضميٍ بسيطٍ وبدائي.

ومن المعروف أن أهم كائنٍ حيٍ في حياة الشعاب المرجانية هي الطحالب بالطبع ذلك لا ينفي أهمية بقية الكائنات البحرية في حياتها لكن الطحالب تشكل دورًا رئيسيًا مباشرًا في تلك الحياة ودائمًا ما ستجد الاثنين متلازمين في أي بيئةٍ بحرية، تستطيع الطحالب أن تصنع غذاءها بنفسها مثلها مثل النبات متأثرةً بأشعة الشمس لذلك عندما تجاور الشعاب فهي تمثل مصدرًا ثانويًا للغذاء مما تصنعه وفي المقابل تمنحها الشعاب بعض المغذيات والمعادن الموجودة فيها فتنتج علاقةٌ مشتركةٌ بناءة.

أهمية الشعاب المرجانية للبيئة البحرية

قد يبدو الأمر غريبًا بعض الشيء إلا أن واحدًا من أكبر أدوار الشعاب المرجانية تحت الماء هو أنها تنتج نسبةً مهمةً من الأكسجين الذي نتنفسه وهو الذي يؤهلها بقوةٍ للحصول على لقب الغابات المائية، تجدها تحافظ أيضًا على استقرار البيئة المائية الموجودة فيها ونقائها وتوازن مكوناتها وبحرياتها بجانب كونها غذاءً لبعض البحريات أو بيوتًا وملاجئ لها ولصغارها كما ذكرنا.

كما أثبت العلماء أن وجودها تحت سطح المياه مهمٌ جدًا في التوازن الجوي بشكلٍ كاملٍ وفي المناطق التي تكون منتشرةً فيها فهي تشكل سدًا طبيعيًا تحت الماء يحمي السواحل دائمًا من قوة العواصف ويخفف من حدتها ويمتص جزءًا من طاقتها.

وبعيدًا عن دورها البيئي الطبيعي فهي تشكل دورًا هامًا في حياة الإنسان سواءً بدخولها في صنع الأدوية وقدرة العلماء على استخراج الكثير من المواد الفعالة منها واستخدامها في علاج أمراضٍ مستعصية أو دخولها في الصناعات المختلفة أو بدون أن يمسها الإنسان فهي تشكل مصدرًا كبيرًا من مصادر دخله السياحي بسبب جمالها وانتشار الاعتماد على هواية الغطس في الأماكن التي تكون متواجدةً فيها للاستمتاع برؤيتها.

كائنٌ حيٌ آخر هددناه بالموت

برغم انتشار الشعاب المرجانية في الأماكن تحت سطح المياه وسهولة نموها واعتقاد الكثيرين بتوافرها وأنه لا داعي للقلق عليها إلا أن العلماء مؤخرًا خرجوا لنا بحقيقةٍ مرعبة وهو أننا لو استمررنا بهذا الإهمال فنحن نتجه نحو بيئةٍ بحريةٍ خاليةٍ من الشعاب تمامًا وفاقدةٍ للتوازن بواحدةٍ من أبشع الصور، فهناك الكثير من الأعماق الجميلة التي اعتادت على الظهور لنا بحلةٍ مبهجةٍ من الألوان ساد عليها الرمادي وأصبحت كئيبةً خاليةً من البهجة وقريبًا من كل الحياة.

السبب الأول الذي تم اتهامه بارتكاب تلك الجريمة هو الاحتباس الحراري الذي في يسير بوتيرةٍ ثابتةٍ نحو القمة ويهدد الكثير من جوانب الحياة على هذا الكوكب ويجعل الإنسان هو المذنب الأول في تلك المأساة، يؤثر الاحتباس الحراري على درجة حرارة المياه في البحار والمحيطات مع العلم أن الشعاب المرجانية في المقام الأول تحب النمو في مياهٍ استوائية، ومع تزايد المشكلة زادت حرارة المياه كثيرًا ما أثر بالسلب على الكثير من البحريات كانت الشعاب من ضمنها فبدأت تفقد قدرتها على التأقلم مع المياه فتطرد الطحالب من حولها وتفقد الكثير من أجزائها حتى لونها وتصبح رماديةً أو بيضاء وإن لم تتحسن درجة حرارة المياه فإنها تموت.

وعلى صعيدٍ آخر كانت هنالك الكثير من المؤثرات الأخرى التي جعلت العلماء يتنبأون بموت 90% من الشعاب المرجانية بحلول عام 2050 مثل التلوث والصيد الجائر وكل العوامل التي أثرت على توازن الأعداد السمكية في المياه فتسببت في زيادتها أو نقصانها تمكنت من القضاء على الكثير من الشعاب بطريقةٍ أو بأخرى.

للأسف ليس هنالك إجراءٌ سريعٌ مباشرٌ يمكن اتخاذه من قبل العلماء لحماية الشعاب المرجانية نفسها برغم توقعهم من موجة ارتفاعٍ هائلة في حرارة المياه خلال الشهور القادمة وموت العديد من الشعاب في المحيطين الهادئ والهندي لكن محاولة إعادة التوازن للبيئة البحرية قد يكون مفيدًا والابتعاد عن تلويث المياه ومساعدة الجماعات السمكية على النمو بشكلٍ طبيعيٍ، كما صار الإنسان بحاجةٍ حقيقيةٍ لحل مشاكله مع البيئة والقضاء على الاحتباس الحراري الذي صار كابوسًا مرعبًا يهدد البيئة والإنسان من بعدها بالفناء.

غفران حبيب

طالبة بكلية الصيدلة مع ميولٍ أدبية لعل الميل الأدبي يشق طريقه يومًا في هذه الحياة

أضف تعليق

8 + ثمانية عشر =