كيف يُسهم الحجر الصحي في الحد من انتشار الأمراض؟

الحجر الصحي إجراء يتم اتخاذه في حالة انتشار مرض خطير، ويُتوقع أن ذلك الإجراء سوف يؤدي في النهاية إلى منع انتشار المرض، لكن كيف يحدث ذلك؟

يُعتبر الحجر الصحي واحدة من أقدم الأساليب المُتبعة في علاج أي مُشكلة من المشكلات المتعلقة بالأمراض الخطيرة، ففور ظهور المرض الخطير، وقبل حتى أن يتم التفكير في ابتكار دواء له، فإن التفكير أولًا يكون في طريقة يُمكن من خلالها الحد من انتشار المرض، ولا يتم ذلك سوى من خلال الحجر الصحي، حيثُ تُجمع تكتلات المرضى في مكانٍ واحد دون السماح لهم بالخروج أو الاختلاط بالعالم الخارجي تحسُبًا لإصابتهم بالعدوى، وعادةً ما تكون نتيجة ذلك الإجراء هي تعطيل انتشار الداء أو الفيروس لحين التوصل إلى علاج له، أو على الأقل تقدير تحديد ماهيته، والحقيقة أن ذلك الإجراء كان أحد الأمور البديهية التي توصل إليها الإنسان قبل زمنٍ طويل، كما أنه كان حلًا منطقيًا في حالة العجز عن الخروج بالدواء الصحيح، فما دام الدواء ليس له علاج فإنه من الأولى منع انتشاره وترك من أصابهم يموتون، خسائر أقل ومكاسب أكبر، وإن كنتم لا تعرفون بعد بكيفية تنفيذ هذا الإجراء وإسهامه في الحد من المرض فإن هذا بالضبط هو ما سنحاول التعرف عليه سويًا في السطور الآتية، فهل أنتم مستعدون لذلك؟

ما المقصود بالحجر الصحي؟

في اللغة تُعرف كلمة الحجر بالمنع، يُقال حُجر فلان أي مُنع، وهو مُصطلح قانوني كذلك يُستخدم كثيرًا في قضايا الميراث، فعندما يكبر الشخص ويفقد السيطرة على نفسه فإن أولاده يقومون بإجراء قانوني يُسمى الحجر، وهو الذي يمنعه من التصرف في أي شيء تحت إمرته، وهذا ما يحدث تمامًا فيما يتعلق بالحجر الصحي، حيث أن المريض يُمنع من التصرف كذلك، لكن هذه المرة هو لا يُمنع من التصرف في أمواله وإنما يُمنع من التصرف في نفسه، حيث يتم حبسه في مكانٍ ما وتقديم المعاملة الخاصة له حتى يتعافى أو يموت.

مُصطلح الحجر المتبوع بوصف الصحي كان الأكثر استخدامًا في القرون الوسطى بسبب ظهور أمراض مثل الطاعون والكوليرا، فقد كان هذا الزمن هو الزمن الأكبر نصيبًا في عمليات الحجر الصحي لدرجة أنه كان يتم على ملايينٍ من البشر، لكن، لكي نُقرب الصورة أكثر، وكيف أن نتعرف على فائدة الحجر الصحي وكيفية حمايته لنا، دعونا أولًا نتعرف على تاريخه واستخدامه قديمًا في التعامل مع المرض والمرضى.

تاريخ الحجر الصحي

ظاهرة مثل الحجر الصحي ليست بالتأكيد ظاهرة جديدة، فالعالم عندما فكر قديمًا في علاج المرض فكر أولًا في قتل المريض، وهذه بالطبع طريقة خاطئة لكنها كانت سائدة بشكل مُبالغ فيه، ولهذا فإن العالم القديم قد شهد أكبر قدر ممكن من الحجر الصحي، وبالرغم من أنه لم يكن يُطبق بنفس الطريقة التي كان يُطبق بها الآن إلا أن الفكرة واحدة، وهي إبعاد المرضى عن الأصحاء وتوفير أكبر قدر من الحماية لهم.

كان الحجر قديمًا يُقام بأمر من الملوك والحكام، وكان المحجورين يأخذون فرصة من الوقت ربما تكون أيام قليلة، وإذا لم يتحسنوا من تلقاء أنفسهم فإن الحاكم كان يأمر بقتلهم، وقد كان هذا يحدث في أعداد كثيرة جدًا، والغريب أن ذويهم لم يكونوا مُبدين لأي اعتراض، فقد كانوا يعتقدون أن الحاكم يفعل الصواب بالتخلص من المرض والمرضى، ولكيلا نُخفيكم فإن هذه الطريق قد تنجح في بعض الأحيان، فموتى المرضى يعني بطريقة أو بأُخرى موت المرض نفسه، لكن، مع تقدم الزمن، لم تعد هذه الطريقة هي الخيار الأول وبات الحجر الصحي يأخذ أشكال أخرى، والواقع أننا إذا طرحنا سؤالًا منطقيًا وقلنا كيف يؤثر الحجر الصحي في انتشار الأمراض فإن الإجابة سوف تكون مطلوبة للاستماع بشدة، فما هي يا تُرى؟

الحجر الصحي والحد من انتشار الأمراض

كما ذكرنا، يُسهم الحجر الصحي بنسبة كبيرة في الحد من انتشار الأمراض، مهما كانت الطريقة ومهما كان المكان ومهما كان الزمان فإن الحجر الصحي كان يؤتي ثماره ويُحقق الغرض المطلوب منه، وسوف نذكر الآن بعض إسهامات الحجر الصحي وطرقه في الحد من انتشار الأمراض، ولتكن البداية مثلًا مع قدرته على محاصرة المرض.

القدرة على محاصرة المرض

مما لا شك فيه أن الحجر الصحي وسيلة هامة من وسائل مُحاصرة أي مرض خطير ينتشر في هذا العالم، فلو كنا سنُفكر مثلًا في الطريقة التي يُمكنها أن تمنع قطًا من اصطياد الفأر فإن ثمة طريقتين فقط للقيام بهذا الأمر، أولهما حبس الفأر، وثانيهما حبس القط، وفي كلتا الطريقتين فإن الفأر سوف يكون بأمانٍ تام، وهذا بالضبط ما يحدث فيما يتعلق بالحجر الصحي، فهو يفعل الأمرين، حيث أنه يمنع المرض من الانتشار من خلال حبس المرضى، وكذلك يمنع غير المرضى من الوصول إلى المرض من خلال منعهم من الوصول إلى مكان الحجر، أرأيتم كيف يتم الأمر؟

مُحاصرة المرض تُعتبر بلا أدنى شك طريقة من طُرق تقليل الأخطار المُحتملة، كما أنها تُعتبر كذلك أحد الطرق التي يُمكن من خلالها التوصل إلى مصدر المرض وسببه، فالحصار يعني أنك ستحبس المرض في بيئة مُعينة، تلك البيئة سوف تجعلك تتوصل إلى الاختلاف بينها وبين البيئة الخارجية التي كانت سببًا في انتشار المرض، والحقيقة أن القدرة على حصار المرض خلال الحجر الصحي قد أثبتت فاعلية كبيرة خلال كل الظروف المشابهة التي مر بها العالم قديمًا.

الحد من الخسائر بالأرواح

عندما يضرب المرض أو الفيروس جماعة أو قبيلة أو حتى دولة كاملة فإن كل ما سيكون مُتاحًا في ذلك الوقت هو البدء في عد الخسائر الكبيرة بالأرواح، والتي بلا أدنى شك ستكون كثيرة للغاية، حيث أن معظم الفيروسات والأمراض الخطيرة التي انتشرت في العالم كانت تنتشر أكثر من خلال الهواء الجاري في الجو، والسؤال الآن، هل يُمكن السيطرة على الهواء الذي نتنفس من أجل الحد من الخسائر؟ بالتأكيد لا، لكن ما يُمكن فعله هو الحد من تلك الخسائر من خلال السيطرة على المرض نفسه، حيث أن عمليات الحجر تقتل عمليات الانتشار من مهدها ولا تُعطيها فرصة في التفرد أكثر وأكثر، فإذا اختلى المرض بالهواء سيكون من الصعب جدًا السيطرة عليه، وهنا يظهر الدور الكبير للحجر الصحي من خلال قيامه بالحد من الخسائر عن طريق منعه للانتشار المحتمل الذي يتم كما ذكرنا عن طريق الهواء، إنها عملية مُعقدة وصعبة بكل تأكيد، لكن الحجر الصحي أثبت أنه قادر على تنفيذها بأفضل صورة ممكنة.

تجنيب غير المُصابين الإصابة

على نفس الدرب السابق فإن تجنيب غير المصابين الإصابة أحد المهام الرئيسية التي يستطيع الحجر الصحي تأديتها بأبسط الطرق المُمكنة، حيث أننا عندما نحجب المصابين عن الاختلاط بغير المصابين فإننا بهذه الطريق نمنع انتشار المرض وتسلله إلى غير المصابين به، وطبعًا كلنا نعرف تلك الإجراءات الصارمة التي يتم تطبيقها على الذين يتعرضون للحجر، حيث يُمنعون تمامًا من التواصل مع ذويهم بأي طريقةٍ ممكنة، كما أنهم يُطالبون بالتخلص من كل الأغراض والمتعلقات الخاصة بذويهم الذين أُصيبوا بالمرض وتم حجرهم، وبالطبع هذه إجراءات تبدو قاسية بعض الشيء، لكنها في نفس الوقت ضرورية ولا مفر منها إذا أردنا حقًا التعامل مع ذلك الداء أو الفيروس وتجنيب غير المصابين الإصابة به.

منح الوقت للأطباء وأهل الطب

طبعًا كلنا نعرف أن المرض عندما ينتشر فإنه يبدو كبالوعة الصرف التي لا يُمكن لأحد السيطرة عليها، حيث أن طرق نقل كثيرة مثل الهواء تأخذ المرض أو الفيروس ثم تتناقله في كل مكان، والحقيقة أنه يمكن تفادي ذلك الأمر فقط من خلال الحجر الصحي السليم، لكن هل تعرفون ما الذي يوفره الحجر الصحي أيضًا؟ إنه الوقت، أثمن شيء قد نحتاج إليه في مرحلةٍ كهذه، حيث أن الوقت الذي نوفره ونمنع المرض فيه من الانتشار من خلال الحجر الصحي يُعطي الأطباء والمُتخصصين فرصة من أجل التقاط الأنفاس أولًا وثانيًا من أجل البحث عن دواء مناسب، ومما لا شك فيه أنه إذا كنا مُخيرين حقًا بين التضحية بين المجموعة التي أُقيم عليها الحجر والبشر الخارجيين فسوف نختار بالتأكيد أولئك الأصحاء، والذين قد يكون من بينهم الأطباء القادرين على الإنقاذ ومنع الأمور من التفاقم.

البحث عن المصدر

دعونا نُكمل على نفس المثال السابق، فإذا انفجرت البالوعة وتسببت في الكثير من الفوضى فإن الحل الأول لها سيكون بلا شك سد تلك البالوعة وإيقاف التصرف، لكن هذا سيحدث فقط في حالة معرفتنا بموضع البالوعة المُنفجرة، أما في حالة الأمراض فإن الطريقة الأمثل التي يُمكن من خلالها إيقاف المرض هي الحجر الصحي، حيث أننا عندما نقوم بحجر بعض الأشخاص المُصابين ويتضح أن ثمة وجود للمرض في مكانٍ آخر فسوف يكون من المنطقي تمامًا أن يكون ذلك المكان الذي لا يزال نشطًا هو الموضع الرئيسي للمرض، أو بمعنى أدق، هو الأجدر بالمراقبة والتعامل، وهذا ما يُثبت تمامًا كفاءة الحجر الصحي كطريقة يُمكنها إيقاف انتشار المرض بصورة مُخيفة.

كيف يتم الحجر الصحي؟

يتم الحجر الصحي غالبًا من خلال بعض الخطوات الشهيرة المُعتادة في مثل هذه الظروف، فأولًا تُعلن في المحطات الفضائية والقنوات الإعلامية بكافة أشكالها أن ثمة مشكلة ما مُتمثلة في مرض أو فيروس، وبالتالي يذهب الناس إلى المستشفيات فور ظهور هذه الأعراض عليهم، ومع إجراء بعض الفحوصات السريعة يُمكن تحديد إذا ما كانت الحالة تستدعي الدخول ضمن نطاق الحجر الصحي أم أن الفيروس لم يتمكن بعد من التغلغل بها وبالتالي يُمكن الاستغناء عن نظام الحجر، لكن غالبًا ما يتم الإقرار الحجر على كل الحالات تجنبًا لحدوث أي نوع من أنواع العدوى مما سيؤدي بالضرورة إلى تكاثر أعداد المرضى، وهو آخر شيء تُريده الحكومات بكل تأكيد.

بعد أن يتم إقرار حجر المرضى يتم اصطحابهم إلى أماكن مُخصصة ومُجهزة لاستقبالهم، هذه الأماكن عادة ما تكون غير طبية مئة بالمئة، بمعنى أنها ليست مُستشفيات بالمعنى الذي نعرفه للمستشفيات، لكن يُمكن أن تؤدي بسهولة دورها عن طريق الطاقم الطبي الذي يكون على أهبة الاستعداد في هذه الأثناء، وبعد ذلك تتم كافة المعاملات من خلال الكمامات والأدوات العازلة، ولكم أن تتخيلوا بأن الأطباء الذين يدخلون منطقة الحجر الصحي يُمنعون من العودة إلى بيوتهم حتى ولو لم يكونوا قد أُصيبوا بالمرض، وهو إجراء يُقصد منه أخذ كافة احتياطات السلامة بكل تأكيد، عمومًا في النهاية يحصل الناس على اللقاح ويعودوا إلى بيوتهم أو بكل أسف يموتون جميعًا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

4 − 4 =