تسعة بيئة
البطاريق
بيئة » الطبيعة » البطاريق : أول الحيوانات المتأثرة بمشكلة تغير المناخ

البطاريق : أول الحيوانات المتأثرة بمشكلة تغير المناخ

حيوانات البطاريق هي حيوانات ذات طبيعة حساسة جدًا، إذ أنها تتواجد في بيئة هشة من الناحية البيئية، وتتأثر بالمشاكل التي تحدث لكوكبنا بشكل كبير جدًا.

البطاريق واحدة من أكثر المخلوقات عرضة للتهديد في عالم اليوم .يعاني عالمنا اليوم من كثيرٍ من الظواهر غير الطبيعية وغير الصحية والتي تُنبئ في بعض الأحيان بكارثةٍ محققةٍ قادمةٍ في الطريق نحونا قد تنهي الحياة تمامًا على سطح الكوكب الوحيد المؤهل والآهل بالحياة في مجرتنا بأكملها إن لم نستدرك الأمر بسرعة ونحاول أن نتجه بمسار الحياة على كوكبنا في اتجاهٍ بعيدٍ عن الباب الموصد أمامنا، في بعض الأحيان قد يبدو ذلك مستحيلًا أو على الأقل فإن الجهود المبذولة والخطط الموضوعة مهما بلغت من دقتها وجودتها لا تمنع الكارثة المحققة القادمة إلينا وإنما تبطئ من سرعتها نحونا فقط لا أكثر!

تأثر البطاريق بالتغير المناخي

الكوكب ليس بشرًا وحسب

لكن هل نحن الوحيدون المتضررون من أي مأساةٍ تطل في الأفق؟ بالطبع لا فالحياة على هذا الكوكب وإن كان الإنسان أرقى كائناتها فهي لا تقتصر عليه، بل إن بعض الكائنات الأخرى تكون أكثر تضررًا وتأثرًا ببعض الظروف التي يستطيع الإنسان مواجهتها والنجاة منها بينما تنقرض تلك الكائنات لعجزها عن مواجهة ما أصابها، من أهم تلك المشاكل والتي أصبحت في خانة المشاكل الطارئة التي لا يمكن التغاضي والسكوت عنها بعد الآن وإن لم نجد لها حلًا سريعًا فسنهلك هي مشكلة المناخ والتغيرات المرعبة في درجة الحرارة في مناطق عدة من الكوكب، فلم يعد تغير درجة الحرارة مجرد درجات تكاد تكون نظرية عند خبراء الأرصاد وإنما صارت واقعًا يشعر به كل شخصٍ يمشي في الشارع وتتأثر به بعض الكائنات تأثرًا يكاد يصبح مصيريًا في تاريخها، مثل البطاريق مثلًا، تلك الكائنات الصغيرة اللطيفة المحبة للثلج والتي تتخذه بيتًا لها، فماذا إن لم يعد هناك ثلج؟! ما مصيرهم؟

أسباب تغير المناخ

لم تستيقظ الأرض يومًا لتقرر أن تغير مناخها أو تخرج عن مدارها فتقترب من الشمس مقدار شعرة أو حتى تبتعد عنها، بالطبع لهذه التغيرات أسبابٌ لا نستطيع ذكر بعضها بدون توجيه اصبع الاتهام للإنسان باعتباره موجدها ومسببها بإهماله وأنانيته معرضًا نفسه وغيره من كل صور الحياة للخطر، في البداية فالتغير الطبيعي في المناخ أمرٌ مألوفٌ ومعهود منذ قدم الزمن، وعلى مر التاريخ شهد الإنسان مناطق شديدة البرودة صارت حارة وربما العكس في بعض المناطق، وأرجع العلماء التغيرات الطبيعية لعدة عوامل منها كافة العلاقات بين الأرض والشمس ما بين اقترابٍ أو ابتعاد ودوران الأرض واستقبالها لحرارة الشمس، كما تلعب البراكين دورًا لا بأس به في تلك التغييرات، لكن التأثير الأضخم والأكبر على المناخ الذي شهده الإنسان كان الاحتباس الحراري، وهو صانع كابوس تغير المناخ بهذه الطريقة المرعبة على كل الأحياء.

الاحتباس الحراري

ليت الاحتباس الحراري كان مصيبة في حد ذاته وكفى وإنما هو مصيبة بسيطة وحدها، أما الأكثر بشاعةً وخطرًا هي كل المشاكل والمصائب الناتجة عنه والمترتبة عليه، إن الاحتباس الحراري ما هو إلا عملية تحويلٍ لكوكبنا من كوكبٍ بريءٍ إلى قنبلةٌ على وشك الانفجار في أي لحظة، في البداية فإن الاحتباس الحراري ظاهرة تعتمد على عمليةٍ طبيعيةٍ جدًا تتم في الكوكب منذ ن خلقه الله، وهي أن أسعة الشمس تسقط على الأرض مخترقةً الغلاف الجوي ثم تعكسها الأرض بعد ذلك نحو الفضاء فيقوم الغلاف الجوي بغازاته وغيومه ومكوناته بالاحتفاظ بجزءٍ من تلك الأشعة والحرارة بغرض الحفاظ على دفء الأرض ويسمح للبقية بالمرور، في العصر الحديث وبعد الثورة الصناعية تعرضت سماؤنا لهجومٌ شرسٍ من الغازات والعوادم والغبار وبخاصةٍ غازي ثاني أكسيد الكربون والميثان واللذان صارا يشكلان نسبةً خطيرةً في سمائنا، ويقوم هذان الغازان مع بقية العوادم بتشكيل طبقةٍ شبه عازلة صارت مع الوقت تمنع كميةً أكبر فأكبر من الأشعة والحرارة من الخروج إلى الفضاء، وبالتالي تحول الأرض إلى غرفةٍ محتقنةٍ بالحرارة المتزايدة بداخلها التي لا تجد لها منفذًا للخروج وإنما تستمر في الزيادة يوميًا!

الاحتباس الحراري يهدد كل شيء

بهذا الاحتقان الخطير الذي يضع الاحتباس الحراري فيه أرضنا صرنا جميعًا مهددين بالانفجار في أي لحظة، الحرارة في ازدياد والشتاء صار أقصر فأقصر وأكثر دفئًا، حتى أن بعض المناطق لم تعد تشهد شتاءً بعد اليوم وإنما نفحاتٍ من البرد في فصل الشتاء يخالطه جوٌ ما بين الصيفي والربيعي، ليس مهمًا كل ذلك بقدر أهمية ذوبان الجليد من قمم الجبال والدول الجليدية والقطبين الجنوبي والشمالي! بقدر الفيضانات التي صارت تصيب بعض البلاد بسبب الانهيارات الجليدية وذوبانها، وارتفاع منسوب مياه البحار والمحيطات بشكلٍ بدأ حقًا يهدد بابتلاع اليابسة لمدى لا يعلمه إلا الله وحده، ومن ناحيةٍ أخرى فالقطب الجنوبي والقطب الشمالي هما موطنان للعديد من الكائنات الحية القطبية والتي بدأ تأثرها بتغير المناخ يؤدي إلى نتائج مرعبة كانقراض فصائل منها بأكملها أو انخفاض أعدادها لدرجةٍ مرعبة كالبطاريق والدببة القطبية التي صارت تعاني الضعف والهزال والنقص في الأعداد والعجز عن إيجاد المأوى والطعام.

البطاريق

ما البطريق إلا أحد الطيور البحرية الجليدية اللطيفة، غير قادرٍ على الطيران لكنه سباحٌ ماهر والأهم من كل ذلك هي قدرته الفريدة على الحياة في المناطق الباردة والسباحة في مياهها ليصبح غير قادرٍ على الحياة في منطقةٍ أقل برودةً من برودة القطبين، خاصةً القطب الجنوبي العامر بالكثير منها، أو الذي كان عامرًا قبل لأن يهدد المناخ وجودها في كل مكانٍ لا القطبين فحسب، يوجد من البطريق عدة فصائل بعدة أحجام واختلافات وأشكال أكبرها وأبرزها وأكثرها شهرة هو البطريق الامبراطوري الذي يعادل قامة طفلٍ في العاشرة من عمره تقريبًا، يساعده على تحمل البرد معطفه الفروي الغزير الذي يتكون من أربع طبقاتٍ من الفرو كما يخزن جسمه الدهون للحصول على الدفء والطاقة معًا، يتغذى على الكائنات البحرية التي يصطادها من مياه قطبه، تظهر لطافة ذكر البطريق في تزاوجه عندما تعجبه إحدى الإناث فيقبل عليها فإن أقبلت تودد لها وجلب لها بعض الحجارة الملساء الجميلة كهدية وإن قبلتها تزوجها، غالبًا ما يتزاوجون في فصل الشتاء فتضع الإناث البيض ويرقد عليه الذكور لتدفئته بينما تخرج النساء لجلب الطعام لهما وللأطفال من بعد ذلك.

نجوا من العصر الجليدي لينقرضوا بالاحتباس الحراري

تعرضت البطاريق في فترات حياتها لعدة مخاطر وتهديدات كان من أبرزها العصر الجليدي الماضي الذي كاد يهددهم بالانقراض، فالظروف الباردة القاسية التي تعرضوا لها جعلت أعدادهم تقل بطريقةٍ كبيرة وخطيرة بينما انقرضت العديد من فصائلهم ليتبقى منها ثلاثة فصائل لا أكثر وتبقى بقية الفصائل مجرد ذكرى في كتب علوم الحيوانات، أما الفصائل المتبقية فانهارت أعدادها بشكلٍ كبير ونجى منها عددٌ ضئيلٌ كان انهياره أمام الظروف كغيره يهدد نوع البطاريق بأكمله بالانقراض، أما الآن فالبطريق انتهى من أزمته مع العصر الجليدي ليبدأ أزمةً جديدةً أكثر تهديدًا لبني جنسه مع الاحتباس الحراري، والتي مهما حاول مقاومتها والتغلب عليها فهي لا تهدده وحده وإنما تهدد مأواه أيضًا بالانهيار والاختفاء! كان مناضلًا لحياته في العصر الجليدي لكننا اليوم نعاني قلقًا حقيقيًا من أن تنهار مقاومته ونضاله أخيرًا ويستسلم للتهديدات.

التأقلم

التأقلم سنة الحياة وعادة الحيوانات منذ القدم، صحيحٌ أنه أشد رقيًا وتعقيدًا في الإنسان إلا أنه ما يزال جزءًا من التكوين الوجودي للحيوانات وبعض الكائنات الأخرى كالفيروسات مثلًا، وهو ما جعل كل حيوانٍ يعتاد على بيئةٍ معينة ويعيش فيها ويتكاثر وتأتي أجيالٌ بعد أجيالٍ منه متأقلمةً على ما تأقلم عليه آباؤها، لكن في بعض الأحيان تكون البيئة ضد الحيوان فتجبره على التأقلم على عكس ما نشا عليه من صغره، بعض الحيوانات تنجح في التأقلم والبعض الآخر يفشل وينهار فينقرض، من أوجه التأقلم التي تحاول الحيوانات تقديمها عند وقوف الظروف ضدها هي الهجرة وترك المكان الذي يهدد حياتها وإيجاد وطنٍ آخر يشابه وطنها الأول وهو ما تحاول البطاريق فعلًا القيام به، شيءٌ آخر أكثر إثارةً للاهتمام كالتغيرات الجينية التدريجية عبر الأجيال ليأتي في النهاية جيلٌ قادرٌ تمام القدرة على التأقلم والتعايش في البيئة الموجود فيها باعتبارها موطنه الأصلي لا يضايقه شيءٌ فيها وهو ما قامت به فصيلة البطريق الامبراطوري في العصر الجليدي محاولةً النجاة بحياتها من الموت والانقراض.

سلبيات تغير المناخ على البطاريق

بالإضافة إلى ما تعاني منه البطاريق من زيادة درجة الحرارة التي لا تستطيع تحملها في بعض الأحيان أو ذوبان الجليد وانهيار مواطنها مضطرةً إياها إلى الرحيل للبحث عن موطنٍ آخر فلا تبقى تلك المشاكل التي تواجهها، يؤدي الاحتباس الحراري والزيادة في درجة الحرارة إلى زيادة انتشار الأوبئة والأمراض وقد ظهرت بعض الأمراض التي تصيب صغار البطاريق وتتسبب في موتها مما يتسبب في نقص إعدادها القلية في الأصل، كما تؤدي تلك البيئة غير المحتملة بالنسبة إليه إلى ضعف مناعته وقوته وهزاله وضعف التكاثر وإصابته بالأمراض العديدة ما يؤدي كالسابق لنقص أعداده، من جهةٍ أخرى فالتغيرات في حياته تلك تؤدي إلى تغير أسلوبه في الحياة ودورة تزاوجه وتكاثره واختلاف أوقاتها بشكلٍ يصبح غير ملائم ولا مناسب للصغار كما يؤثر على التوازن الطبيعي للبيئة، فكل دورة حياةٍ لكائن مهما بدت لنا منفصلة ومستقلة ما هي غلا ترسٌ صغيرٌ يدور في المحرك الكبير على الكوكب، فلو توقف أحد التروس عن العمل ثم قرر الدوران في الاتجاه المعاكس لا تتوقع ألا يؤثر ذلك على الآلة بأكملها، حقيقةٌ أخرى نحتاج إلى الالتفات لها وهي أن التغير المناخي لا يؤثر على البطاريق وحدها وإنما يؤثر على طعامها كذلك من أسماك وثروة بحرية ما يؤدي إلى دخولها في نوعٍ من المجاعة فيزيد من نسبة موتها وضعف مناعتها وتعرضها للانقراض!

موتها صرخة استغاثة

تلك الحيوانات قد لا تملك القدرة على الكلام وطلب النجدة والمساعدة والتحاور معنا، إلا أن موتها وانقراضها ما هو إلا صرخات استغاثةٍ تأتي منها إلينا وحقها علينا وواجبنا أن نمد لها يد العون حتى لو لم تكن في قلوبنا رحمةٌ بهم فلننظر لمنطق الإنسان الأناني ونحن نحاوره ونخبره بأن الإخلال بالنظام البيئي بانقراض كائناته ظننًا منه أن ذلك يفسح المجال للإنسان ليعيش أو على حساب تطور الإنسان ماهو إلا خطواتٌ سريعةٌ نحو انهيار كوكبنا وربما انقراض جنسنا أيضًا! هذا الكوكب بحاجةٍ لوقفاتٍ حازمةٍ وحاسمة للنظر في كل الأخطار المحدقة به وكل الأخطاء التي يرتكبها الإنسان في طريق تقدمه المجنون، كل بطريقٍ يموت ليس مجرد حيوانٍ مجهول فارق الحياة وانتهى إنما هو مؤشرٌ وخطوةٌ نحو الموت لنا وجهاز إنذارٌ يصرخ بنا لنتوقف قليلًا ونعيد النظر في كل ما يحدث من حولنا، أحيانًا تبدو كتب التنمية البشرية مبتذلةً حقًا عند قول تلك الجملة لكنها هنا تبدو واقعيةً وحقيقيةً عندما تخبر أحدهم أن “ابدأ بنفسك!”.

غفران حبيب

طالبة بكلية الصيدلة مع ميولٍ أدبية لعل الميل الأدبي يشق طريقه يومًا في هذه الحياة

أضف تعليق

20 − 12 =