استصلاح الأراضي البحرية : هل هو الأمل الجديد لتوفير الطعام للملايين؟

استصلاح الأراضي البحرية عملية زراعية بدأت قبل فترةٍ وكان الهدف الرئيسي منها زيادة مساحة الأراضي التي يُمكن زراعتها، وقد أتت هذه العملية أُكلها بالفعل.

تُعتبر عملية استصلاح الأراضي الزراعية واحدة من أكثر العمليات التي يُنتظر أن تُفيد البيئة، وخاصةً من الناحية الزراعية، فمع تناقص مساحة الأراضي الصالحة للزراعة لجأ الإنسان إلى خلق هذه النوع من الأراضي بنفسه، والحقيقة أنه لم يكن خلقًا بالمعنى الحرفي، وإنما فقط المقصود به سعي الإنسان وبحثه في البحار من أجل إيجاد الأراضي الصالحة للزراعة، حتى أن إحصائية عالمية خرجت تقول بأنه في كل عام يتم استصلاح ما لا يقل عن خمسين فدان، وهي مساحة هائلة بكل تأكيد، عمومًا، دعونا في السطور الآتية نقترب أكثر من عملية استصلاح الأراضي البحرية ونعرف كيفية حدوثها والهدف الرئيسي منها، وهل نجحت أم لا؟

استصلاح الأراضي البحرية

قد يُثير لفظ استصلاح الأراضي البحرية اندهاشًا لدى البعض، خاصةً وأننا نتحدث عن استصلاحها من أجل الزراعة، بل إنها في الأساس لا تُستصلح سوى من أجل الزراعة فقط، فجميعنا يعرف مآل البيوت التي تُبنى على أرض بحرية، تلخيصًا، المقصود باستصلاح الأراضي البحرية هو جعلها مُناسبة أكثر للزراعة.

استصلاح الأراضي البحرية كما هو يتضح من الاسم يقتصر على البحار فقط، لأن المياه النهرية لا تحتاج لعملية الاستصلاح، وهو ما يجعلنا في خضم تحدي كبير، فكيف يمكن استصلاح أرض بحرية قوامها في الأساس مياه مالحة لا تصلح لأي شيء؟ هذا ما حاول العالم الإجابة عنه في نهاية القرن التاسع عشر.

بداية الاستصلاح

بدأت عمليات استصلاح الأراضي البحرية في نهاية القرن التاسع عشر، وتحديدًا في عام 1890 في مدينة هونج كونج، فبالرغم من أن البلاد كانت في حالة استعمار وقتها إلا أن مشروع برايا انطلق في هذا العالم وتسبب في استصلاح ما يزيد عن ثمانين فدان من الأرضي البحرية في هونج كونج، وأصبحت بالفعل قابلة للزراعة.

مشروع برايا لم ينجح في استصلاح الأراضي البحرية فقط، بل منح كذلك الأمل لكثير من البلاد في مواجهة قلة مساحة الأراضي الزراعية الموجودة بها، وما هي إلا سنوات قليلة حتى بدأت مشاريع استصلاح الأراضي البحرية في الانتشار بكل رقعة في العالم، بما في ذلك قارة أوروبا الكبرى.

مشاريع استصلاح الأراضي البحرية

مشاريع استصلاح الأراضي البحرية لم تتوقف، بل أخذت تتدفق عقب نجاح مشروع برايا، فقد حدثت عدة مشاريع أخرى في مدن كبرى مثل طوكيو اليابانية وموناكو الفرنسية وإحدى سواحل بريطانيا الكبرى، كل هذه المشاريع حققت نجاحًا كبيرًا، وخاصةً مشروع طوكيو الذي نجم عنه استصلاح ما يزيد من عشرين بالمئة من مساحة سواحل طوكيو.

مشاريع استصلاح الأراضي البحرية لم تقتصر في الحقيقة طالت كل ربوع العالم، بما في ذلك أوروبا وأمريكا الشمالية والشرق الأوسط، وأسيا بالتأكيد باعتبارها أكثر الدول حاجة إلى ذلك الاستصلاح نظرًا لنسبة الصحاري المرتفعة بها وكثرة المنافذ الخليجية الصالحة لهذه العملية، عمومًا، كان السعي لاستصلاح الأراضي البحرية على رأس قائمة المشاريع التي يُفكر بها المسئولين، ورجال الأعمال كذلك، وكان هناك نموذجًا حيًا على ذلك الشيء يتمثل في الجزيرة الصناعية.

الجزيرة الصناعية، أهم مشاريع الاستصلاح

لا تقتصر عملية استصلاح الأراضي البحرية على الزراعة فقط، بل تمتد أيضًا لتطال الصناعة، والدليل على ضلوع الصناعة في هذه العملية بقوة هو إنشاء الجزر الصناعية، والتي بدأت تغزو العالم بأكمله، وهي تتمثل في جزيرة مائية تقوم على بحر في الأساس يتم إنشاء مشاريع صناعية عليها ومدن سكانية تكون جاذبة أكثر للسكان.

بدأت عمليات إنشاء الجزر الصناعية كجزء من الاستصلاح في بداية القرن الحادي والعشرين، ومن أهم الدول التي عملت على هذا الأمر اليابان والصين والإمارات وقطر، فالأخيرة أنشأت برجين كاملين في جزيرة صناعية، كما أنها تستعد كذلك لتشييد استاد رياضي على جزيرة، وذلك من أجل استضافة كأس العالم المقام في عام 2020 بقطر، وإضافةً إلى هؤلاء هناك الكثير من الدول التي بدأت تأخذ ذلك المشروع بالكثير من الجدية وتعتبره أهم وأكثر فائدة من الزراعة مثلًا.

أوجه أخرى للاستصلاح

تشمل عملية استصلاح الأراضي البحرية استصلاح الشواطئ التي تحوط هذه الأماكن، فالحقيقة أنه بالرغم من كون الشواطئ لا تُعد جزء أصيل من البحر إلا أن المد والجذر والأمواج تتكفل بجعلها كذلك، تمامًا مثلما تكفلوا بإفسادها، لذلك تشمل عملية الاستصلاح إعادة تلك الشواطئ إلى طبيعتها مرة أخرى.

استصلاح الشواطئ في الحقيقة يشمل إعادة بناءها مرة أخرى، وقد يتعجب البعض من مصطلح مثل بناء الشواطئ إلا أنه مصطلح واقعي جدًا، فهو ينم عن عملية ترميم تحدث بعد أن تتكفل الأمواج والسيول بتجريم الشواطئ وإفسادها، وتُستخدم مواد مثل الطين والرمل في عملية الترميم هذه، والتي تتكفل بإعادة الشاطئ إلى طبيعته مرة أخرى، ليكون بذلك قد تعرض لعملية استصلاح حقيقية، تُضاف بلا شك إلى مفردات استصلاح الأراضي البحرية.

كيف يحدث الاستصلاح؟

بعد أن تكلمنا عن أهم مشاريع استصلاح الأراضي البحرية فلابد أن بعضكم بالتأكيد يسأل عن كيفية حدوث هذا الاستصلاح وما يلزمه من أجل الاتمام، والحقيقة أن الأمر ليس سهلًا كما تعتقدون، فلن يذهب شخص ما إلى منطقة بحرية ويُقرر أنه سوف يبني بها جزيرة صناعية، أو أنه سيحاولها إلى منطقة زراعية، فالأمر ليس بهذه السهولة المفرطة، إذ لابد أولًا من الحصول على التصاريح اللازمة، لأن هذه المناطق في النهاية تتبع الحكومات.

هذا ومن الطبيعي ألا يتعجب البعض إذا ذهب إلى طلب الحصول على تصريح بالاستصلاح واكتشف أنه مُطالب بشراء المنطقة الذي يريد استصلاحها ودفع مبلغ من المال من أجل السماح بالاستصلاح، فهذا أمر منطقي جدًا إذا ما نظرنا إلى الأرباح التي يُمكن أن يجنيها القائم بالاستصلاح بعد إتمام عمليته، أما إذا كانت الدولة نفسها هي من تقوم بعملية الاستصلاح فبالتأكيد ليست في حاجة إلى أي تصاريح، اللهم إذا كان الأمر يتعلق بالمياه الدولية التي لا تخضع لسيادتها.

نجاح عمليات الاستصلاح

قد يسأل شخص بعد أن يقرأ كل ما مضى عن عملية استصلاح الأراضي البحرية ويقول ببساطة هل نجحت عمليات استصلاح الأراضي البحرية؟ والإجابة، ببساطة أكبر من الذي تم بها السؤال، أجل نجحت عمليات استصلاح الأراضي البحرية، بل وحققت نجاحًا يفوق التوقعات، والدليل على ذلك أن مشاريع الاستصلاح المتوقع حدوثها حتى عام 2020 قد تضاعفت بشكل لا يدع مجالًا للشك، ويدل خير دلالة على ثقة المُستثمرين ورجال الأعمال في هذه العملية.

عندما بدأت عمليات استصلاح الأراضي البحرية كانت النسبة التي يتم استصلاحها كل عام لا تتجاوز الواحد من العشرة بالمئة من الأراضي البحرية الموجودة على الأرض، أما الآن فقد اختلف الأمر تمامًا، وأصبحت النسبة تقترب من العشرة بالمئة، وهي نسبة هائلة بالمناسبة، إذ أن استمرارها سيعني أننا بحلول عام 2100 سوف نكون قد استصلحنا نصف الأراضي البحرية واستخدمناها في الزراعة أو في بناء المدن الصناعية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

12 − 6 =