نظرية التحديد الذاتي

نظرية التحديد الذاتي هي واحدة من النظريات التي تحاول تسليط الضوء على الدوافع الداخلية للأفراد، فهي تركز على وصف ما يحدث لدى الإنسان في داخله، دون النظر إلى أي عوامل أخرى خارجية، فالنظرية تعتمد على ذكر المحفّزات الداخلية للأفراد فقط، والتي تصف سلوك الإنسان بناءً على هذه المحفّزات. قد تظن أن النظرية صعبة، لكننا سنحاول سويًا في هذا المقال أن نبسطها كثيرًا، وأن نستعرض الفارق بين الدوافع الداخلية والدوافع الخارجية، بحيث تكون قادرًا في النهاية على فهم نظرية التحديد الذاتي بسهولة، وتبدأ في الاستفادة من النظرية وتطبيقها في حياتك.

ما هي نظرية التحديد الذاتي، كيف تقوم بفهمها وتحقيقها!

1الفارق بين الدوافع الداخلية والدوافع الخارجية

علينا في البداية أن نفهم الأمر من وجهة نظر العلماء، لأن هذا ما دفعهم لإنتاج نظرية التحديد الذاتي في نهاية البحث. فعندما نتكلم عن الدوافع، سوف نجد أنه لدينا دوافع داخلية ودوافع خارجية.

الدوافع الخارجية مثلًا مثل: المال، الحصول على جائزة، الهرب من العقاب. فكل هذه الوسائل تستخدم من أجل تحفيز الشخص على تقديم أفضل ما لديه.

في حين رأى هؤلاء العلماء أن الدافع الداخلي هو أعلى مستويات الدافعية، حيث الشخص يفعل الشيء حبًا فيه وشغفًا به ورغبةً في تنفيذه، لا من أجل الفوز بنتائج إيجابية معينة، أو الهرب من نتائج سلبية.

ومن هنا بدأت نظرية التحديد الذاتي في الظهور، لأنه حسب رؤية العلماء أن الدوافع الداخلية هي أكثر ما يحرّك الإنسان، فهي تأتي على القمة كما ذكرنا، وبالتالي لا بد من الاهتمام بها بصورة أكبر.

وبالتالي بدأت نظرية التحديد الذاتي تأخذ مكانًا بين النظريات الأخرى الهامة الخاصة بالسلوك في عام 1985 على يد كلٍ من: إدوارد ديسي، ريتشارد راين. ومطلع هذا القرن بدأت النظرية تظهر بشكل أوضح من قبل.

2مكونات نظرية التحديد الذاتي

يظن البعض أن الاعتماد على الدوافع الداخلية أسهل من الدوافع الخارجية، نظرًا لأنه في الحالة الأولى فالأمر يعتمد على الشخص وذاته فقط، بينما في الحالة الثانية فنحن بحاجة إلى توفير مؤثر خارجي كالمال أو الجوائز أو غيرها من الوسائل التي يمكن استخدامها للتحفيز.

على الرغم من أن هذا نظريًا يبدو صحيحًا جدًا، لكن في الواقع، فإن تحقيق نظرية التحديد الذاتي ليس سهلًا، لأن الوصول إلى المرحلة التي يعتمد فيها الشخص على دوافعه الداخلية فقط، هو أمر يحتاج إلى الكثير من المجهود.

ولذلك ذكر ديسي وراين أن هناك ثلاثة مكونات رئيسية في نظرية التحديد الذاتي يمكن التعامل معهم على أنهم يمثلون احتياجات يجب توفيرها للشخص. إن توفرت هذه المكونات، كلما زادت إمكانية الاعتماد على الدافع الداخلي للشخص، أما إن تأثرت واحدة منها، زادت صعوبة الاعتماد على الدافع الداخلي.

كما أنهما أكّدا على أن إشباع هذه الاحتياجات شيء هام جدًا، بقدر أهمية إشباع احتياجات الطعام والشراب، لأن ذلك يساعد الإنسان على الإبداع وكذلك أن يعيش في صحة جيدة.

هذه المكونات الثلاثة هي: حرية الاختيار، الكفاءة، الشعور بالارتباط. وعلى حسب اعتقاد ديسي وراين فإن مكونات نظرية التحديد الذاتي عامة يمكن تطبيقها على الجميع، فهي لا تخص فردًا بعينه، إنما تتعلق بالجميع. والآن سنتحدث عن كل احتياج من هذه الاحتياجات، وكيف يمكن مساعدة الشخص على إشباعها بالشكل الصحيح.

3حرية الاختيار

يُقصد بحرية الاختيار في نظرية التحديد الذاتي أن يكون الشخص هو المسئول عن اختيار قراراته الشخصية، سواءً القرارات المتعلقة بالعمل الذي يرغب في تأديته، أو الطريقة التي سوف يتّبعها في تنفيذه على سبيل المثال.

وهذا لا يعني أن الشخص في هذه الحالة يجب أن يستقل عمّن حوله لكي يطبق حرية الاختيار، فهو من الممكن أن يختار شيء مما يمارسه الناس من حوله، لكن الأهم دائمًا هو أن يكون الاختيار نابع من داخله.

وهنا يأتي دورنا في إشباع هذا الاحتياج بأن نوفّر للشخص قائمة بالأشياء التي يمكنه أن يعمل بها، فلا نفرض عليه الاختيار، حيث أن شرح الدوافع الداخلية في نظرية التحديد الذاتي يخبرنا أنها تحدث عندما يفعل الإنسان الشيء الذي يحبه ويجد شغفه به.

وهذا لا يعني أنه لا ينبغي علينا أن نقدم له النصيحة مثلًا حتى نترك له الاختيار، لكن الأهم هو ألا نجبره على فعل شيء لمجرد رغبتنا في ذلك، أو اعتقادنا أن ما نختاره له هو الصواب، فهذا ما يفعله الأهل في الكثير من الأحيان مع أولادهم باختيارهم للعمل الذي يجب عليهم ممارسته في المستقبل، والصواب هنا أن يسرد الأهل كل الاختيارات المتاحة لأولادهم، ولا مانع بالطبع من إسداء النصيحة، شرط ألا يشعر الولد بأنها إجبار.

4الكفاءة

الكفاءة هي المكون الثاني في نظرية التحديد الذاتي بعد حرية الاختيار، وهي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بها. فالشخص عندما يقرر أن يفعل شيئًا ما، يجب عليه أن يكون قادرًا على توقع النتائج من العمل الذي سوف يؤديه، وأن يعرف درجة قدرته على تنفيذه.

وهو شيء لا يلتفت إليه الكثير من الأشخاص، فعلى الرغم من أهمية أن يُمنح الشخص حرية الاختيار، لكنه يجب أن يكون مدركًا لنتائجه التي سوف تأتي لاحقًا.

فالبعض مثلًا يؤمن بشغفه جدًا، وأنه يجب أن يفعل أي شيء في إطار هذا الشغف، لكنه ينسى أنه قد لا يملك الكفاءة التي تمكنه من تطبيق هذا الشغف بالشكل الصحيح.

لذلك فإن نظرية التحديد الذاتي جمعت بين حرية الاختيار وبين الكفاءة، لأن الأولى تمنح الشخص الشغف لتنفيذ ما يحب، لكن الثانية تمنح الشخص القدرة على تنفيذه، وكلاهما يجب أن يتجمعان سويًا لكي يشعر الإنسان بالراحة.

5الشعور بالارتباط

الآن بعد أن فهمنا دور كلًا من حرية الاختيار والكفاءة، سوف نتحدث عن آخر مكونات نظرية التحديد الذاتي والتي تتمثل في الشعور بالارتباط، أي رغبة الإنسان في إحساسه بأنه جزء من المجتمع من حوله، وأن ما يفعله له أهمية لدى الناس الموجود معهم.

وهذا شيء منطقي جدًا، لأن هناك العديد من الأشخاص لا يشعر بالإنجاز إلا بتقدير الأفراد له، وبالتالي مهما بلغت درجة كفاءته في عملٍ من اختياره، فقد لا يشعر بالتحفيز للمتابعة والاستمرار إلا بعد أن يعرف رأي المجتمع.

مثلًا الشخص الذي يكتب أو يرسم، ينتظر رأي الناس في المنتج الخاص به، ويشعر بالإنجاز والدعم طبقًا لما يُقال منهم، ويحفّزه هذا للمتابعة في عمله.

لذلك كان لا بد من وجود عنصر الارتباط في نظرية التحديد الذاتي لأنها تكمل أضلاع المثلث لدى الشخص.

فهو إن امتلك حرية اختياره لما يريد، وأيضًا بلغ قدرًا عاليًا من الكفاءة في تنفيذه، مع وجود ارتباط بينه وبين الناس من حوله بما يفعله، يصبح قادرًا على تحفيز ذاته وألا يحتاج إلى الدوافع الخارجية كالمال أو الجوائز للمتابعة فيما يفعل، على عكس من يفعل شيئًا بالإجبار، فهو ينظر إلى المقابل منه طوال الوقت باعتباره التعويض عن كونه لا يحب العمل الذي ينفذه، لذلك اهتم دائمًا بأن تحاول تطبيق نظرية التحديد الذاتي على نفسك، ستجد أنك تشعر بالراحة دون الحاجة إلى أي دافع خارجي يساعدك.

1 تعليق

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

4 × 1 =