موت الأم

الموت حقيقة لا يمكن التخلص منها، وهي أمر يواجهنا بشكل دائم لا يمكن إلغاءه من الحياة، ونضطر أن نتقبله ونتعايش معه رغم عدم قدرتنا فهم ماهيته تماما، لكن موت الأم بالنسبة للأطفال الصغار معضلة أكبر يرفضون فهمها خصوصا لو حضر الطفل لحظة الموت أو كان موت الأم بشكل عنيف أمام عينيه، فالطفل لا يدرك معنى الموت كشيء أبدي ولا يستوعب اختفاء أمه من حياته فجأة وبدون سبب، كما لا يستطيع تجاوز حدث موت الأم أمامه، لأنه غالبا ما يحمل نفسه الذنب بأنه وقف عاجزا دون فعل شيء، لذلك يتعامل مع الحياة بمبدأ الرفض والكراهية واللامبالاة. وليتمكن الطفل من تجاوز موت الأم فهو يحتاج للسند والتواصل وخطوات تساعده على التعبير عن مشاعره وتخرجه من العزلة وتسمح له بالانخراط في المجتمع مجددا. كما يحتاج ليشعر بالاطمئنان على نفسه ومستقبله وأن هناك من سيهتم ويعتني به. فكيف نقوم بفعل ذلك وكيف نعالج محنة موت الأم وانعكاسها على حياته؟

شعور الطفل اتجاه موت الأم

يتأثر الطفل بحدث موت الأم في كل مراحله العمرية، وينعكس ذلك على سلوكه سلبا بالانطواء والصمت أو بضرب الآخرين والصراخ بهم؛ وإن كان مسالما في السابق، لذا لا يجب أن نستغرب تحول الطفل الهادئ لطفل غاضب عنيد، ولا يصح مواجهة ذلك بلومه ومعاقبته، كما لا يجب أن نغفل الطفل الذي لا يبدي أي ردود فعل بعد موت الأم وإن كان مشاغبا قبلها؛ مفترضين أنه لم يتأثر أو نسي، ذلك أن من يصمت قد يكون معرضا للأذى النفسي أكثر من غيره لاحتفاظه بمشاعره وكتمان ردود أفعاله إزاء الحدث، لذا علينا أن نفهم ما يشعر به الطفل عند وفاة أمه لنعرف كيف نتواصل معه.

فالطفل في سن قبل المدرسة لا يستوعب فكرة الموت أو الغياب الدائم من حياته، بل يعتقد أنه قد تم هجره لأنه قام بأمر خاطئ، ما يجعله يتشبث بالكبار من حوله خائفا من تركه مجددا أو التردد الشديد عند إقامة علاقة ثقة مع الكبار خوف فقدهم مجددا، كذلك اللامبالاة وضعف في التركيز وعدم الاستقرار النفسي ونزعة تدميرية لما حوله.

بينما في المرحلة العمرية الأكبر قد يستوعب الأطفال موت الأم قليلا، لكن مع إظهار بعض ردود الفعل الحادة كالعزلة والصمت، ونوبات الغضب المفاجئة والاعتداء على من يقترب منهم، وبعضهم يشعر أنه مختلف عن الآخرين ويرفض الاندماج في محيطه مع فقدان للطاقة وعدم الاهتمام بما حوله، وقد تظهر عليهم بعض الأعراض الجسدية كالصداع ونوبات الإغماء والاختناق والإحساس بالألم وفقدان الشهية والشكوى المتكررة من الكوابيس. ويمكن تصور شعور الطفل عامة كالآتي: الشعور بالوحدة والخوف من الحاضر والمستقبل، والقلق من عدم وجود شخص يعتني به، وتفكيره الدائم بالميت والأسباب التي أدت لموته.

مساعدة الطفل على التعبير عن مشاعره اتجاه موت الأم

طقوس الموت من الأمور المتنوعة جدا والتي لا تخلو منها أغلب الأديان والمعتقدات، وهذه الطقوس الجماعية رغم أنها مخيفة بعض الشيء إلا أنها تؤثر بشكل إيجابي على الأطفال؛ بمساعدتهم على فهم حقيقة الموت، ويشعرهم بدعم المحيطين بهم من الذين شاركوا في الجنازة. لذا يستحسن إحضار الطفل لمراسم الدفن والجنازة، وتقبل ردود فعله وقتها ليحس بأنه مرغوب، والعمل على مواساته من بقية أفراد العائلة، حيث أن تواجد الأهل والأصدقاء يزيد من اطمئنان الطفل وبأنه لن يترك لوحده مجددا.

كما يمكن مساعدته للتعبير عن مشاعره نحو محنة موت الأم بالاستماع لكل ما يقوله وتقبل مشاعره كما هي، وفهم ما يشعر به بالتحاور معه والإجابة عن أسئلته بأمانة لشرح ما يريد فهمه، مع تجنب وصف الحادثة إن كانت طريقة الموت مؤلمة، أو السخرية منه ورفض الإجابة عن أسئلته بإسكاته أو بتعنيفه، وهذا سيتم الحديث عنه لاحقا بشكل أوضح.

ومن الضروري السماح له أن يمارس حياته العادية كالخروج والدراسة، بل تشجيعه على الذهاب للعب والاختلاط بأقرانه، وإتاحة الفرصة له للتعبير عن مشاعره بالرسم أو كتابة القصص وممارسة الأنشطة كثيرة الحركة. والعمل على طمأنته بأن هناك من يهتم به ويشرف عليه ويغطي مصاريفه.

الأطفال الذين عاشوا تجربة عنيفة لموت أمهاتهم

موت الأم محنة شديدة تواجه الطفل وتسبب كثيرا من المشاكل النفسية له، ولكن الأسوأ مشاهدة الطفل موت الأم يحدث أمام عينيه بشكل عنيف، ذلك أن الحدث لا يمكن نسيانه بسهولة، وسيصبح كابوسا يطارده في كل موقف يواجهه مستقبلا. وهنا يحتاج الطفل لتدخل شخص بالغ أو معالج متخصص يعرفه جيدا، ويكون قادرا على بذل جهد كبير للتعامل بهدوء وصبر مع عواطف الطفل أثناء التحدث عن الحادث، وكذلك واثقا من أنه يستطيع استكشاف مشاعر الطفل وتعبيره عنها، على أن يقتصر العلاج مع هذا الشخص فقط، مع تجنب وضع الطفل في موقف يضطره للحديث عن الأمر أمام الآخرين.

ومن المهم جدا دراسة استرجاع بعض الأحداث مع الطفل للمساعدة على نسيانها. فخلافا للمتعارف عليه باستخدام التجاهل والهروب كعلاج، فإن تجنب الحديث عن الأحداث التي شاهدها الطفل لا يعالج ولا يؤدي لنسيانها بل لتفاقمها وتحولها لشيء أكبر، لكن يجب أن نكون مستعدين لتقديم الدعم النفسي فورا عند التطرق لأي شيء يضايقه. ومن هذه المشاعر التي توجه الطفل الخوف من الأداة نفسها، كخوف طفل شاهد أمه تحترق من النار وتجنبه التعامل معها في أي موقف مما يؤدي لتعطيل حياته، أو شعوره بالذنب لأنه لم يستطع إنقاذها.

التحاور مع الأطفال الذين تعرضوا لمحنة موت الأم

لأن موت الأم مشكلة شائكة وحساسة، يجب أن يكون المتحدث شخصا بمواصفات معينة ليقدر على معالجة حالة الطفل، لذا يجب أن يتحدث بشكل بسيط ولغة سهلة ويتأكد من فهم الطفل له، كما يجب أن يكون مستمعا جيدا وقادرا على التواصل بلغة الجسد إلى جانب الكلام.

كيف تكون مستمعا جيدا؟

عندما تفكر في مواصفات الشخص الذي تتجنب الشكوى له فإنك في الغالب تجد أن الأسباب هي: قلة صبره وعدم اهتمامه بما تقوله، وانتقاده لما تقول بكثرة، وعدم تركك تستمر في الكلام بدون مقاطعة، كما أنه في الغالب لا يهتم لتقديم الحلول لك أو مواساتك ولا يحافظ على ما دار بينكما. وهذه هي مواصفات الشخص المزعج الذي لا يمكن التحدث إليه أبدا. لذا لو أردت أن تكون مستمعا جيدا عليك أن تتجنب هذه الصفات وتكون أكثر تعاطفا اتجاههم، متقبلا لما يقولون، متفهما للمواقف أو الأخطاء الذي صدرت منهم وقتها، كما يجب أن تكون أهلا لطمأنتهم بأنك ستجد حلولا لكل ما يصادفهم مستقبلا، لذا نعود ونؤكد أن الشخص الذي يتم إسناد هذه الخطوة له يجب أن يكون مقربا وقادرا على إحداث تغيير حقيقي في حياة الطفل.

كيف تتواصل مع الأطفال بلغة الجسد؟

ولا يقصد بالتواصل بلغة الجسد هو الإشارات والإيماءات فقط، بل تعد نبرة الصوت أثناء الحديث وتعبيرات الوجه من الأمور التي تترافق مع الكلام وهي ليست بكلام، ولذلك يجب مراعاة هذه الأمور جيدا أثناء التواصل مع الأطفال، فالطفل قد لا يستوعب الكلام بسبب نبرة الصوت الغاضبة أو العالية لأنها تقوم بتشتيته وإرباكه، وربما يتجنب الرد أو التحدث حينما يستشعر تهكما أو سخرية في ملامح المتحدث معه، أو قد يحتاج للإشارة عند عدم فهمه لأمور أو عدم قدرته على الوصف بالكلمات. لذا يجب مراعاة هذه الأمور وعدم الاستخفاف بفهم الطفل وقدرته على قراءة لغة الجسد، وذلك بتشجيعه بالمزاح معه لكسب ثقته، وبالإيماءات والابتسام والتواصل بصريا لمعرفة حالته النفسية حينها، وتجنب التململ والتضايق وإظهار التوتر.

مهارة طرح الأسئلة

نحتاج لفتح أي حوار لطرح مجموعة من الأسئلة، وتوجيه الأسئلة بشكل صحيح يساعد الطفل على الشعور بالاسترخاء والهدوء والتحدث عن مشاعره وما أفكاره بحرية. وهناك ثلاثة أنواع للأسئلة: مغلقة وموجهة ومفتوحة، فالمغلقة أو المقيدة هي الأسئلة التي تعتمد على إجابات محددة بنعم أو لا أو كسؤال الطفل عن عمره أو عدد إخوته، وهذه تستخدم فقط للتعارف وهي ليست مفيدة عندما نحتاج الاسترسال مع الطفل والتحدث عن مشاعره. بينما الموجهة هي الأسئلة التي توحي بالجواب المراد سماعه كأن نقول أنت تحب العيش في بيتك أليس كذلك؟ وهذه الأسئلة لا تسمح بتعبير الطفل عن مشاعره ذلك أنه يجد صعوبة في قول الإجابة المخالفة لما يطرحه مقدم العلاج، ويشعر بضرورة إبداء الموافقة وإن كان غير موافق. ولكنها مفيدة لمعرفة بعض الأمور يشكل غير مباشر.

أما الأسئلة المفتوحة فتشجع الطفل على التعبير عن مشاعره وأفكاره ولا توحي بوجود إجابة صحيحة أو خاطئة ومن أمثلتها ما رأيك بالعيش هنا؟ أو ما الذي تتذكره؟ وهذه الأسئلة مهم اتباعها بتعليقات وردود أفعال توحي بالاهتمام ليستمر الطفل في التحدث بحرية واسترسال. كما يهم التركيز الدائم على وصف المشاعر والحديث عنها.

خطوات لمساعدة الطفل على اجتياز محنة موت الأم

يجب على مقدم العلاج أو ولي الأمر الذي في غالبا ما يكون الأب أو الجدة من ناحية الأم أو من ناحية الأب أو مختص يقومون بتوظيفه؛ أن يكون صدقا في تنفيذ أي خطوة يعد بتقديمها أو مخولا ليقوم بتقديم ما يعد به. وفي حالات الأطفال الذين بدون أهل؛ يجب التواصل مع جهات التبني أو الجمعيات ودور الأيتام ومؤسسات الأمم المتحدة الخاصة بالطفل، ليضمن له حياة مستقرة ضمن أسرة يمكنها الاعتناء به. وهذه بعض الأمور المهمة التي تساعد على اجتياز الطفل لمحنة موت الأم :

تفسير الموت

يعتقد الطفل أن الموت أمرا مؤقتا كما يقرأ في القصص ويتابع في الرسوم المتحركة، لكنه يصدم في الواقع أن الموت أمرا أبديا لا رجعة فيه، وأسهل طريقة لتفسير الموت هي الطريقة العلمية، حيث يمكن أن يفهم الطفل أن موت الأم أو أي شخص يعني عدم قدرته على القيام بوظائفه الحيوية كالتنفس والأكل والشرب والمشي واللعب، وهي الطريقة الملائمة لأطفال من سن 3 ل 5 سنوات، وبعدها يبدأ الطفل بفهم فكرة أنه سيتعرض للموت أيضا. كما يستوعب الأطفال الذين ماتت حيواناتهم الأليفة أكثر من غيرهم، لذا لا يكون فهم الموت لدى الجميع بنفس المستوى.

الحديث عن الماضي: إيجابياته وسلبياته

الكثير منا يعتقد أن الحديث عن الماضي قد يمنع الطفل من مواصلة حياته، أو يسبب له الحزن فيضايق هذا من حوله، ولكن الأمر غير ثابت ويعتمد في الأساس على الطفل نفسه، فبعض الأطفال لا يهتمون بذكرياتهم ولا تنعكس سلبا على مستقبلهم وإن تذكروها، بينما البعض تظل ذكرياته كحجر يثقله ويؤثر على كل أموره في المستقبل، والبعض الآخر من الأطفال يتجنب الحديث عن ذكرياته المزعجة، بينما قد نجد من يرحب بشدة لفكرة التحاور معه حول ماضيه حتى وإن كان يزعجه. لذا علينا أن نكون مستعدين ومتفهمين لكل طفل ونتعامل بما يلائمه لا بما نعتقد. وهنا سنذكر أهم إيجابيات وسلبيات التحدث عن الماضي.

فالإيجابيات: يشعر أن هناك شخص كبير يفهمه فيبدأ بالثقة به، ويساعد الطفل على التعايش مع ماضيه وتجاوز المحزن فيه، وفي ذات الآن يساعد المعالج على معرفة ماضي المريض أو الجانب المخفي منه، كما أن مشاعر الطفل تتحلحل ويبدأ بتذكر الأشياء الجيدة أيضا.

أما السلبيات: فقد يكون الطفل غير راغب أو جاهز لمواجهة مشاعره ربما لكونه يتعرض لضغوطات وقتها، كما أن التحدث عن التجربة مرارا لا يساعد الطفل، خصوصا لو كان المعالج لا يعرف كيف يتصرف في حالة غضب أو انهيار الطفل، فقد ينزعج المعالج أيضا ويبتعد عنه وهذا ضرره بالغ جدا عليه.

دمجه في مجموعات

من أهم الخطوات لإرجاع الطفل إلى حياته الطبيعة أن يدرك أن مشكلته ليست شخصية، بل أمر يعاني منه الكثيرون، لذا يستحسن دمج الطفل مع أطفال ممن عانوا من حدث موت الأم مثله؛ وذلك ليتشارك محنته مع أشخاص يفهمون مشاعره لكونهم تعرضوا لنفس المعاناة، ولكي يتم تجنيبه مؤقتا تنمر الأطفال الآخرين وأسئلتهم المزعجة عن موت أمه حتى يتعافى. ومساعدته على مناقشة أمور كتقبل الاختلافات بين الناس والبحث في أفكار لحل مشكلاته في الحياة.

طلب الدعم والمشورة

طلب الدعم من المقربين منه؛ والذين قد يعرفون بعض الأشياء الإضافية التي لا يعرفها المعالج عن الطفل كالأصدقاء وزملاء المدرسة، يجب على المعالج أن يقوم بطمأنة الطفل وتقبل مشاعره، والتفكير جيدا قبل تقديم النصح أو الطمأنة. كذلك يستحسن استشارة المختصين أو أقارب الطفل من كبار السن قبل تقديم الحلول، ومن المهم ألا تكون الوعود كثيرة لأنها قد لا تتحقق وسيفقد الطفل الثقة وقتها، كما يمكن مناقشة الطفل واستشارته في الحلول حتى لا يشعر بالوصاية وانعدام دوره خصوصا لو كان واعيا.

التركيز على الإيجابيات

إضافة لعدم الحديث عن كل أمر له انعكاس سلبي على الطفل فيجب أيضا ألا نركز عند الحديث على المستقبل إلا على الإيجابي والجيد فيه، وتجنب تخويف الطفل أو إقلاقه. وذكر ما قام به الطفل من أمور جيدة وعدم معاتبته على أي تصرف خاطئ، فقد ذكرنا أن التصرفات العنيفة ما هي إلا ردة فعل لصدمة موت الأم والتعبير عن مشاعر الغضب بداخله لفقدها.

الأطفال عند موت الأم يصبحون ضعفاء يسهل كسرهم، لذا يجب علينا أن نكون حذرين عند التعامل معهم ولا نسبب لهم الضرر والحزن، ونكون قادرون على احتواء محنتهم وفهم مشاعرهم ومواساتهم. ونكون أهلا للمسؤولية عند مساعدتهم؛ مؤهلون لتحقيق ما سنعدهم به، حتى لا نعرضهم لفقدان الثقة مجددا فيما حولهم. ومن الأمور الخاطئة التي نرتكبها عند التواصل مع الطفل أننا نخاف ألا نجد حلولا أو طرقا لمواساته، أو نقوم بقمعه دون أن نشعر بان نقول له لا تفكر في الموضوع أو لا تبكي، لكن في الحقيقة ليس علينا تقديم حلول آنية بل يمكننا الاكتفاء وقتها بتشجيعه على الاستمرار في التحدث والثناء على شجاعته ومواساته عند الشعور بتضايقه أو في لحظات بكاءه، والتأكيد عليه بأننا نفهم مشاعره وندرك حقيقة ما يحس وأننا نقدر ذلك. كما يجب عدم تكذيبه عندما يكذب بل يجب البحث في الأسباب التي تدفعه للكذب كالخوف وعدم الثقة والإحجام عن التعبير بسبب الحزن.

الكاتب: فاطمة الزهراء

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

3 + أربعة =