فيرجينيا وولف

فيرجينيا وولف هي أديبة بريطانية اشتهرت أعمالها بمخاطبة الضمير الإنساني والجانب النفسي من الإنسان، وتعتبر وولف من أهم الرموز الأدبية في القرن العشرين، بدأت في البداية بكتابة الرواية التقليدية مثل رواية “الليل والنهار” خلال عام 1919 ثم وفي مرحلة نضجها الأدبي اتخذت منهج “تيار الوعي” كمسار أدبي لها والذي تجسد في أعمالها الأدبية “السيدة دالواي” عام 1925 ورواية “غرفة يعقوب” عام 1922 وأيضا رواية “الأمواج” التي قامت بكتابتها خلال عام 1930 وعطفاً على كتابة الروايات الأدبية اشتهرت فيرجينيا وولف بكتابة المقالات النقدية والقصص القصيرة، وفي ختام مشوارها الأدبي انتحرت فيرجينيا وولف غرقاً في نهر أوس الذي يقع بالقرب من منزلها وذلك خلال عام 1941.

فيرجينيا وولف : حياتها

فيرجينيا وولف ولدت بمدينة لندن الإنجليزية عام 1882وعند ولادتها كانت تحمل اسم ” أديلين فيرجينيا ستيفن” والدها هو ليزلي ستيفن كان يعمل كاتباً وناقداً وكذلك مؤرخاً ومتسلقاً للجبال الشاهقة هذا عطفاً على كونه المحرر الرئيسي والمؤسس للمعجم الخاص بالسير الوطنية، أما والدتها فهي جوليا ستيفين التي كانت شديدة الجمال وقد ولدت بالهند وكانت تعمل كعارضة لأشهر الرسامين بسبب جمالها الأخاذ مثل الرسام “إدوارد برني جونز”، عاشت وولف في بيت يمتلئ بالثقافة والكتب بفضل عمل والدها وكان كل من والدها ووالدتها متزوجين وأرامل قبل الزواج من بعضهم ولذلك كان لوالف العديد من الأشقاء؛ ثلاثة منهم أشقاء من الأم والأب وهم فانيسا وأدريان وثوبي وأربعة أشقاء آخرين هم؛ ستيفين ولورا وجورج وميكبيس وقد عاش الأطفال الثمانية تحت سقف واحد لفترة طويلة من الزمن وذلك حتى تم إلحاق أخوتها الذكور بالدراسة داخل أروقة جامعة كامبريدج أما الفتيات فكان العرف يقضي أن يتم تعليمهم في المنزل، وكانت فيرجينيا وولف عادة ما تقضي الصيف في مدينة سانت ايفيس وهي بلدة تقع على شاطئ الطرف الجنوبي من بريطانيا حيث بدأت كتاباتها الإبداعية من الجدير بالذكر أن منزل وولف بتلك البلدة لا زال قائماً إلى اليوم يقصده الكتاب من كل أنحاء العالم للحصول على إلهام الكتابة العظيم. خلال عام 1912 تزوجت فيرجينيا وولف من الكاتب الاقتصادي والناقد “ليونارد وولف.”

فيرجينا وولف : دراستها وتعليمها

فيرجينا وولف كانت شخصية تتسم بالمرح وخفة القلب والروح؛ وكانت أيضا شديدة النهم فيما يخص التعليم والتحصيل الدراسي حيث أتقنت اللغات الألمانية واللاتينية واليونانية في قسم السيدات بكلية الملك في لندن كما فازت وولف بمنحة دراسية بنفس الكلية ولكن تعثرت خطى وولف في مجال التعليم بسبب وفاة والدها جراء الإصابة بسرطان المعدة عام 1904 وهو الأمر الذي أثر كثيراً على الحالة النفسية لفيرجينيا وولف وأصابها بنكسة عاطفية لن تتعافى منها حتى الموت، وخلال عام 1906 توفي أيضاً شقيقها ثوبي وهو في عمر السادسة والعشرين بعد إصابته بحمى التيفود عقب رحلته العائلية إلى اليونان، وأثناء تعاملها مع خسائرها الشخصية الفادحة أكملت وولف تعليمها وهي تتعثر في نفسها حيث بدأت الكتابة بشكل محترف في الملحق الأدبي لمجلة التايمز البريطانية.

فيرجينيا وولف : مسيرتها الأدبية

فيرجينيا وولف بدأت مشوارها الأدبي قبل عدة سنوات من زواجها من ليونارد وقد خرجت روايتها الأولى للنور بعد ثلاث سنوات من زواجها؛ ففي عام 1915 صدرت رواية “رحلة الخروج” لفرجينيا وولف والتي استخدمت فيها والف العديد من الأساليب والأدوات الأدبية، وبعد عام من انتهاء الحرب العالمية الأولى اشترت وولف كوخاً في قرية رودميل في عام 1919 وفي نفس هذا العام نشرت روايتها “ليلة وليلة” وهي الرواية التي صدرت عن دار إدوارديان للنشر في إنجلترا، وخلال عام 1922 وارتكازا على وفاة شقيقها ثوني كتبت فيرجينيا وولف “رواية جاكوب”

بالنسبة لرواية السيدة دالواي التي تعد أهم روايات فيرجينا وولف فقد تمت كتابتها عام 1925 وقد أثارت وولف في تلك الرواية الكثير من القضايا النفسية وامتلئت الرواية بالمونولوجات الداخلية وتناولت قضايا النسوية والمرض العقلي والتغيرات الكثيرة التي أصابت المجتمع جراء الحرب العالمية الأولي، وقد تم تحويل هذا العمل الروائي الفذ إلى فيلم سينمائي عام 1997 ولكن بعد إدخال الكثير من التعديلات على النص الروائي، وقد أثبتت فيرجينيا وولف بتلك الرواية أنها تمتلك موهبة فريدة من نوعها وعلى دراية بالغة بالشكل النفسي للعلاقات الإنسانية.

جدير بالذكر أن فيرجينيا وولف لم تكتف بكتابة الروايات الأدبية ولم تكن في معزل عن المجتمع الإنجليزي ففي عام 1929 نشرت وولف مقالاً نسائياً استناداً إلى محاضرات أكاديمية ألقتها في كليات المرأة وقد درست وولف دور المرأة في الأدب، وارتكازاً على أهمية دور المرأة في الأدب كتبت وولف روايتها “غرفة تخص المرء وحده” حيث يجب على المرأة الكاتبة أن يكون لها مساحتها الخاصة من أجل كتابة الخيال، وطوال حياتها المهنية تحدثت فيرجينيا وولف بانتظام تام داخل أروقة الجامعات والكليات وكتبت العديد من الرسائل الدرامية والمقالات التي تنشر الوعي وكانت قادرة بشكل بارع على تحقيق التوازن بين تحقيق حلمها ككاتبة روائية والتأثير بشكل واعي في المجتمع، وعلى الرغم من النجاح الكاسح الذي حققته فيرجينيا وولف سواء على الصعيد الأدبي أو على الصعيد المجتمعي ظلت نوبات الاكتئاب والتقلبات المزاجية السيئة تداهمها بشكل شرس.

فيرجينيا وولف : اكتئابها وانهيارها النفسي

فيرجينيا وولف تعرضت للكثير من الصدمات النفسية المتتالية وهو ما أدى في النهاية بإصابتها بمرض هوس الاضطراب الوجداني ثنائي القطب Trastorno bipolar ولما لم يكن الطب النفسي متطوراً في تلك الحقبة الزمنية فلم تستطع وولف التعافي بشكل نهائي من هذا المرض، وجدير بالذكر أن حالة وولف النفسية تفاقمت بهذا السوء جراء العديد من الأسباب؛ كانت فيرجينيا تشعر دوماً في صغرها بأنها طفلة غير مرغوب فيها وبسبب كثرة عدد أفراد الأسرة انعدم التواصل العائلي بينهم مما جعلها لا تستطيع التحدث عن آلامها الداخلية مع أي من أفراد الأسرة، كما أدت وفاة والدها إلى التهام الاكتئاب لحالتها النفسية الهشة من الأساس؛ كذلك تعرضت فيرجينيا وولف للعديد من المضايقات النفسية والجسدية من أخيها الغير شقيق جورج، وهناك أيضاً طريقة فيرجينيا وولف المفضلة في مواجهة صعوبات الحياة وهي اللجوء إلى الخيال والفنتازيا كأسلوب دفاع أول ضد واقع العائلة المفكك وهي طريقة لا تقوم بحل المشكلات بشكل قاطع، وأخيراً كانت فيرجينا وولف دائمة التحدث إلى نفسها للدرجة التي كانت تصبح عاجزة خلالها عن التمييز بين الواقع والخيال، ولأن فيرجينيا وولف كانت شخصية خيالية هشة فقد كانت معاصرتها لحربين عالميتين طاحنتين من الأمور التي لم تستطع استيعابها ولا التكيف معها بشكل طبيعي.

فيرجينا وولف : انتحارها

فيرجينيا وولف قررت الانتحار والتخلص من حياتها عام 1941 حيث قامت بملء جيوب معطفها بالكثير من الحجارة وألقت بنفسها في نهر أوس بمدينة لويس وقبل أن تغادر المنزل تركت لزوجها “ليونارد والف” رسالة تعرب فيها عن يأسها وعجزها عن مواصلة الحياة وكان نص رسالتها يتضمن الكلمات التالية ” أشعر بأنني سأصاب بالجنون مرة أخرى، وأعتقد بأنه لا يمكننا أن نمر بفترة من تلك الأوقات الرهيبة مرة أخرى. لقد بدأت أسمع أصواتاً ولا أستطيع التركيز. وعليه فها أنا أفعل ما أعتقد بأنه أفضل ما يمكنني القيام به… لست قادرة على المقاومة بعد الآن، وأدرك بأنني قد أُفسد حياتك وبأنك ستحظى بحياة أفضل من دوني. أنا متأكدة من ذلك”

ختاما؛ كانت شخصية فيرجينيا وولف غارقة في اليأس بشكل كامل في سنوات عمرها الأخيرة، وقد لاقت وولف حتفها والحرب العالمية الثانية مستعرة على أوجها، وجدير بالذكر أن المجتمع الانجليزي لم يغفر لوولف انهزاميتها ولجوؤها للانتحار ولهذا انخفضت شعبية فيرجينيا وولف كثيراً بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، ولكن مع نشوء جيل جديد من القراء وخلال انتشار الحركة النسوية في بريطانيا 1970 عاد نجم وولف للبزوغ مرة أخرى وأضحت من أهم الكتاب تأثيراً في القرن الحادي والعشرين.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

5 − أربعة =