فكرة الحقيقة

يمثل التساؤل عن الحقيقة أحد التساؤلات القديمة الجديدة في نفس الوقت، طوال تاريخ الفكر البشري. فمنذ عرف الإنسان طريقه نحو التفكير وهو يتساءل ويبحث عن الحقيقة وراء كل شيء يراه ظاهرًا أمامه؛ فغاية كل بحث أو معرفة هو أن تصل إلى الحقيقة. حتى أن المعرفة نفسها يتم تعريفها من خلال فكرة الحقيقة ، فنقول أن المعرفة هي اعتقاد صادق (حقيقي) مبرر. ولذلك يلعب مفهوم الحقيقة دورًا مركزيًا في نظرية المعرفة بشكل خاص، وفي الفكر الفلسفي بشكل عام. وسوف يحاول هذا المقال أن يتناول ويعرض هذا المفهوم الشائك عبر زوايا ومنظورات مختلفة، والتي قد تساعدنا على إنارة معالم الطريق أو إعادة طرح السؤال من منظورنا وحسابنا الخاص.

نظريات الحقيقة: نظرية التطابق

فكرة الحقيقة نظريات الحقيقة: نظرية التطابق

تعد نظرية التناظر أو التطابق، أقدم النظريات التي تقوم عليها فكرة الحقيقة أو الصدق وأكثرها شهرة، وأقربها إلى الموقف الطبيعي، ومؤدى هذه النظرية: إن عبارة ما تكون صادقة أو حقيقية إذا كانت متناظرة مع الواقع. فعبارة “السماء تمطر” تصدق وفقط عندما تتناظر مع ذلك الشطر الذي تعنيه من الواقع. ومن بين جميع النظريات الممكنة للحقيقة، فإن نظرية التناظر هي التي تتصل مباشرة بفكرة أن الصدق خاصية موضوعية للعبارات، وكلمة موضوعية هنا تعني مستقلة عن الذهن. إن ما يحدد نصيب العبارة من حيث الصدق أو الكذب هو أمر لا علاقة له بقائل العبارة من حيث سيكولوجيته ودوافعه وأدلته. فالذي يحدد قيمة الصدق في عبارة “السماء تمطر” هو فقط الطقس المحلي –وهو شئ كائن هناك ومستقل تماماً عن الذهن.

تبدو فكرة الحقيقة من منظور صياغة نظرية التناظر أو التطابق، بسيطة وواضحة ومقنعة للوهلة الأولى، وهي أن القضية تصدق إذا كانت توجد واقعة ما تطابقها، وأن القضية تكذب إذا لم توجد هذه الواقعة. لكن حين نريد توضيح هذه الصياغة ونحاول تحليلها، نجد تلك البساطة قد تبخرت وانقلب الوضوح غموضًا وتعرضت النظرية للاعتراضات. لقد شاع الاهتمام بمشكلة الصدق وكثرت المناقشات حولها في أوائل القرن العشرين، فقط حين كتب فيها برتراند رسل وذكر ثلاث نظريات تفسرها، وهي نظرية التطابق ونظرية الاتساق والنظرية البراجماتية؛ وقد تحمس للنظرية الأولى دون غيرها.

وربما يقول البعض أن هذا المعيار الذي تستند عليه فكرة الحقيقة قد يكون معيارًا صحيحًا في الأمور التي يتيسر فيها التحقيق الحسي. وهنا قد تثار مشكلات كثيرة حول الحواس وخداعها، فماذا نفعل عندما لا تتفق حاستان أو أكثر من حواسنا فيما يبلغاننا به كما يحدث عندما تبدو العصا للعين ملتوية في الماء، ونجدها عند اللمس مستقيمة، أو عندما تبدو المادة صلبة في حين أنها لا تكون كذلك. إننا قد جربنا جميعًا تلك الخدع التي يمكن أن توقعنا فيها حواسنا. بل أن هناك خلطًا يحدث كثيرًا بين التحقيق الحسي بمعناه الصحيح وبين ما نسميه (بالموقف الطبيعي) أو الحس المشترك. فالموقف الطبيعي يقول لنا أن سطح هذه المنضدة المصنوعة من خشب البلوط صلب، لأنه يقاوم حاسة اللمس مقاومة كبيرة، في حين أن الفيزياء الحديثة تصف لنا هذا السطح بصورة أبعد ما تكون عن الصلابة، فهو كتلة هائلة من الذرات، تتألف بدورها من نواة مركزية من الطاقة الكهربية تحيط به شحنة سالبة واحدة أو أكثر تسمى بالإلكترونات المحيطة به تعد (صلبة) بأي معنى يقول به الموقف الطبيعي. وهكذا تتحول نظرية التطابق أو التناظر لتصبح مجرد مجاز.

نظريات الحقيقة: نظرية الاتساق

يمكن أن نفهم فكرة الحقيقة والصدق من منظور نظرية أخرى، هي نظرية الاتساق في الصدق. وتمثل تلك النظرية المنافس التقليدي لنظرية التطابق. نادى بها الفلاسفة العقلانيين المحدثين، مثل ليبنتز وسبينوزا، والفلاسفة المثاليون المحدثون والمعاصرون الذين يؤلفون ما يسمى عادة بالمثالية الجديدة أو الهيجيلية الجديدة التي سادت منذ منتصف القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين. وقد تمثلت في فلسفات توماس هل جرين، وبرادلي وبوزانكيت في انجلترا، ورويس وبلانشارد في الولايات المتحدة الأمريكية. نلاحظ أيضًا أن بعض أصحاب الوضعية المنطقية مثل نويرات وكارل همبل، تحمسوا لهذه النظرية رغم أنهم تجريبيون متطرفون. ولم تحظ نظرية الاتساق بالقبول العريض الذي حظيت به نظرية التطابق رغم أنها لم تعدم مؤيدين لها من الفلاسفة البارزين. حيث تكون العبارة صادقة أو حقيقية، إذا كانت متسقة مع جميع العبارات الصادقة. تكون العبارتين متسقتين فقط عندما يمكن أن تصدقا معًا في نفس الوقت. ويمكن أن تصدق العبارتان معًا في نفس الوقت فقط عندما يكون صدقهما معًا لا ينطوي على تناقض.

إن العبارة لا تكون باطلة إلا إذا لم تتكامل مع مجموع معرفتنا أو اعتقادنا. إن نظرية الترابط أو الاتساق، وكذلك كل الأنساق الاستنباطية المبنية عليها، لا تنطوي على حقيقة على الإطلاق، إذا شئنا الدقة. فكل ما لدينا في هذه الحالة هو اتساق منطقي، والذي يستحسن أن نسميه بالصواب؛ وهو لا تربطه علاقة ضرورية بالواقع، أو بالعالم الموضوعي أو بالنظام الخارجي للطبيعة. إن فكرة الحقيقة تقوم هنا على نوع من النظام والترابط المنطقي، قادر تمامًا على أن يقوم في فراغ بالنسبة إلى الواقع الموضوعي. وهناك في الواقع صعوبتان تواجهان هذه النظرية:

الصعوبة الأولى، هي أنه من المستحسن أن نعتبر الاتساق شرطًا ضروريًا للصدق بدلاً من أن نعتبره شرطاً كافياً. وبعبارة أخرى يمكننا أن نقول إن العبارات التي لا تتسق مع بعضها البعض بالفعل يجب أن تستبعد آليًا من فئة الحقائق الصادقة، غير أن العبارات التي تتسق مع بعضها البعض لا تندرج آليًا ضمن فئة الحقائق الصادقة.

الصعوبة الثانية، هي أننا حين نستخدم معيار الاتساق في عملية الغربلة تلك فنحن لا نختبر اتساق العبارة مع كل العبارات الصادقة. لا أحد بحوزته كل العبارات الصادقة.

نظريات الحقيقة: النظرية البراجماتية

فكرة الحقيقة في فلسفة بيرس

تؤكد البراجماتية الكلاسيكية عند بيرس أن مجال البحث هو الرغبة في معرفة كيفية وجود الأشياء بالفعل وأن البحث الحقيقي يكمن في البحث عن الصدق من أجل الصدق، ولكننا نجد الثقافة ما بعد الفلسفية التي تصورتها براجماتية ريتشارد رورتي الثورية أو الجديدة، تتخلي عن الفكرة القائلة أن الصدق أو الحقيقة هي هدف البحث، وتعلن أن “صادق” لا تعني شيئاً أكثر مما يمكن أن تدافع عنه أمام كل المنافسين. وقد وضع بيرس قاعدتين، يعتبران أساساً لنظريته عن فكرة الحقيقة ويوضحان معالمها، هما:

القاعدة الأولي. أننا نعني بالحقيقة، الرأي الذي ينبغي أن يوافق عليه في النهاية، جميع من يتحرونه، وأن الموضوع الذي يتمثل فيه هذا الرأي، يطلق عليه: الواقع.

القاعدة الثانية. أن الحقيقة، هي تطابق بين تقرير حالة مجردة، مع رأي قاطع، يؤدي إليه البحث إلى مالا نهاية، بهدف الوصول به إلى يقين علمي، وهذا التطابق قد يتحقق لهذا التقرير المجرد بالاعتراف بما قد يكتنفه من الخطأ، أو الانحراف، وذلك عنصر أساسي في (الحقيقة).

يرى بيرس في مقالة (كيف نجعل أفكارنا واضحة)، أننا ننظر إلى ما عساها أن تكون النتائج التي نتخيل تولدها عن موضوع تصورنا، والتي يجوز أن تكون ذات تأثيرات عملية على نحو يمكن تصوره. وإذن يكون تصورنا لهذه النتائج هو كل تصورنا للموضوع. وأصبح هذا المعيار يعرف باسم مبدأ بيرس أو القاعدة البراجماتية التي توضح موقف البراجماتية من فكرة الحقيقة ، وهو ما عبر عنه بيرس في غير موضع من كتاباته مثل مقالة (البراجماتية) 1905، فيرى أننا إذا شئنا أن نكتشف معنى تصور عقلي، فلابد من أن نتأمل النتائج العملية التي يجوز لنا أن نتصور أنها تنتج بالضرورة من صدق هذا التصور، وسوف يشكل مجموع هذه النتائج المعني الكامل للتصور. فعندما نتحدث عن الصدق والكذب، فإننا نشير إلى إمكان القضية التي يتم تفنيدها، أعني إذا تمكنا من أن نستدل بصورة مشروعة من قضية على نتيجة تناقض حكمًا مدركًا مباشرًا، فإن القضية تكون كاذبة. وبمعنى آخر، القضية تكون كاذبة إذا تم تفنيدها بواسطة التجربة. وإذا لم تكذب التجربة قضية ما، فإنها تكون صادقة.

وقد يفترض ذلك، بالنسبة لبيرس، أن الصدق والتحقق هما نفس الشيء، بيد أن التأمل يبين أنه محق تمامًا في رفض هذا التوحيد. لأنه لا يقول إن القضية تكون صادقة إذا تم التحقق منها تجريبيًا، وإنما يقول إنها تكون صادقة إذا لم تكن كاذبة تجريبيًا على افتراض أن هذا الاختبار ممكن. وفي مقال “تثبيت الاعتقاد” يميز بيرس بين أربع طرق أو مناهج على حد تعبيره، يمكن بها ترسيخ الاعتقاد، وهي: (منهج التشبث – منهج السلطة – المنهج الأولي – المنهج العلمي). ويمتحن بيرس هذه المناهج ونتيجة هذا الامتحان هي إخفاق المناهج الثلاثة الأولى، ولا يكتب النجاح والقبول إلا للمنهج الأخير وهو المنهج العلمي.

فكرة الحقيقة في فلسفة وليم جيمس

أردا وليم جيمس أن يطبق منهجه العلمي على مشكلة طبيعة الصدق والحقيقة، فذهب إلى أن ما يحدد معنى الصدق، على العموم إنما هو ما يترتب عليها من نتائج، وإذا كنا نحن في العادة نميز بين صدق القضية (من حيث هي قول يكافئ في الإثبات الشيء المثبت) وبين مجموع العمليات التي لابد من القيام بها من أجل امتلاك تلك الحقيقة أو من أجل التوصل إلى معرفة صحتها، فإن الفلسفة العملية ترفض مثل هذا التمييز، وتذهب إلى أن الحقيقة أو الصدق ليسس مجموع تلك العمليات. فالنظرية الصحيحة إن هي إلا تلك النظريات التي تقودنا بالفعل إلى النتائج العملية الفعالة. وهكذا يمكننا أن نقول بصفة عامة إننا نعرف أي موضوع من الموضوعات معرفة حقيقية، حينما نقوم بالفعل أو حينما نستطيع أن نقوم على الأقل بتحقيق تلك العمليات التي من شأنها أن تنتقل بنا من تجربتنا الراهنة غلى تجربة أخرى جديدة تأتي بنا مباشرة أمام الموضوع المراد معرفته.

وقد بدأ جيمس بالاعتراف بأن الفكرة الصادقة (تتفق) أو (تتطابق) مع الواقع، ويصبح السؤال عندئذ عما يعنيه (بكلمتي: يتفق، ويتطابق)، إذا كانت القضية البراجماتية في المعنى أصبحت مقبولة. لقد فكر جيمس في استخدام عدة طرق لكي يعبر بها عن مفهوم الصدق ووجد أن النموذج الأصلي لعملية الصدق هو المبدأ الموجه منطقيًا أو تصوريًا نحو الفكرة، وإلى (ما يمكن) أن (يتم) التحقق منه تحققًا كاملاً وببساطة. ومن المهم أن ندرك أن نظرية جيمس عن فكرة الحقيقة والصدق لا تفترض إنكارًا لنظرية التطابق/ التناظر، فالصدق بالنسبة له، هو خاصية بالتأكيد لاعتقاداتنا، وليس للأشياء. إن الحقائق الواقعية ليست صادقة ولكنها موجودة والاعتقادات تصدق عليها.

إن وجهة النظر التي تقول إن الفكرة أو الاعتقاد يكون صادقاً إذا (كان يعمل) من شأنه أن يفترض النتيجة التي تقول إنه حتى الكذب يمكن أن يوصف بأنه صادق، إذا كان مفيدًا، أو نافعًا لأن نعتقد فيه. لكن عندما يتحدث جيمس عن نظرية (العمل) فإنه يعني أنها يجب أن تتوسط بين كل الحقائق السابقة وتجارب معينة جديدة. إنها يجب أن تربك الحس المشترك والاعتقادات السابقة بقدر المستطاع، ويجب أن تؤدي إلى نهاية محسوسة، أو يمكن التحقق منها بدقة، إن كلمة (يعمل) تعني كلا الشيئين.

انتقادات للنظرية البراجماتية

وقد يوجه عدد من الاعتراضات لنظرية جيمس في الصدق، يمكن إيجازها في عدة نقاط:

إن النظرية البراجماتية بشأن فكرة الحقيقة هي نظرية ذاتية بسبب حديثها عن الرضا والارتياح والاقتناع وأن هذه تحدد صدق الفكرة، لكن يجب أن يكون الصدق موضوعيًا. وقد اعتبر جيمس هذا الاعتراض سوء فهم لنظريته لأنه أكد أن الصدق علاقة بين فكرة وموضوعها وأن الموضوع متميز عن الفكرة خارج عليها وإذا ما قادتني الفكرة إلى واقع محدد فقد حققت شعورًا بالرضا والاقتناع، كأن هذا الرضا مشروط بمطابقة الفكرة للواقع.

الاعتراض الثاني على نظرية جيمس في حياته، هو تجاهله للفلسفة النظرية لكثرة استخدامه كلمات (عملي، مفيد، تدفع، تعمل) كخصائص للفكرة الصادقة.

ويوجد اعتراض وجيه على نظرية جيمس وهو خلطه بين الفكرة والقضية ويتحدث جيميس باستمرار عن صدق الفكرة، لأن الصدق والكذب يحملان على القضايا فقط ولا يحملان على الأفكار، وهذه توصف فقط بالوضوح أو الغموض.

وأخيراً يمكن الاعتراض على نظرية جيمس بأن الصدق ليس مرادفًا للمفيد والنافع حتى من الناحية النظرية البحتة، أو أن المنفعة ليست معيارًا للصدق، فقد توجد قضايا كاذبة لكن لها فائدتها.

معايير فكرة الحقيقة

فكرة الحقيقة معايير فكرة الحقيقة

معيار السلطة السائدة

هناك عدة معايير أخرى غير التحقق التجريبي أو الحسي تعتمد عليها الحقيقة. ويعتبر مصدر أو معيار السلطة أكثر المعايير التي نعتمد عليها كمعيار للحقيقة . وبالرغم من أن السلطة الأخلاقية أو الدينية قد تكون غير مؤثرة على الأشخاص في بعض الظروف والأحيان إلا أن هناك أنواع كثيرة أخرى يخضعون لسلطتها مثل سلطة العلم. فنحن دائمًا نعتمد في اكتساب حقائقنا على مصادر خارجية أكثر من أي وقت مضى. وبالتالي فإن كافة المفاهيم والمعتقدات والتصورات التي يقدمها لنا العلماء على سبيل المثال، تمثل سلطة قوية تمارس علينا وعلى تصور فكرة الحقيقة . واغلب الظن أن كمية المعارف التي نكتسبها بالخبرة المباشرة تمثل الجانب الأقل بالنسبة إلى مجموع معارفنا، عند الشخص المتعلم. وكلما ازددنا تعلمًا واتسع الأساس الذي نبني عليه ثقافتنا، كلما اتسع نطاق السلطات التي نعتمد عليها؛ فارتفاع مستوى التعليم يعني ازدياد كمية المعرفة النظرية والتعلم غير المباشر. إن فكرة الحقيقة هنا هي ما تحدده السلطة السائدة. وبالتالي تصبح المشكلة هي التمييز بين مختلف أنواع السلطة ودرجاتها. لذلك تسعى الفلسفة دائمًا إلى التمييز بين (الحقيقة) وبين (الظن)، وذلك بسبب خضوع الأذهان غير النقدية للسلطة.

معيار الاتفاق الاجتماعي

يرتبط معيار الاتفاق الاجتماعي بمعيار السلطة هو الآخر، حيث نجد فكرة الحقيقة تقوم على اعتبار أن ما يقول الجميع أنه حقيقي فهو حقيقي. وعلى حين أن الاتفاق الاجتماعي يمارس تأثيرًا قويًا على أحكامنا عن الحقيقة في جميع الميادين، فإنه أقوى ما يكون في ميادين العرف والعادات الاجتماعية والأخلاق. وقد كانت الفلسفة طوال فترات طويلة سابقة تتحدى قوة الاتفاق الاجتماعي، حيث أنها دائمًا ما تسعى إلى تنبيه الأذهان إلى ما في هذا الاتفاق من تقلب وتهافت حتى عندما يكون اتفاق عامًا. فدائمًا ما كنا نجد أشخاص لديهم من الشجاعة بحيث يختبرون حقيقتهم بمعيار آخر غير الاتفاق الاجتماعي، فهم لا يرون علاقة بين فكرة الحقيقة وبين رأي الأغلبية.

المعيار الروحي أو التصوفي

إن هذا المعيار الصوفي الروحي هو إدراك نوراني مباشر أو باطني، ولذلك يعد بمثابة اعتقاد عميق راسخ أكثر إقناعًا، ويحمل من اليقين قدرًا كبيرًا عن كل المعايير الأخرى التي تقوم عليها فكرة الحقيقة . والحقيقة أن هذا المعيار هو معيار ذاتي وشخصي بالرغم من تأثيره الكبير على الفرد، ولكن هذا الشعور باليقين الباطن هو شعور لا يعول عليه مطلقًا لذلك يصعب تحليله ومراجعته من قبل الفلاسفة. إنه بمثابة أهم معيار ذاتي للحقيقة.

فكرة الحقيقة في المذهب العقلي

يرى أصحاب هذا المذهب أن كل معرفة مصدرها ملكة العقل. وهي تصدر كمعرفة أولية مستقلة تماما عن المعرفة التي تسببها لنا الخبرة الحسية. وقد اتخذت المذاهب الأولى في الفلسفة الحديثة اتجاهًا عقليًا في نظرية المعرفة، ويصادفنا ذلك مثلًا عند ديكارت واسبينوزا وليبنتز. وتتمثل دعوى المذهب العقلي في أن أي حقيقة إنما يكون مصدرها هو العقل عن طريق تطور داخلي، من مبادئ أصيلة بديهية. وهذه المبادئ لا تأتي من الخبرة، ولا يمكن مراقبتها أيضًا عن طريق الخبرة.

المذهب العقلي الميتافيزيقي

إن فكرة الحقيقة عند هذا المذهب هي فكرة من الأفكار لا يمكن إدراكها إلا من خلال الفكر الخالص؛ فأفلاطون مثلًا يرى أن حقيقة العالم لا يمكن إدراكها عن طريق الحس. والحقيقة الواقعة بالنسبة لنا هي نظام فكري واقع. النفس فكر، وما يفقدها صفاءها هو اتصالها بالجسم. وكلما قل اتصالها بهذا الجسم تكون أحسن حالًا. وهذه المعرفة في نظر أفلاطون معرفة موضوعية، لأن العالم في حقيقته يمثل لديه نسقًا فكريًا. ويصادفنا لدى هيجل تصور شبيه بالتصور الأفلاطوني فيما يتعلق بنظرته إلى الحقيقة الواقعة. فالحقيقة الواقعة في ذاتها تعد في نظر هيجل فكرة.

عقلانية ديكارت

لقد ظلت فكرة الحقيقة عند ديكارت قابعة في العقل. لا وجود لها خارج حدود الفكر. والفكرة الواضحة عنده؛ هي تلك الفكرة الخالية من الغموض التي تتوفر فيها البداهة العقلية. وهذا النوع من الأفكار لا يأتي من الخارج؛ بل يأتي من خلال التعمُّق في الذات. يبدأ ديكارت من العقل حتى ينتهي إلى الوجود، و(لكن ليس معنى ذلك أن الفكر عنده يسبق الوجود، أو يتسبب في إيجاده على نحو ما نجده عند المثاليين) بل هي معرفة راقية تستطيع استجلاء الحقيقة من خلال أنواع خاصة من التجريد والتعديد، والتي تجعل العقل عقلًا بحق ليس (عقلا قائما على التفكير الذاتي). وهذه هي الميزة العظيمة لفلسفة ديكارت.

فكرة الحقيقة في المذهب التجريبي

فكرة الحقيقة فكرة الحقيقة في المذهب التجريبي

تجريبية جون لوك

يرى جون لوك أنه من غير المعقول أن تكون هناك حقائق فطرية مطبوعة في الروح والروح لا تدركها. فلو كانت موجودة بالفعل (لعرفها الأطفال والمتوحشين)، ولم يكن هناك بُلهاء أو منحرفين سلوكيًا. وقد أوضح لوك في مؤلفه الرئيسي (رسالة في الفهم البشري) أن النفس تولد كصفحة بيضاء وتكتسب كل المعارف عن طريق الإدراك الحسي أو الخبرة. على ذلك تكون المعرفة الإنسانية معرفة بعدية لا قبلية. وهي نتاج مراحل متتابعة لا يستطيع الإنسان أن يحدد متى بدأت بالضبط. بذلك يتخلص لوك في البداية من نظرية الأفكار الفطرية، بغية أن يُطهر الأرض استعدادًا لإرساء الأسس التجريبية للمعرفة. وهو يعني بهذه النظرية المذهب الذي يرى أن هناك مبادئ فطرية معينة؛ أي بعض الأفكار الأولية، التي توجد في الفهم كما لو كانت مطبوعة على ذهن الإنسان، تلقتها النفس منذ وجودها القديم، وجاءت بها إلى العالم وبعض هذه المبادئ نظري.

يؤكد لوك على أنه حتى ولو كان هناك مبادئ معينة الناس عليها متفقون؛ فلماذا الجزم بأن هذه المبادئ فطرية، فليس ثمة شيء يبرهن على ذلك. لكننا نسأل من أين تأتي الأفكار الموجودة في الذهن؟ يجيب لوك بكلمة واحدة هي من التجربة، ففيها تؤسس فكرة الحقيقة وكل معرفتنا، ومنها تستمد نفسها في نهاية الأمر. لكن ما الذي يعنيه لوك بالتجربة؟ إن نظريته تستمد أصلًا من الإحساس أو من التأمل؛ ويكون الإحساس والتأمل والتجربة. إن حواسنا المطَّلِعة على موضوعات حسية معينة، تنقل إلى الذهن إدراكات الأشياء المُتعددة والمتميزة، وفقًا للطرق التي تؤثر فيها تلك الموضوعات. وعندما أقول أن الحواس تنقل إلى الذهن، فإنني أعني أنها تنقل من موضوعات خارجية ما ينتج تلك الإدراكات في الذهن، وذلك هو الإحساس. والمصدر الآخر للإدراك هو إدراك عمليات أذهاننا الخاصة، مثل: الإدراك، والتفكير، والشك، والاعتقاد، والإرادة. وهذا المصدر هو التأمُّل. فالأفكار التي يقدمها لا تكون كذلك إلا من حيث إن الذهن يحصل عليها عن طريق تأمل عملياته الخاصة داخل ذاته. إن كل أفكارنا تأتي من أحد هذين المصدرين أو الآخر.

تحليل المعرفة و فكرة الحقيقة عند ديفيد هيوم

كما عند لوك؛ فإن التجربة هي المصدر الأساسي الذي تتكون من خلاله كل مضامين الذهن. لكن إضافة ديفيد هيوم أنه قسَّم الإدراكات إلى (انطباعات) و(أفكار). الانطباعات هي الأحاسيس المُباشرة التي تنتج عن التجربة. أما الأفكار فهي (نسخ باهتة للانطباعات في التفكير والبرهان). يريد هيوم نفس ما يريده لوك لكنه بتلك التقسيم للمدركات أصبح يريد ما أراده لوك ولكن بشكل جزئي. فلابد من النظر للانطباعات على أنها تقدم الصورة الأنقى لا الأفكار. فهناك فرق بين مُعاينة الشيء، وبين الصورة التي أتخيلها عندما أُغمض عيناي وأفكر في نفس الشيء. والفرق الأساسي الذي نميز به بين الانطباعات ولأفكار؛ هو أن الانطباعات تظهر أولًا في الوعي. والمعرفة التي هي على صورة أفكار نستمدها من هذه الانطباعات. وإذا أردنا الحكم على صدق أو كذب ما لدينا من أفكار لابد من المراجعة التحليل للانطباعات التي كوَّنتها.

تقوم فكرة الحقيقة على تمييز هيوم بين الإدراكات البسيطة والإدراكات المركبة. ويطبق هذا التمييز على نوعي الإدراكات (الانطباعات والأفكار). إن إدراك بقعة حمراء هو انطباع بسيط، وصورة البقعة الحمراء فكرة بسيطة، بيد أنني إذا وقفت على سطح جبل “مونتمارتر” وتأملت مدينة باريس، فإنني أدرك انطباعًا مركبًا عن المدينة، والأسطح، والمداخن، والأبراج والشوارع، وعندما أتصور باريس بعد ذلك وأستدعي هذا الانطباع المركب، تكون لدي مركبة. وفي هذه الحالة تناظر الفكرة المركبة إلى حد ما الانطباع المركب، على الرغم من أنها لا تُناظره بدقة وبصورة كافية. ومن جهة أخرى ألا يمكننا أن نرسم صورة في أذهاننا لمدينة أنهارها حمراء مثلًا، أو زهورها من الزبرجد والياقوت. على الرغم من أننا لم نر مثل هذه المدينة في الواقع؟ ألا نكون بذلك أوجدنا فكرة مركبة لا يُناظرها انطباعًا مُركبًا. يقول هيوم أننا هنا أمام استثناء نستخدم فيه قدرتنا على تكوين أفكار من الأفكار لا من الانطباعات، لأننا نستطيع أن نبرهن على أفكار ونتحدث عنها، التي هي نفسها أفكار من انطباعات. إننا نُكَون بالتالي أفكارًا ثانوية تستمد من أفكار سابقة بدلًا من أن تستمد مباشرة من انطباعات. نستطيع أن نعلن بيقين القضية العامة المتعلقة بـ فكرة الحقيقة والتي تقول أن انطباعاتنا البسيطة تسبق أفكارها المُناظرة.

هكذا يوضح هيوم كيفية الفحص والتفريق بين الانطباعات أو الانفعالات لاستخراج قاعدة يمكنها قياس القيمة في فحص المعاني التي هي صور الانفعالات، للوصول إلى ما ليس له أصل؛ ومن ثم تبديده. ليس لدى هيوم معاني مجردة. فهو يرى أن المعاني الكلية التي نستخدمها مكَوَّنة من عدة معان جزئية يربطها اسم واحد يشتمل على معاني تشبه إلى حد ما المعنى الذي يكون ماثلًا في الذهن. أما العلاقات التي تنشأ بين المعاني والأفكار، فهي تنشأ بفعل قوانين تداعي المعاني، أي قوانين التشابُه، والتقارن في المكان والزمان، والعلية. هذه القوانين هي القوانين الأولية للذهن، تعمل فيه دون تدخل منه، وهي بالإضافة إليه كقانون الجاذبية بالنسبة إلى الطبيعة. فهيوم يزيد على لوك أن ليس للذهن فعل خاص في المُضاهاة والتركيب والتجريد التي هي وسائل تكوين المعاني، ويقصر وظيفة الذهن وظيف الذهن على مجرد قبول الانفعالات فتحصل منها المعاني حصولًا آليًا بموجب قوانين التداعي.

خاتمة

لقد تناولنا عبر المقال أهم المحطات الرئيسية التي تناول الفلاسفة من خلالها، فكرة الحقيقة بما تحمل من أهمية مركزية في الفكر الفلسفي. فسؤال الحقيقة قديم قدم الفكر البشري كما رأينا. وقد عرضنا أولًا أهم النظريات التي ناقشت فكرة الحقيقة وفسرتها عبر العصور وهي: نظرية التطابق، ونظرية الاتساق، والنظرية البراجماتية. ثم عرضينا لبعض المعايير الأخرى التي تعتبر مصدرًا من مصادر الحقيقة وهي السلطة والاتفاق الاجتماعي والشعور الروحي الذاتي أو التصوف. ثم قدمنا أخيرًا فكرة الحقيقة من خلال منظور أهم مدرستين فلسفيتين في تاريخ الفلسفة وهما المذهب العقلي والمذهب التجريبي. وبذلك نكون قد حصلنا على صورة أو رؤية بانورامية شاملة لبعض المعالجات الفلسفية لمفهوم الحقيقة. وقد ننتهي دون إجابة شافية على إشكالية الحقيقة، فسؤال الحقيقة سيظل خالدًا وباقيًا دون إجابات حاسمة طالما بقى الإنسان على وجه الأرض.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

3 × اثنان =