علم النفس التطوري

يشهد العالم الآن طفرة علمية وثقافية كبيرة، نستعرض فيها الغث من السمين، ومجال علم النفس التطوري أحد أهم ثمار هذه الطفرة العلمية لكونه يمزج بين علم النفس من جهة ونظرية التطور من جهة أخرى، وكلنا بالطبع نعرف علم النفس والذي يهتم بدراسة النفس البشرية ووضع القواعد لتفسير سلوكها ومعالجة انحرافاتها ونعرف نظرية التطور والتي تتبنى رؤية الخلق كحلقات متصلة في سلسلة تطورية منذ بدء الخليقة تنتهي إلى خلية واحدة، لكن ماذا سوف ينتج مزج علم النفس بمجاله الذي يهتم بالنفس الفردية ككيان مستقل ودراسة اختلاجاتها وتأزماتها مع التطور الذي يدرس تاريخ الخليقة؟ هذا ما سنتعرف عليه من خلال السطور القليلة القادمة.

تعريف علم النفس التطوري

ربما نطلق صفة علم النفس التَّطوري مجازا على هذا المجال ولكنه ليس بعلم أي أنه ليس بمجال مستقل بذاته بل هو تراكم لخبرات وتجارب ونظريات علمية عبر السنين أدت إلى استخلاص علم النفس التطوري وتعريفه بمنتهى البساطة أنه منهج لدراسة نفسية الإنسان وسلوكه الجماعي والفردي في ضوء نظرية التطور بوصفها الطريقة التي نفسر بها رحلة الإنسان منذ ظهوره الأول على الأرض وحتى عصرنا الحديث أي أن هناك التقاء بين علم النفس والتطور من جهة المنهج واختلاف من جهة الغاية، يمزج بينهما علم النفس التطوري ليفسر لنا السلوك الفردي للإنسان على ضوء سلوك أسلافه البشر السابقين.

نشأة علم النفس التطوري

لا ريب أن نشأة علم النفس التَّطوري جاءت في البداية على الأقل كبذرة على يد مؤسس نظرية التطور الشهير العالم تشارلز داروين غير أنه لم يتطرق كثيرا لعلاقة السلوك الفردي بتأثير التطور عليه لكن هذا ألهم العديد من علماء النفس على رأسهم أبو الطب النفسي الطبيب النمساوي الشهير سيجموند فرويد للتطرق لهذه الأمور مما أدى لفتح أبواب لم تغلق بعد على التطور السلوكي لدى الإنسان وعلاقته بسلوك البشر في الأزمنة الغابرة، وجاءت البداية الحقيقية لعلم النفس التطوري في العام 1975 على يد العالم إي. أو. ويلسون لنشر كتابه “البيولوجيا الاجتماعية” الذي أثار الكثير من الجدل حيث تبنى فيه لأول مرة وبشكل مباشر نظرية التطور كإطار تأسيسي لتفسير السلوك الجماعي الإنساني.

وظيفة علم النفس التطوري

علم النفس التطوري وظيفة علم النفس التطوري

يبحث علم النفس التَّطوري في سلوك الإنسان وإدراكه وغرائزه ورغباته وأخلاقياته على ضوء نظرية التطور ويقارنها بأسلافه من البشر على مدى خط التطور الزمني للإنسان والذي يقدر بنحو 160 ألف عاما منذ ظهور الإنسان العاقل الأول أو ما يطلق عليه علميا “الهومو سابيان” وتطور هذه الأخلاقيات والغرائز والرغبات وأثرها في نفس الفرد، لا شك أن علم النفس التطوري خطوة واسعة نحو تفسير سلوك الإنسان والغوص نحو مكنوناته وهي تلقي بظلالها على الفرد لأنها تنبئنا بحقيقة أنفسنا.

علاقة علم النفس التطوري بنظرية التطور

بعد كل هذا العرض المباشر والهام لعلم النفس التَّطوري والذي استدعى ذلك بالطبع الحديث الدائم عن نظرية التطور علينا أن نكشف العلاقة بينهما ونريد أن نقول أن علم النفس التطوري لم يكن لينشأ لولا وجود نظرية التطور وأن علم النفس التطوري هو ثمرة من ثمار نظرية التطور التي استطاعت بشكل علمي تفسير رحلة الإنسان على الأرض وللمزيد يمكنك مشاهدة الوثائقيات التي تتحدث عن نظرية التطور وهي مترجمة على يوتيوب أو مشاهدة الفيلم الروائي الذي يحكي قصة العالم داروين والمسمى “Creation” أو الخليقة، وبالتالي نستطيع أن نقول أن نظرية التطور هي الشجرة وعلم النفس التطوري هو العصير الطازج الذي تشربه فتستلذ به.

فاعلية علم النفس التطوري

بالطبع لا غبار على علم النفس التطوري لأنه لا غبار على علم النفس ولا غبار على نظرية التطور ولا يصح أن نشكك فيهما الآن بعد أن انكشفت أمامنا كل الدلائل التي تؤيد هذين المجالين ومن وجهة نظري الشخصية يمكنك ألا تؤمن بالعلم أو بفاعليته وتؤمن بما تريد ولكن لو استندنا للمقاييس العلمية وبالأدلة التجريبية والاكتشافات الأثرية والأحافير سيتضح لنا فاعلية نظرية التطور وبالطبع فاعلية علم النفس بالتالي أي مزج بينهما – منطقيا – سيكون فعالا، وهناك الكثير من السهام الناقدة توجه لعلم النفس التطوري ولكنها في حقيقتها عند تفنيدها تجدها مبنية على رؤى سطحية لعلم النفس التطوري ولنظرية التطور، لذلك عزيزي القارئ لا تعتمد على هذا المقال لكي تبني رأيك فهو مقال تعريفي فحسب بنظرية التطور ولكن عليك الاطلاع على علم النفس التطوري من مصادره الأصلية، وأنصحك بأبسط وأسهل كتاب حول علم النفس التطوري والمعنون بعنوان “علم النفس التطوري: العلم الجديد للعقل” للكاتب ديفيد إم.بَس وهو مترجم للعربية على يد الأكاديمي اللبناني والحائز على الدكتوراه في علم النفس من جامعة ليون في فرنسا الدكتور مصطفى حجازي، الكتاب كبير الحجم حيث تبلغ عدد صفحاته 900 صفحة ولكنه قيم جدا ومفيد، وسيفتح عقلك وآفاقك على العلم الجديد.

علم النفس التَّطوري أحدث الأقسام في علم النفس ذو البحور اللجية المتسعة وهو يستحق الحديث حوله والانفتاح على العلوم الهامة والتي تفيد الإنسان وتجعله يتعرف على نفسه أكثر، لأن جل ما ننشده في هذه الحياة، هو أن نتعرف على أنفسنا ونستطيع تفسير ذواتنا بأفضل وسيلة ممكنة، ألا وهي الوسيلة العلمية.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

10 + 8 =