تسعة
الرئيسية » اعرف اكثر » تعرف على » كيف نشأ علم الأخلاق وما علاقة الأخلاق بالفلسفة وبالدين؟

كيف نشأ علم الأخلاق وما علاقة الأخلاق بالفلسفة وبالدين؟

علم الأخلاق علم إنساني يهتم بدراسة السلوك البشري بميزان الخير والشر ويسعى إلى نصرة الفضيلة ونشرها في المجتمع. وفي السطور التالية نتناول أهم جوانب ذلك العلم.

علم الأخلاق

علم الأخلاق هو أحد المباحث الفلسفية التي تهتم باستقصاء ودراسة الفضيلة بمعناها المجرد في السلوك الإنساني. وقد شهدت البشرية العديد من المحاولات المتتالية على مدار التاريخ لتنظير هذا العلم وتحديد إطار محدد يحصر أهم المفاهيم والمقاصد التي يتناولها. ولا شك أن الخير وغيره من الفضائل المجردة مثل العدل والحرية والمساواة والسلام هم المحاور الرئيسية التي يطرحها هذا المبحث الفلسفي. ومع تقدم الوعي الإنساني استطاع العقل البشري بلورة الأفكار الرئيسية لهذا العلم في مجموعة من المبادئ والقيم الأساسية التي تنطلق منها جميع الفروع الرامية إلى تعزيز جانب الخير والفضيلة في الضمير الإنساني. ومع النضج الآدمي الذي ازدهر عبر العصور صارت هذه المبادئ هي النبع الأول لجميع أشكال الضوابط السلوكية والتشريعات الضامنة لتقويم السلوك ورسم المسار المعروف للضمير الجمعي وترسيخ المزيد من القواعد والمعايير التي تهدف إلى تنقية وترقية السلوك وبلوغه أعلى درجات الفضيلة. وفي هذا المقال نطرح بالتفصيل ماهية ذلك العلم وأهم محاوره وشروحاته فضلاً عن صوره المتباينة في الفلسفات والأديان.

تعريف علم الأخلاق

علم الأخلاق هو إحدى ثمرات شجرة الفلسفة، ويُعَد أطروحة نظرية مستقلة بذاتها بعد أن اكتملت ونضجت وصارت علمًا مستقلاً بذاته. ويهدف هذا العلم إلى تقييم وضبط السلوك الإنساني وضمان عدم انحرافه عن مسار الفضيلة من أجل توفير التعايش السلمي في جميع المجتمعات. ولا شك أن علم الأخلاق له دورٌ أيضًا في تسليط الضوء على جوانب الشر في النفس البشرية والعمل على تقليصها والقضاء عليها. وقد ظهر هذا العلم في بادئ الأمر كفرع بسيط بالتزامن مع نشأة وتنظير الفلسفة في عصورها الأولى، وقد أبلى الأوائل بلاءً حسنًا في شرح وتقديم أبرز نظريات هذا العلم، بيد أن التطور سُنةُ الكون، ومع تعاقب العصور وظهور الأديان المتعددة، الوضعية والسماوية، تجلت الأخلاق مجددًا من منظور ديني وصارت أكثر ارتباطًا بالمعتقد والنص الديني، وأصبح الالتزام بها متعلقًا بفكرتي الثواب والعقاب، وفي العصر الحديث أضحى الإلزام الأخلاقي أكثر وضوحًا مع ظهور التشريعات والقوانين واللوائح الضابطة للسلوك، ولم يعد الثواب والعقاب في السماء فقط، بل صار مجسمًا على الأرض؛ لتزداد الحاجة إلى التعمق في جذور هذا العلم وتتبين أهميته في ترويض شطحات النفس.

خصائص علم الأخلاق

لا شك أن ثمة خصائص مميزة لهذا العلم والتي تحدد الإطار العام لأهدافه ونظرياته ومقاصده. وبالرغم من تعدد وتشعُّب هذه الخصائص، فإننا نستطيع حصرها في بعض النقاط المهمة على النحو التالي:

  • تعزيز الفضيلة: تُعَد الفضيلة هي الخاصية والسمة الأبرز لذلك المبحث؛ حيث يرى علم الأخلاق أن الفضيلة هي السبيل الوحيد الضامن لاستمرار الحياة على الأرض والتعايش السلمي بين البشر وأن لولاها لتحول البشر إلى وحوش كاسرة ليُفني بعضهم البعض وصار العالم غابة كبيرة يفترس فيها القوي الضعيف وغابت الأعراف المنظمة للمجتمعات. ومن أجل ذلك جاء تعزيز الفضيلة على رأس أولويات هذا العلم من أجل ترسيخ المبادئ السلوكية القويمة التي تهذب النفس الإنسانية وترتقي بها وتوقظ الضمير ليدرك المعنى المختلف للحياة بعيدًا عن الأطماع والأحقاد والتنافس المتجرد من أي اعتبارات أخلاقية.
  • ضبط السلوك الإنساني: يُعد السلوك الإنساني هو المحور الأساسي الذي تدور حوله جميع الأطروحات والنظريات المتعلقة بذلك العلم، ولا شك أن هدفها الأوحد هو ضمان الانضباط السلوكي ورسم المسار القويم وتوضيح معالمه التي تهتدي بها النفس. ومن أجل ذلك نرى أن معظم مشاركات المنظرين في هذا الصدد ترمي دومًا إلى توصيف وشرح أهم الأساسيات والضوابط التي تلزم الإنسان بالارتقاء في سلوكه وتصرفاته وتجنبه شرور نفسه.
  • مقاومة الانحراف: لا شك أن مقاومة الانحراف ونشر الخير والالتزام من أهم خصائص ذلك المبحث الفلسفي، لذلك نرى الكثير من منظري هذا العلم قد أفردوا الكثير من الأطروحات والكتابات التي تحث على الحد من سبل الانحراف وتمهيد طريق الخير من خلال تسليط الضوء على بعض الإغراءات التي تجعل الإنسان فريسةً للانحلال الأخلاقي.

علم الأخلاق في الإسلام

للأخلاق مكانة سامية في جميع الأديان، ومن ثَمَّ فإن علم الأخلاق يُعَد واحدًا من أهم تعاليم الإسلام في سياق الحث على مكارم الأخلاق. وقد أوصى الإسلام أتباعه بالالتزام بالكثير من الإرشادات الأخلاقية على مستوى الفرد والمجتمع ومنها الالتزام بالصدق والابتعاد عن الاحتيال والغش والتراحم بين الناس حيث يركز على أهمية الاحترام والتقدير لكبار السن والعطف والحنان على الصغار. وبطبيعة الحال أبرز الإسلام أهمية بر الوالدين والأمر بطاعتهما. ومن ناحية أخرى، أورد الإسلام في عدة نصوص الكثير من الوصايا بشأن التكافل الاجتماعي لضمان التعايش السلمي والتعاضدي بين أفراد المجتمع، ولا شك أن خصلتي الإيثار والتضحية يمثلان الدعامتين الأساسيتين للمجتمع الإسلامي من أجل تدعيم الترابط بين الأفراد وزرع المودة والرحمة بينهم.

علم الأخلاق المسيحية

يُعَد مفهوم المحبة والفداء بمثابة المحور الرئيسي لأطروحات علم الأخلاق المسيحية حيث يُستَقَى هذا المفهوم من تعاليم السيد المسيح وأفعاله النبيلة التي طالما واجه فيها الشر بالخير والكراهية بالحب. ومن المؤكد أن فكرة الفداء قد تجلت بشدة في المشهد الأخير من حياة السيد المسيح فضلاً عن تعاليمه ووصاياه لتلامذته الذين نشروا الفضيلة والأخلاق الحميدة من بعده في جميع أنحاء العالم في ضوء هديه. ومن أبرز الفضائل التي نادت بها المسيحية هي الحكمة والاعتدال والصبر والتسامح والتواضع والإحسان.

علم الأخلاق عند أرسطو

يُعَد أرسطو من أهم منظري علم الأخلاق حيث أفرد له كتابًا بأكمله يحمل اسم الأخلاق النيقوماخية. ويرى أرسطو أن الغاية النهائية للإنسان هي بلوغ السعادة، وأشار إلى أن الإنسان لن يبلغ هذا المبتغى إلا من خلال التصرف السليم والتحلي بالفضيلة. وكان أرسطو من أنصار العقلانية، لذلك ربط بين العقل والأخلاق الحميدة وجعل العقل سيد الأخلاق وموجهها الأول. وألمح أرسطو إلى أن تعقُّل الأمور وحسن التصرف هما السبيل الوحيد المحقق لسعادة الإنسان. ومن أبرز إسهامات أرسطو في ذلك السياق هو إقراره بأن خير الأمور الوسط وأن الفضيلة دائمًا ما تتوسط رذيلتين، وقد وضح ذلك بمثال شهير مذكور في معظم مناهج الفلسفة وهو أن الشجاعة فضيلة تتوسط رذيلتي التهور والجبن.

علم الأخلاق في الفلسفة

كان علم الأخلاق – ولا يزال – واحدًا من أهم المباحث الفلسفية، وقد اهتمت الفلسفة وجميع مذاهبها بدراسة الأخلاق وأشكالها ورصدها وتنظير حركتها عبر العصور. وقد عكف الفلاسفة منذ القدم على وضع وترسيخ الضوابط والقيم التي تضمن الالتزام الأخلاقي لدى الإنسان الفاضل وشرعوا في تحديد أبرز القواعد السلوكية الضابطة على مستوى الفرد والجماعة وتنظيم العلاقات بين المجتمعات. وترى الفلسفة أن الأخلاق هي انعكاس للقيم والمثل العليا المجردة التي تهدف إلى الارتقاء بسلوك الإنسان ورفع وعيه وتنقية ضميره. ولا شك أن الفلسفة كانت ولا تزال الشجرة الأم لكل ما هو متعلق بذلك العلم ولم تتوقف إسهاماتها في تنقيحه حتى اليوم.

وهكذا نجد أن علم الأخلاق واحدًا من أهم العلوم الإنسانية التي تركز على ماهية السلوك الإنساني وغرز القيم الحميدة والفضائل في النفس البشرية ودعمها من خلال وصايا الفلاسفة وإرشاداتهم ووضع معالم الطريق القويم.

أحمد علام

كاتب ومترجم، أحب القراءة في المجالات الأدبية بشكل خاص.

أضف تعليق

أربعة × 5 =