علاقات المسافات الطويلة

هل كنا نعرف ما هي علاقات المسافات الطويلة من قبل؟ لا ريب أنها من الأشياء المثبتة عبر تاريخ العشاق فقد عرفت بين مي زيادة وجبران خليل جبران حيث أحبا بعضهما بالمراسلة ولم يذكر أنهما رأيا بعضهما أبدا، ولكن هذا من النماذج الذي من الاستحالة القياس عليه بل نتحدث عن علاقات أقل صعوبة من هذه، وقبل أن ندخل في الحديث عن علاقات المسافات الطويلة من جميع الجهات نريد أن نتحدث عن كيفية نشأة علاقات المسافات الطويلة من الأساس؟

كيف تنشأ علاقات المسافات الطويلة ؟

تنشأ علاقات المسافات الطويلة عبر عدة طرق أبرزها:

  • بين شخصين التقيا في رحلة سياحية وأحبا بعضهما في هذه الفترة الوجيزة أو شيء من هذا القبيل وعاد كل منهما لبلده ولكن ظلا على تواصل ولم تستطع المسافات أن تضعف حبهما.
  • بين شخصين درسا سويا في نفس الجامعة ولكنهما مغتربان ويقل الأمر سهولة إن كانا من نفس الدولة لكن الأزمة إن كانا مغتربان كلاهما عن دولته ويدرسان في دولة أجنبية.
  • شخصان كانا يعيشان في نفس المنطقة ولكن أحدهما انتقل إلى مكان آخر، ولم يشفع هذا الانتقال للفراق أن يجمع بينهما.
  • شخصان لم يريا بعضهما من قبل أصلا ولكنهما تعارفا عبر مواقع التواصل وهذا هو النوع الرائج والمتواجد بغزارة وهذا ما جعل علاقات المسافات الطويلة أمرا عاديا نوعا ما وليس استثنائيا أو غريبا.

إدراك صعوبة علاقات المسافات الطويلة

يجب أن تعرف أن علاقات المسافات الطويلة أمر صعب وليس سهلا بالمرة، حيث تحصل على جرعة قليلة من لذة الحب وجرعة أكبر من عذابه على صورة حرمان واشتياق ولهفة، لك أن تتصور أنك لا تستطيع لمس حبيبك ولا تستطيع تقبيله أو احتضانه، لا تستطيع أن تلتقيه أو تدعوه لسهرة عشاء أو حتى التمشية سويا ولا حتى إن كنت في حالة نفسية سيئة أن تقابله لتحكي له عما يجيش بصدرك، لذلك لا تتورط في علاقة من هذا النوع إلا إذا كنت قادرا على تحمل تبعاتها.

الاستعداد لدخول علاقة من هذا النوع

يجب عليك أن تكون مستعدا بالكامل لعلاقة من هذا النوع وتختبر أيضًا الطرف الآخر من أجل الدخول في علاقة من علاقات المسافات الطويلة، عليك أن تدرك جيدا أنك ستعاني أشد المعاناة والاستعداد ناتج من أنك لم تعد تتخيل حياتك بدون هذا الشخص وبناء عليه ستتحمل كافة الأعباء التي ستلقى على كاهلك والمعاناة التي ستعانيها في هذه العلاقة.

اسأل نفسك عما تريد من علاقة كهذه

يجب عليك عند الدخول في علاقة من علاقات المسافات الطويلة أن تسأل نفسك: “ما الذي أريده من هذه العلاقة؟” هل تريد علاقة جادة تنتهي بالزواج وهذه سنتحدث عنها في الفقرة التالية أم تريد علاقة عابرة تتسلى فيها ببعض المحادثات الإلكترونية الحنونة ومحادثات الفيديو وبعض الحنان واللذة التي تدوم لأسبوع أو أسبوعين فحسب؟ أم أنك تريد أن تترك الأمور تسيرها الظروف حسبما تشاء؟ اسأل نفسك عن غايتك من هذه العلاقة لأن هذا هو أهم سؤال يجب أن تسأله في هذه العلاقة وإجابته ستحدد كيف ستسير هذه العلاقة فيما بعد.

البحث عن سبل للم الشمل

إن كنت ترى في هذه العلاقة الجدية اللازمة لاستمرارها وإن كنت تريد أن تحيا فيها مرحلة انتقالية قبل نقلها لأساسيات علاقة رسمية فعليك أن تبحث عن وسائل لم الشمل من الآن، مثلا إن كانت في دولة أخرى فعليك بالتفكير في إن كنت ستنتقل هناك أم أنكما ستعيشان مكان إقامتك أنت، كيف ستجد التأشيرة للسفر إلى هذه الدولة، وكيف يمكنك إيجاد عمل إن انتقلت للإقامة هناك؟ هناك العديد من الدول من تمنح الزوج الأجنبي الجنسية عن طريق دعوة للزوجة فهل من الممكن أن تصبح مزدوج الجنسية، هل يمكنك الاغتراب عن بلدك؟ يجب أن تعي كل هذه الأمور من البداية.

هل يمكن أن تستمر؟

دائما قبل أن ندخل في علاقة من علاقات المسافات الطويلة نتساءل هل من الممكن أن تستمر؟ الحقيقة من بين سيل علاقات المسافات الطويلة التي رأيتها حولي خصوصًا التي تتعلق باثنين من دولتين مختلفتين لم أرَ إلا علاقة واحدة فقط هي التي استطاعت الاستمرار وكللت بالزواج وعاش الاثنان فيها في سعادة وهناء ولكن باقي العلاقات للأسف لم تجد سبيلا لها سوى الفشل، الحقيقة أن الحب هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يكون دافعا منطقيا لفعل المستحيل والسبب في ذلك أنه لا يعمل بطريقة منطقية على الإطلاق، من يحب ويريد أن يعمل في سبيل حبه ينحي المنطق والعقل جانبا ويندفع خلف عواطفه وفي سبيل ذلك يستطيع تحقيق المستحيل، لأن المستحيل بالمنطق والعقل لا يمكن تحقيقه فعلا، لكن بحسابات العاطفة يمكن جدا.

هل يمكن أن تفشل؟

في الغالب من الممكن جدا أن تفشل، كما ذكرت في الفقرة السابقة فإن الفشل هو الاتجاه الغالب نحو علاقات المسافات الطويلة حيث إنها تفتقر للكثير من الأشياء التي يمكن أن تنجح العلاقات وهي المراعاة والوقوف إلى جوارك واللقاءات العاطفية وغيرها من الأمور وحتى التقارب الثقافي والشعور بالألفة كل هذا غير موجود بين اثنين تبعدهما الأميال، لذلك عند الدخول في علاقة من هذا النوع لا تعول عليها الكثير من الآمال، حتى لا تنهار فيما بعد أو تصطدم بالواقع وهو يقوضها دون أي فرصة لتشييدها مرة أخرى، ضع في حسبانك احتمال الخسارة قبل الربح في هذه العلاقة.

سلبيات علاقات المسافات الطويلة

جرعة زائدة جدا من الحرمان

اللهفة واللوعة والاشتياق، لا يمكنك أن تتخيل أن تحتفل بعيد ميلادك وحيدا لأن الشخص الذي تحبه يبعد عنك مئات الأميال والتأشيرات وأختام السفارات ومكاتب حجز الطيران، أن ما يعوقكما نقاط حدودية وضباط وموظفين جوازات من أجل قضاء ليلة واحدة سويا.

الغيرة الزائدة

أنت وحيد في مكانك بالطبع والطرف الثاني وحيد في مكانه أيضًا لذلك تجدا أنفسكما بدلا من أن تعيشا حياة مشتركة أو حتى حياتين مستقلتين ولكن تتقاطعان في عدة نقاط فإنكما تجدا أنفسكما تعيشان حياتين منفصلتين تماما لا تتقاطع وتظلان تشاهدان حياة بعضكما دون إحداث أثر فيها، فأنت ترى حبيبتك وهي تخرج مع أصدقائها الرجال وتراقصهم وتسهر معهم وتلتقط الصور التي تشاركها عبر شبكات التواصل وتتلقى منهم الإطراء والغزل وأنتِ تشاهدين حبيبك وهو يستأنس بتواجد حبيباته الإناث من حوله وينعمن بحنانه وشبابه وقربه إلى جوارهن وأنتِ ربما لم تكوني في هذا الموقف من قبل أبدا، بالتالي غيرتك ستزداد جدا وهذه للأحد إحدى أهم مساوئ علاقات المسافات الطويلة وسلبياتها.

سوء الظن والنية

حينما تفاجأ أن حبيبك للأسف الشديد مزاجه سيئ فأنت تظن أنه توقف عن حبك أو في حياته شخص آخر وحينما لا يرد على رسائلك أو مكالماتك فلا ريب أنه في أحضان شخص آخر وحينما ينشغل عنك فهذا لأنه انتابه الملل منك، حينما ترسل له رسالة حين استيقاظك “صباح الخير” فيرد عليك ردا اعتياديا: “صباح النور” فإنه قد يكون غاضبا منك حسب ظنك لكنه في الحقيقة يرد بشكل عادي تماما لكن لو كنتما تلتقيان وترى تعبيرات وجهه فإنك تدرك مشاعره وقتها وتستطيع أن تحدس ما الذي يعتري هذا الشخص من أحاسيس تجاهك من خلال حركة جسده ونبرة حديثه وتصرفاته، نظراته وابتساماته وغيرها.

لا تجد نفسك آمنا معه

من سلبيات علاقات المسافات الطويلة أنك لا تجد نفسك آمنا معه فبنفس منطق أنه من بعيد عن العين بعيد عن القلب أيضًا، وبالتالي في حالة مثلا أنك كنت مرتبطا بفتاة عن بعد تشعر أنك في أي لحظة بمجرد أن تجد شخصا في محيطها يمنحها القليل من الحب والحنان ستهجرك إلى غير رجعة.

مميزات علاقات المسافات الطويلة

لا يوجد تقريبا أي شيء مميز في علاقات المسافات الطويلة سوى شيء واحد ووحيد، يمكننا أن نكتب في السلبيات الكثير والكثير وربما نعبئ مقالات كاملة، ولكن هناك شيء واحد يميز علاقات المسافات الطويلة، إثبات نظرية أنه ربما الخيارات المحدودة من حولك لا تؤهلك لاختيار شريك حياتك بشكل سليم وأن الأمر فقط يتوقف على مدى محدودية الاختيار في نطاقك الجغرافي والاجتماعي الضيق، بينما ربما ولد توأم روحك في مكان آخر يبعد عن بيتك مئات الأميال وبالتالي يمكن لعلاقة من علاقات المسافات الطويلة أن تجعلك تلتقي بتوأم روحك وتشاء الظروف أن تكملا الحياة سويا، ولذلك هذا هو الحب الذي يدفعك لطي العالم بأكمله واختزال الكرة الأرضية في حجم ميدالية صغيرة ووضعها في جيبك، أريد أن أقول أن علاقة من هذا النوع إذا نجحت فإنها ستكون من أروع وأجمل العلاقات.

كيف يمكننا طي المسافات وصنع التقارب؟

عدم الحديث في مستقبل العلاقة كثيرا، يكفي مرة واحدة فقط، يمكن الحديث عن كيف كان يومك وعن أبرز المشاهد التي صادفتها فيها، يمكن الحديث عن نقاط الالتقاء بين مجتمع كل منكما وعن نقاط الاختلاف وكيفية تقريبها، الأحاديث اليومية هذه تزيد الألفة وتجعلكما أكثر قربا من بعضكما.

الفيديو كول هو صديق الأحبة في علاقات المسافات الطويلة، الفيديو كول يجعلكما تريا تعبيرات الوجه بشكل جيد وتريا أنفسكما وأنتما تتحركان وتعملان وتطالعان الكتب وغيرها، تتعرفا على غرف بعضكما، أذكر أني كنت مرتبطا بفتاة من دولة أخرى وكانت تقول أن بيتنا يذكرها ببيت سابق لها في سوريا قبل الحرب (نزحت فيما بعد إلى دولة أخرى)، هذه التفصيلة ستساعدنا في التقارب والشعور بالألفة أكثر وأننا نوعا ما ننتمي لنفس الطفولة بنفس التفاصيل ونكتشف الكثير من نقاط الالتقاء بيننا والتقارب الثقافي بين المجتمعات.

اقرأ لها الشعر، طالعا فيلما واحدا في سهرة ما وتناقشا حوله، اعرض لها ألعابك وأنت صغير، كل هذه الأشياء تجعلكما تتقربان إلى بعضكما وتطويان المسافات وتجعلان الأمور أفضل بكثير وتستطيعان التغلب على كل مشاعر الحرمان، ليس محوها بشكل كامل ولكن على الأقل مقاومتها إلى أن يحين اللقاء.

خاتمة

علاقات المسافات الطويلة من الأشياء الصعبة لأنها تفتقر للكثير من مميزات العلاقات الأخرى وأهمها بالطبع هو الشعور بالأمان والثقة والاحتواء العاطفي والتلامس والشعور بحضور الشخص الذي تحبه متجسدا أمامك باستمرار ولكن إن قدر لهذه العلاقة أن تستمر فإنها تصبح من أروع العلاقات وتبشر بالمزيد والمزيد من السعادة.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

خمسة عشر − 3 =