تسعة
الرئيسية » معتقدات وظواهر » عادة الأخذ بالثأر : كيف يتم علاج مشكلة الثأر المتجذرة ؟

عادة الأخذ بالثأر : كيف يتم علاج مشكلة الثأر المتجذرة ؟

عادة الأخذ بالثأر من العادات المتجذرة في الكثير من المجتمعات، خصوصًا المجتمعات العربية، تعرف على طريقة علاج هذه المشكلة العنيفة جدًا.

عادة الأخذ بالثأر

لقد كانت عادة الأخذ بالثأر إحدى المشكلات التي تواجه المجتمع العربي منذ قديم الزمان، وما زالت تلك المشكلة لها تداعياتها وآثارها السلبية المؤثرة في بنيان وتماسك المجتمع حتى العصر الحاضر في كثير من الدول العربية، وعلى رأس تلك الدول التي تنتشر بها تلك العادة بصورة ملحوظة اليمن ومصر، ومثل هذه العادة السيئة تعد سببا من أسباب التفكك بين أبناء الشعب الواحد؛ مما يعيق التقدم ويقضي على الأخضر واليابس، وتشير العديد من الدراسات إلى تأصل تلك العادة الجاهلية منذ قديم العصور بين أبناء شبه الجزيرة العربية وخاصة في اليمن، كما ترسخت أيضا بين أبناء صعيد مصر، وجدير بالذكر أن أكثر محافظات الصعيد المصري تمسكا بتلك العادة هي محافظة سوهاج ومحافظة أسيوط، ويتناول هذا المقال تعريف عادة الأخذ بالثأر ، وكذلك أسباب انتشارها، وكيفية تقليص تلك العادة والقضاء عليها، وفي النهاية أهمية القصاص كبديل لعادة الأخذ بالثأر.

طرق التخلص من عادة الأخذ بالثأر

تعريف الأخذ بالثأر

يعرف الثأر -كما ذكرت المعاجم العربية- بأنه الدم، والأخذ بالثأر هو الطلب بالدم، وثأر القتيل هو قتل قاتله، ومن المتعارف عليه أن الأخذ بالثأر هو قيام أصحاب الدم (أقارب القتيل وأهله) بالانتقام من القاتل أو أحد أقاربه من خلال قتله بأنفسهم دون انتظار القصاص من ولي الأمر أو حاكم البلاد أو القاضي؛ وبالتالي فإن الأخذ بالثأر يشعل روح العصبية القبلية ويسيل الدماء أنهارا لا تتوقف أبدا، ومن المتعارف عليه أيضا عدم قتل الأطفال أو النساء؛ لأن هذا يعد عيبا حسب عاداتهم، بل يمكن لصاحب الدم الانتظار حتى يكبر هذا الطفل ثم يثأر منه.

أسباب انتشار عادة الأخذ بالثأر

إن المتصفح لكتب التاريخ يجدها حافلة بأخبار كثيرة تدل على انتشار عادة الأخذ بالثأر في العصر الجاهلي قبل مجيء الإسلام بين القبائل العربية بصورة واضحة؛ حيث كانت تثور القبيلة بكاملها نصرة لأحد أفرادها وذلك في عصر سادت فيه الفوضى وسيطرت عليه الروح القبلية، وقد نشبت العديد من الحروب التي دامت أعواما عديدة وقتل فيها مئات الأفراد من الأبرياء بلا ذنب، وتتعدد الأسباب التي تؤدي إلى اشتعال روح العصبية وانتشار عادة الأخذ بالثأر ومن أهمها ما يلي:

ضعف التوعية بالقيم الدينية

يعتبر الجهل بالقيم الدينية والتقاليد السليمة التي تدعو إليها الأديان من أهم أسباب انتشار عادة الأخذ بالثأر بين قبائل العرب؛ حيث أن جميع الأديان السماوية لا تقبل الفوضى عند طلب الدم أو الثأر من القاتل بل تترك الأمر للحاكم أو ولي الأمر للتحقق من الأمر والقصاص العادل من القاتل بعد المحاكمة العادلة.

قوة الروابط العائلية

تعد الروابط العائلية التي تجمع الفرد بعائلته من أهم الأسباب التي تلزم الفرد باتباع العادات والتقاليد الموروثة للعائلة أو القبيلة، ومن أخطر تلك العادات التي تنتشر بين القبائل هي عادة الأخذ بالثأر والحفاظ على شرف وكرامة القبيلة مع شدة التعصب لها.

ضعف الإدارة الحاكمة

إن ضعف الإدارة الحاكمة في بعض المناطق مثل الصعيد المصري أو بعض القبائل اليمنية أدى إلى انتشار الأسلحة بين تلك القبائل والعوائل بصورة كبيرة؛ ومن هنا يسهل استخدام تلك الأسلحة في النزاعات والخلافات التي تنشب بسبب العصبية القبلية؛ و بالتالي تنتشر عادة الأخذ بالثأر بصورة أكبر وأوسع، كما أن انتشار الفساد وتقاضي الرشوة من الأسباب المهمة التي تجعل أهل القتيل يلجؤون للأخذ بالثأر خوفا من ضياع الدم.

الخلاف أو النزاع من أجل الأرض

بسبب ارتباط بعض القبائل بالأرض بصورة كبيرة تنتشر تلك العادة الجاهلية عند الخلاف من أجل الحدود الجغرافية للأرض؛ وتثور النزاعات ويهدر دم الأفراد من أجل الحفاظ على الحدود دون لجوء إلى القضاء أو ولي الأمر.

الحياة المنعزلة عن المجتمع الحضري

تعد الحياة القبلية التي تسود تلك المجتمعات من أهم أسباب انتشار عادة الأخذ بالثأر ، حيث يعتمد الأفراد على قانون القبيلة وعاداتها دون الاهتمام بقانون الدولة أو عادات المجتمع بصفة عامة؛ وذلك بسبب حياة العزلة التي تعيشها تلك القبائل وقلة الإمكانيات التي تمنحها الدولة لهم مقارنة بالمدن الحضارية الكبرى، ولا يخفى أيضا ما يسببه الجهل والفقر من تمكن لتلك العادات الجاهلية بين أفراد القبيلة.

كيف يتم تقليص عادة الأخذ بالثأر؟

تعد عادة الأخذ بالثأر من الظواهر الاجتماعية التي تأصلت في عدد من القبائل والمجتمعات العربية؛ لذلك فهي بحاجة إلى دراسة متخصصة شاملة لجميع أبعادها الاجتماعية والدينية والسياسية والنفسية والاقتصادية من أجل وضع الحلول المناسبة التي من شأنها وقف انتشارها، ومن الحلول المقترحة لتقليص عادة الأخذ بالثأر والقضاء عليها ما يلي:

التوعية

يجب على الدولة أن تبث برامج لتوعية مثل هذه القبائل المنعزلة لتوضيح خطورة تلك العادة الجاهلية على الأجيال المقبلة، كما يجب نشر المدارس والتعليم بين أفراد تلك القبائل مع تفعيل دور مراكز الشباب والرياضة لاستقطاب الشباب وغرس روح الحب والتعاون بينهم بدلا من العصبية والجاهل السائد.

الرقابة والإدارة الأمنية الصارمة

إن الرقابة الأمنية الصارمة ونزع الأسلحة المنتشرة بدون تراخيص بين الأهالي، والحزم في القرارات الخاصة بقتلى تلك القبائل أو النزاعات المختلفة يعد من أهم أسباب للتقليل والحد من انتشار عادة الأخذ بالثأر بين تلك القبائل والعوائل؛ وذلك لأن الإدارة الأمنية الصارمة لن يستهين بها أحد الأطراف، كما أن عدالة القضاء وإنجازه في الأحكام تعطي الثقة الكاملة لدى أصحاب الدم في عدم إفلات الجاني بفعلته؛ فيلجؤون إليه للقصاص.

الوساطة العادلة

إن قيام الإدارة الحاكمة مع كبار العوائل بدور الوساطة بين المتنازعين من أجل التوصل إلى حلول سلمية تضمن حقن دماء الجميع وإيقاف تيار الدم تعد من أنجح الوسائل للحد من انتشار عادة الأخذ بالثأر والقضاء عليها.

تعزيز دور رجال الدين

إن قيام رجال الدين بواجبهم في التوعية بخطورة تلك الظاهرة وموقف الدين منها له أثر كبير في نفوس الناس في الريف والقبائل العربية التي تؤصل لانتشار عادة الأخذ بالثأر ، بل من الواجب على رجال الدين توضيح القنوات الشرعية التي يجب على الأهالي اتباعها لطلب الدم والثأر من القتيل.

أهمية القصاص كبديل لعادة الأخذ بالثأر

لقد حدد الشرع القصاص كبديل شرعي للثأر من القاتل، ويقوم ولي الأمر أو الحاكم أو القاضي بالقصاص من القاتل بعد التحقق والتأكد من ارتكابه للجريمة من خلال المحاكمة العادلة، و جدير بالذكر أن الجاني يُعاقَب على قدر جرمه فقط؛ وبالتالي تنتهي القضية وتتوقف مطالبة أهل القتيل بدم أو ثأر قتيلهم وتهدأ الفتنة الثائرة، كما أجاز الشرع قبول الدية والصلح والعفو عن القاتل وبالتالي يمكن أن تتقلص عادة الأخذ بالثأر ويقل انتشارها.

لقد وضحت الأديان السماوية خطورة عادة الأخذ بالثأر وبينت القنوات الشرعية للمطالبة بدم القتيل والانتقام من القاتل من خلال القصاص العادل، كما أجازت الصلح بين المتنازعين وقبول الدية، والغريب في الأمر أن المرأة لها دور كبير في حماية تقاليد القبيلة المتمسكة بعادة الأخذ بالثأر، وقد يعود ذلك إلى كثرة الهموم والأعباء التي تحملتها تلك المرأة الريفية على مر العصور بالإضافة إلى الفقر والجهل وقلة التوعية وغير ذلك من الأسباب التي جعلت من أهل القبيلة -ومنهم المرأة أيضا- حماة لتلك التقاليد والعادات الموروثة حتى لو رويت بالدماء، فهل ينتبه المسئولون لهذه العادات الجاهلية التي تأصلت في مجتمعاتنا الشرقية بصورة مخيفة؟ أم ستظل تلك العادة في ازدياد إلى أن تقضي على الأخضر واليابس؟

محمد حسونة

معلم خبير لغة عربية بوزارة التربية والتعليم المصرية، كاتب قصة قصيرة ولدي خبرة في التحرير الصحفي.

أضف تعليق

تسعة عشر + أربعة =