زواج المتعة

زواج المتعة هو إحدى صور الزواج التي عرفها التاريخ الإسلامي عامة والإسلام الشيعي بوجه خاص (بالرغم من تأكيدنا مرارا على رفضنا للمذْهَبِة والفِرَقِيّة). وهذا النوع من الزواج يكون بأن يعقد الرجل قرانه على امرأة بمدة مؤقتة يحددونها بما يتفق لهما، ولا يقع فيه طلاق؛ لأن زواجهما ينفصم بانتهاء العقد من دون الحاجة إلى طلاق. كذلك فإن زواج المتعة ليس فيه للزوجة على الزوج نفقة أو سكنى (كما زواج المسيار)، كذلك ليس فيه توارث بين الزوجين إذا ما مات أحدهما في مدة الزواج، وكذلك أيضا تعتد فيه المتمتع بها بعد انتهاء مدة زواجها إذا ما أرادت أن تتزوج مرة أخرى سواء زواج عادي أو زواج المتعة أيضا، غير أن عدتها تختلف عن عدة المطلقة في الزواج العادي، فعلى حين تعتد المطلقة بثلاثة حيضات أو ثلاثة أشهر أو بوضع مولودها إذا حملت، تعتد المتمتع بها بحيضتين أو بخمس وأربعين يوما أو بوضع مولودها إذا ما حملت أيضا. وفي حالة وفاة الزوج فإنهما يتفقان في العدة، وهي أربعة أشهر وعشرة أيام سواء أدُخِل على أي منهما أم لم يُدخَل.

ما هو زواج المتعة ؟ ولماذا يعتبر خياراً خاطئًا؟

1بين زواج المتعة والزواج العرفي

يخلط البعض بين زواج المتعة والزواج العرفي لما يقع بينهما من وجه اشتراك وتشابه، ألا وهو الاشتراك في الغرض، أي المتعة، غير أن لكل منهما شكله ومضمونه الذي يختلف عن الآخر، على النحو الذي نوضح أهم بنوده في النقاط التالية:

  • الزواج العرفي هو شرعي بالأساس، غير أن صفة الرسمية التي فرضتها القوانين المدنية الحديثة هي التي جعلت من التسجيل الرسمي في سجلات الدولة أمرا ضروريا يصل إلى درجة الشرعية. بينما زواج المتعة مختلف على شرعيته من عدمها.
  • الزواج العرفي (بالمعنى الاصطلاحي الحديث) الذي ينكره الشرع إنما ينكره لإسقاطه ركنين رئيسين من أركان الزواج الشرعي: ركن الولي اللازم لتزويج المرأة، وركن الإشهار والإعلان بدلا من السرية التي يتبعها الزواج العرفي الحديث. أما زواج المتعة فهو بالأساس لا يحتاج إلى ولي لتزويج المرأة، كما أنه لا يحتاج من الأساس إلى الإشهار، وفيه ينتفي معنى السرية لعدم صدقيتها.
  • على حين يسقط زواج المتعة حق الزوجة في السكنى والنفقة والميراث من الزوج إذا ما توفي أثناء فترة العقد، فإن الزواج العرفي لا يفعل، بل لها الحق في النفقة والسكنى والتوارث إذا ما تراضيا على هذه البنود.
  • على حين يمتاز زواج المتعة بالتوقيت (أي مدة مؤقتة ومحددة) ومن ثم تنفصم عرى الزواج بانتهاء المدة المحددة، فإن الزواج العرفي غير محدد بمدة، وإنما تنفصم عرى الزواج _إذا ما أراد الطرفان_ بالطلاق… كما في الزواج الشرعي.
  • يحق للمتزوج بزواج المتعة أن يتخذ ما شاء عددا من الزوجات من غير حد أقصى، بينما في الزواج العرفي فإنه يسري عليه ما يسري على الزواج الشرعي من تحديد العدد بأربع زوجات فقط… حتى ولو تزوجهن كلهن زواجا عرفيا.

2زواج المتعة في ميزان التشريع

غريب هو زواج المتعة على مجتمعاتنا نظرا لندرته البالغة،وإن الواحد منّا ليرتعد من شعر رأسه حتى أخمص قدميه إذا ما سمع بهذا النوع من الزواج يُعمَل به. غير أنه في الأوساط ذات المذاهب الشيعية لا يُحدث ذات الأثر؛ نظرا لمنطق فقهي وجيه يسيرون وفقا له (ونحن إذ نتحدث عن وجاهة المنطق فإننا لا نناقش المسألة نقاشا إنسانيا، وإنما من الزاوية الشرعية الدينية). فبادئ ذي بدء، فإن زواج المتعة ممتد الجذور إلى عصور العرب ما قبل الإسلام (المسمى اصطلاحا بالعصر الجاهلي)، إذ اتخذ الزواج في العصر الجاهلي ذاك صورا كثيرة، أقر الإسلام بعضها وأنكر أغلبها. وإذا ما أتينا لزواج المتعة فقد أقره نبي الإسلام للرجال المسافرين في الغزوات والذين شق عليهم البعد عن نسائهم، فخشي أن يقعوا في الفاحشة من جراء هذا البعد. ثم حرمّه من بعد ما أقره، ثم أقره ثانية من بعد ما رحمّه، فمات النبي وقد انتهى موقفه من زواج المتعة على الإقرار دون الإنكار، ثم أتى أمير المؤمنين عمر بين الخطاب ليطق قولته الشهيرة في هذا الصدد :”متعتان على عهد رسول الله حلالا وأنا أحرمهما وأعاقب عليهما: متعة الحج ومتعة النساء”. وعجيب الأمر أن هذا الحديث العمريّ يحتج به أهل السنة فيما يحتجون في تحريم زواج المتعة في حين هو ذات الحديث الذي ينطلق منه الشيعة في إجازته، إذ هم ينطلقون من أن ما مات النبي وهو يجيزه فأولى بنا أن نترخّص به، وما لبشريّ (مثل عمر) أن يجبّ كلام النبي ولا أن يحرم ما أحله. غير أن أهل السنة يقيمون لصحابة رسول الله (وبالأخص أبا بكر وعمر) وزنا رفيعا باعتبار أن أقوالهم مصدقة عند رسول الله. ألم يقل رسول الله فيهم: “أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم”؟ من هنا كان أحد دواعي الشقاق بين السنة والشيعة، ولا يزال ميزان الشرع حائرا بينهما، ويظهر أنه سيظل حائرا هكذا زمنا طويلا أو إلى أن تقوم الساعة.

3زواج المتعة، المنطلقات والآثار

إننا إذا ما تجاوزنا النظرة الشرعية _المختلف عليها بين السنة والشيعة_ إلى النظرة الإنسانية العامة، لوجدنا أن زواج المتعة ينطلق انطلاقا ذكوريا قد طغى على العقل الإنساني منذ عصور سحيقة، ذلك أن من مسلمات هذا العقل أن المرأة متاع من أمتعة الرجل وجزء من ممتلكاته، ويحق له أن يُنظّر ويفكر فيها باعتبارها موضوعا للملكية: كيف السبيل إلى الاستئثار بها والاستفادة منها على أفضل نحو؟ وما هي السبل الشرعية والقانونية إلى هذه الملكية؟ ويكون زواج المتعة هو إحدى أكثر الإجابات المؤكدة على هذه العقلية، والممتهِنة لكرامة المرأة كإنسان لا يحق لإنسان آخر أن يتملكه أو يستخدمه لغرض أو غاية. هذا عن المنطلقات، أما الآثار المترتبة على هذا النمط من الزواج فهي كثيرة، نذكر منها الآتي:

  • إن زواج المتعة يفشي في المجتمع ما يشبه تجارة الرقيق الأبيض، وفي شكل آخر_ العمل بالدعارة؛ ذلك أن الاختلاف بينهما هو اختلاف في مدة التعاقد، فعلى حين أن فتاة الليل مدتها سويعات قلائل وربما أيام أيضا، فإن زواج المتعة مدته أيام أو أسابيع أو أيا يكن من مدة… فالمضمون مشترك: إعطاء المرأة أجرة المتعة بعد انقضاء هذه المدة.
  • إذا ما حدث حمل لم يظهر إلا بعد انتهاء المدة، ومن ثم أُنجب الجنين بعد رحيل الأب إلى بلده الأصلي، فإن أطفالا كثيرين محكوم عليهم باليتم _وآبائهم أحياء_ يأخذون في الظهور والانتشار. ليس ذلك فحسب، وإنما أيضا تنتشر أزمة أطفال الشوارع لعدم رغبة الأمهات بالاحتفاظ بأطفال لا يقدرون على رعايتهم ولا تكلف أعباءهم.
  • إذا ما أُقر وعُمل بزواج المتعة فإن انتشاره الناتج عن هذا التقنين يتيح _من حيث لا يشعر المتمتعين_ بزواج المحارم؛ ذلك أن رجلا أراد أن يتمتع بامرأة، قد تكون هذه المرأة قد تمتع بها ابنه من قبل، أو تمتع بها أبوه أو أخوه، أو يتمتع بابنته إذا ما كانت في مكان لا يتم فيه تسجيل الأنساب… إلخ.

وبعد، هذا غيض من فيض الآثار والآثام المترتبة على زواج المتعة، وإنا على ذلك قد سردنا موقف الشرع منه محاولين الحياد ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، غير أن هذه الآثار والآثام تجعلنا ننظر فيما وراء الشرع الذي هو ابن اللحظة التاريخية التي تنزل فيها… سواء أوافق أو أنكر.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

خمسة − 3 =