دراما التسعينيات

دراما التسعينيات أو قل عنها إن شئت آخر مراحل الفن العربي قيمة وقدرا وأهمية في نفوس الشعوب العربية، التي أكدت على الدوام فرارها من الألوان الحداثية للفنون إلى الألوان القديمة منها، ولم تكن الدراما هي المجال الوحيد الذي انحدر مستواه، واضمحلت قيمته وأوشكت صفاته على التحلل والانهيار، بل كانت هي العلامة البارزة التي أكدت انهيار كافة الفنون الإبداعية بداية من الأدب، المنثور منه والمنظوم، ومرورا بالفنون الشعبية كالغناء والرقص، وانتهاء بالدراما والسينما، التي اتخذت من محاربة القواعد والأصول والثوابت العربية والدينية أساسا لها، ومنطلقا للانتشار في الأوساط الشعبية، فانتقلت من القمة إلى قاع القاع، فاستحقت أن تكون ميتا في ثوب حي، ولما كانت الدراما العربية ذات أهمية كبيرة في حياة المواطنين، خاصة العرب منهم، أولاها النقاد عناية كبيرة لبحث كل ما يتعلق بها وما تترك من أثر في حياة المتابعين.

كيف أثرت دراما التسعينيات في سلوكيات الشعوب؟

استخدمت الدراما العربية وسائل عدة، ذات تأثير فعال في نفوس المتابعين؛ بهدف تغيير سلوكياتهم تجاه قضايا بعينها، وتحويل تصرفاتهم من حال إلى حال، والإبقاء على وجهة نظر الكاتب والسيناريست والمخرج في صدارة المشهد الفعلي لتبقى هي الدراما والواقع معا، وليست الوسائل جميعها مكثفة في أدوات مادية ملموسة، لكن الوسائل تتعدد بين الأدوات الفنية، والتأثيرات النفسية سواء بالتصوير أو استخدام التعبيرات الدافعة لاتجاه ما مقصود، ما جعل دراما التسعينيات في صدارة الدراما العربية تأثيرا على الشعوب، ولعل من أهم الوسائل المستخدمة في هذه الحقبة هي:

استخدام الدين في إيصال الهدف المرجو من العمل الدرامي

استخدمت دراما التسعينات العربية الدين في مناطق لم تكن مستخدمة من قبل في الدراما والسينما منذ بدايتهما، خاصة مع انتشار الموجات التكفيرية والجهادية في بعض البلدان العربية كالجزائر ومصر، وبداية الاحتراب العربي العربي كما حدث في غزو العراق للكويت، وبزوغ نجم الجمهورية الإيرانية عقب ثورتها على الملكية الإيرانية وإقصاء الشاه عن الحكم، وظهور الحكم المغلف بالدين بعدما تم الفصل بينهما بشكل كامل منذ إسقاط الخلافة العثمانية عام 1924، وكانت أفلام “الإرهابي” و”الإرهاب والكباب” و”ضد الحكومة” و”طيور الظلام” هي أبرز الأعمال التي استخدمت الدين وسيلة لمقاومة هذه الأفكار، أما الأعمال الدرامية المسلسلة التي اتسمت بالصفة ذاتها فكان أشهرها “إمام الدعاة وخالتي صفية والدير والجماعة” إضافة لبعض المسلسلات التي اتخذت من الشخصيات الإسلامية محورا لها مثل “ابن تيمية والترمذي وأبو ذر الغفاري”.

الانطلاق من القضايا المعاصرة لحل مشكلات مجتمعية

اتبعت دراما التسعينيات والسينما العربية بشكل عام، والمصرية بشكل خاص؛ باعتبارها الأم لكافة الدراما العربية الأخرى في ذلك الحين، سياسة المعالجات المجتمعية باستخدام قضايا معاصرة بارزة، فكان نتاج الدراما العربية منها عظيما، وذا تأثير فعال في المتابعين، خاصة الذين كانوا يحرصون على مسلسلات الساعة الثامنة مساء أو أفلام السهرة، التي كانت تخدم قضايا مجتمعية بشكل عميق، مثل أفلام “الظالم والمظلوم، والراعي والنساء، مستر كاراتيه، لحم رخيص، النوم في العسل” وغيرها من الأفلام التي ناقشت قضايا مجتمعية بشيء من الجراءة اللامتناهية والصراحة المفرطة، أما الأعمال الدرامية المسلسلة التي عالجت مشكلات متأصلة وناقشت قضايا حياتية كانت وما تزال مثار جدل في المجتمعات العربية فكان أشهرها: “السبنسة، أوبرا عايدة، النساء قادمون، أرابيسك، البخيل وأنا، ذئاب الجبل، سارة” والقائمة طويلة لا تكاد تنتهي، عالجت هذه الأعمال وغيرها قضايا تتعلق بالثأر، والجريمة، والفقر، والظلم الذي يقع على المواطنين نتيجة الكيد والدسائس، والمخدرات، ومحاربة الصفات الشخصية السلبية كالبخل والتمسك بالجاه دون النظر لحقوق الغير، وحياة المدينة وما يتعلق بها من انحلال خلقي، إضافة لقضايا ذكورية ونسوية شائكة، تناولتها الدراما والسينما العربية بشكل صريح وبمعالجة درامية مثيرة.

بث روح الوحدة والتماسك بين أفراد المجتمع وإعلان التمسك بالأصول والأعراف

الفرقة والتشرذم والتفتت وإهمال الأصول والأعراف كلها آفات تنهك أي مجتمع، وتضعف قواه الداخلية، وتجعل من احتلاله- ولو فكريا- أمرا ميسورا، ولما فطن صانعو دراما التسعينيات لهذا الخطر عمدوا إلى ترسيخ الوحدة والترابط بين أفراد المجتمع الواحد، رافعين شعارات “التمسك بالأصول هو الحل”، وتمثلت هذه الأفكار جلية في مسلسلات “علي عليوة، وساكن قصادي، وعائلة الحاج متولي، وأميرة في عابدين، وامرأة من زمن الحب، والضوء الشارد”، أما الأفلام فكانت “همام في أمستردام، ورسالة إلى الوالي، واضحك الصورة تطلع حلوة، وسواق الهانم”، وكثير من الأعمال التي دعت لنبذ العنصرية والتفرقة، وحضت على التوحد والترابط ومراعاة الآخر، والتخلص من الدخلاء.

مناقشة القضايا الوطنية من منظور تاريخي ومعاصر

ولم تغفل السينما أو دراما التسعينيات العربية القضايا الوطنية، أوتثبيت كفاح الشعوب في نيل الاستقلال من المحتل، أو توثيق الثورات والأحداث السياسية الجليلة وما ترتب عليها من تغييرات في حياة الشعوب، سواء أكانت تغييرات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو غيرها من التغيرات التي وقعت في أعقابها، فكانت أشهر المسلسلات التي تعرضت لتلك الأحداث مسلسل جمهورية زفتى، الذي ناقش جهاد المصريين ضد المستعمر الإنجليزي في فترة ثورة 1919 وما قبلها، التي كانت نواة للاستقلال فيما بعد ذلك بأكثر من 40 عاما كاملة، ومسلسل الملك فاروق، الذي رصد كافة التغيرات أثناء فترة حكم آخر ملوك أحفاد محمد علي في مصر حتى قيام الثورة عليه وتخلصت مصر من الاستعمار ومن الملك معا، بالإضافة إلى مسلسلات “حديث الصباح والمساء، وكوكب الشرق، وبنت أفندينا، وبوابة الحلواني، والناس في كفر عسكر”، أما الأفلام فلم تكن بالحجم ذاته، لكنها لم تقل أهمية عن مثيلاتها من المسلسلات، وكانت أشهرها “فتاة من إسرائيل، وعبود على الحدود، وناصر 56”.

اتخاذ الإنجازات التاريخية منطلقا لتغيير أنماط التفكير الشعبية تجاه القضايا الكلية

ليست القضايا التاريخية المتناولة في الدراما مجرد رصد لأحداث ما في حقبة زمنية معينة، أو نقلا لصورة يمكن أن تتكرر فيمنع ذكرها من وقوع أصحابها في ذات أخطاء غيرهم، بل تناولت السينما ودراما التسعينيات الأحداث والإنجازات التاريخية بشيء من التصغير؛ حتى يسهل إسقاطها على الواقع والقياس عليها، وحولت القضايا شديدة التشابك ومتعددة التفريعات ومتشابكة الأطراف إلى قضايا رمزية، تستخدم التصغير في إيصال الفكرة العامة من الأحداث الكبيرة مثلما حدث في فيلم شمس الزناتي، الذي أكد فيه فريق العمل أن الوحدة ومقاومة الاحتلال الدخيل هو الحل الجذري لكل مشكلات الواحة، ورمز المؤلف للدولة بالواحة، وللاحتلال بالهليبة، وللمقاومة بشمس الزناتي ورفاقه السبعة.

تأصيل القيم والأخلاق باعتبارها وسيلة فضلى في الارتقاء بالمجتمع

اهتمت دراما التسعينيات بتكثيف بث القيم والأخلاق وأصول الإيتيكيت، وأوليت هذه الأهداف أولوية قصوى، وبلغت من الرواج ما لم يبلغه غيرها، فكانت بكيزة وزغلول ويوميات ونيس وساكن قصادي من أشهر الأعمال الدرامية اهتماما بهذه الأهداف، يضاف إليها بعض المسلسلات التي لم تكن على الدرجة ذاتها من الرواج، لكنها كانت ذات تأثير وتأصيل كبيرين مثل يا رجال العالم اتحدوا، والنساء قادمون، وجحا المصري، وتربع على عرش هذه الفئة من الأعمال الدرامية الهادفة لنشر القيم مسلسل عباس الأبيض في اليوم الأسود، الذي أوضح التناقضات الكثيرة بين الواقع المرير وما يجب أن يكون عليه ذلك الواقع.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

17 − 15 =