دخول الإسلام إلى مصر

بدأت الفتوحات الإسلامية في عصر الخليفة “عمر بن الخطاب” والذي حول الإسلام من دين إلى دولة، وكان دخول الإسلام إلى مصر صفحة بيضاء عريقة في تاريخ الدولة الإسلامية حيث صارت مصر –فيما بعد- بوابة وحصنا مانعا في صد كل هجوم على الدولة الإسلامية، كما كان فتح مصر على يد – عمرو بن العاص – بداية عصر جديد وشمسا تشرق على التاريخ المصري وتحوله بعد فترة من الركود، حيث عادت مصر للمشاركة في صنع الحضارة الإنسانية من جديد، بعد أن أحجم المصريون  لقرون عدة عند المشاركة في أي نشاط ثقافي أو علمي أو سياسي منذ أن قتلت كليوباترا السابعة حيث انتهى “العصر البطلمي” وتحولت مصر إلى ولاية رومانية.

بداية دخول الإسلام إلى مصر

البداية كانت عندما أراد “الفاروق عمر” نشر رسالة الإسلام في أرجاء الأرض كافة، وكانت هناك قوتان عظمتان تحكمان العالم هما الفرس والروم، وكان لزاما على الدولة الإسلامية الوليدة أن تقضي على براثن هاتين القوتين؛ حتى تستطيع أن تنشر رسالتها السمحة.

ولم يكن أمام الخلفية “عمر بن الخطاب” إلا الخيار العسكري فأنشأ أول جيش إسلامي نظامي، وبالفعل استطاع أن يتخلص من القوة الأولى بعد انضمام الدولة الفارسية في أحضان الدولة الإسلامية، بعد فتح الشام والعراق، وكان لزاما على الخليفة أن يفكر في تأمين حدود دولته، فكان الاتجاه نحو التخلص من القوى الرومانية، والتي كانت تهيمن على مصر آن ذاك، ومن هنا كان التفكير في “فتح مصر” التي كانت تعد معقلا للبيزنطيين يجب التخلص منه لتأمين الدولة، ونشر رسالة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو الهدف الأساسي من كل الفتوحات الإسلامية التي توالت واحدة تلو الأخرى.

آلية فتح مصر

  • اختار الخليفة “عمر بن الخطاب” القائد العسكري “عمرو بن العاص” لتولي قيادة الجيش الإسلامي في عملية فتح ودخول الإسلام إلى مصر.
  • كانت البداية بفتح مدينة العريش في عام 13 هجرية.
  • توجه الجيش إلى فتح مدينة الفرما ثم بلبيس، والفرما إحدى المدن التابعة لمدينة بورسعيد.
  • التوجه إلى حصن بابليون، والذي تم فتحه بعد حصار استمر طيلة سبعة شهور، حتى تمكن الجيش الإسلامي من فتحه صلحًا في سنة 21 هجرية، 641 ميلادية.
  • أثناء فترة حصار “حصن بابليون” عمل الجيش الإسلامي على فتح مدن مصرية أخرى مثل مدينة الفيوم، وصعيد مصر.
  • كان حصار المسلمون للروم في بابليون، وتوغلهم في مدن الصعيد دافعا للروم إلى الفرار إلى الإسكندرية والاحتماء خلف أسوارها، إلا أن الجيش الإسلامي لاحقهم وحاصروهم حتى تم فتح “مدينة الإسكندرية” بعد إبرام “معاهدة الإسكندرية” في عام 641 ميلادية.
  • بعد ثلاث سنوات من المعاهدة عادوا الروم استعادوا الإسكندرية من أيدي المسلمين، وكانت مصر تحت قيادة “عبد الله بن أبي السرح”.
  • رأى الخليفة “عثمان بن عفان” خليفة الفاروق بعد موته أن يعيد القيادة إلى القائد العسكري “عمرو بن العاص” والذي بالفعل نجح في استعادة الإسكندرية، ومنذ هذا الحين أصبحت مصر ولاية إسلامية، وبدأ تاريخ مصر الإسلامي.

كان دخول الإسلام إلى مصر بلا شك تحولا جذريا واسع الأثر في التاريخ المصري على مر العصور، فمصر مع هذا الفتح، لم تغير قيادتها السياسية فقط، وإنما غيرت أيضا لغتها، ودينها، وهو أمر معقد جدا، لا بد من التوقف حياله كثيرا، حيث تعرض المصريون على مر العصور للكثير من التغيرات السياسية، منذ سقوط الدولة الفرعونية، وتوالي الحكام البطالمة ثم الرومان، إلا أنهم لم يغيروا لغتهم ولا دينهم على الرغم من سطوة الرومان والبطالمة، فحتى عندما تحول المصريون إلى الديانة المسيحية ظلت هناك خلافات جذرية وعقائدية بين الكنيسة المصرية ” كنيسة الإسكندرية” وما بين الكنيسة اليونانية.

لماذا إذًا ترك المسلمون دينهم الذين اعتنقوه قرونا من الزمان، وكذلك غيروا لغتهم، وهل كان  دخول الإسلام إلى مصر معبرا لتحول المصريون إلى اللغة العربية عن القبطية، أم على العكس؛ كانت العربية معبرا لفهم المسلمون لقيم ومبادئ الدين الإسلامي، وبالتالي كانت اللغة العربية وسيلة لفهم الدين جيدا، وفهم أسس العقيدة والقرآن الكريم، ومن باب آخر أشد اتساعا، هل كان دخول الإسلام إلى مصر فتحا أم غزوا؟ كلها تساؤلات سوف نحاول أن نناقشها معا خلال الأسطر التالية فواصلوا معنا القراءة.

هل كان دخول الإسلام إلى مصر فتحا أم غزوا؟

في البداية لا بد أن نذكر أن المسلمين لم يكونوا على وفاق تام ولا حتى جزئي مع الحكام البيزنطيين، نتيجة غلظتهم وكثرة ما يفرضون عليهم من ضرائب والكثير من الأسباب الأخرى التي يطول البحث عنها في مراجع ومصادر التاريخ، وكان كره المصريين للحكم البيزنطي دافعا كافيا لترحيبهم بالفاتح الإسلامي، حيث اعتبروه وسيلة لقهر الدولة البيزنطية والتخلص من جبروتهم في الحكم، بالإضافة إلى شعور الأقباط بالرحمة واللين الذي كان يصدر من الفاتحين المسلمين حيالهم، إذ كانوا يتبعون وصية رسول الله حين قال: ” أوصيكم بالأقباط خيرا” عندما بشر بفتح مصر – عليه أفضل الصلاة والسلام-.

إذًا كان دخول الإسلام إلى مصر بالنسبة للمصريين بدايةً وسيلة للتخلص من ظلم الدولة البيزنطية، فلم يعتنق المصريون الدين الإسلامي بمجرد دخول الفاتحين مصر وبمجرد تسليم مقاليد الحكم لهم من قبل البيزنطيين، فمن الجدير بالذكر أن العرب الفاتحين ظلوا في مصر كحكام لم يجبروا أحدا على ترك دينه واعتناق الدين الإسلامي، بل على العكس كانوا يعاملون المسيحيين في مصر، وكل أهل مصر، بمنتهى اللين، ويكفي ما حدث مع بطريرك الكنيسة المصرية الذي كان مضطهدا من قبل البيزنطيين، وفر إلى الصعيد بسبب اضطهادهم له لاختلافه الحاد مع الكنيسة البيزنطية، حيث عامله عمر ابن العاص بمنتهى اللين ورد له اعتباره، وهي قصة مشهورة في التاريخ.

وعلى مر التاريخ غيرت مصر دينها مرتين:

  • الأولى، كانت عندما تحولت عن الديانات الفرعونية القديمة إلى الديانة المسيحية.
  • الثانية كانت عندما تحولت عن الديانة المسيحية إلى الديانة الإسلامية.

وأما اللغة المصرية فلم تتغير سوى مرة واحدة؛ عندما ترك المصريون اللغة الفرعونية القديمة بتطوراتها المختلفة ومسمياتها المتعددة إلى اللغة العربية.

هذا الأمر يستحق البحث والمناقشة بالفعل، حيث مر على المصريين حضارات متعددة وجبارة بعد العصر الفرعوني، كلها لم تستطع أن تحدث هذا الفارق والتغيير عند المصريين، حتى عندما دخلت المسيحية إلى مصر كان للكنيسة المصرية دور مستقل وموقف مختلف عن الكنيسة البيزنطية، فلم تستطع أي من الحضارات أو الشعوب الأخرى أن تفرض حضاراتها أو ثقافتها على المصريين، إلا أن العرب استطاعوا أن يحدثوا هذا الفارق، فكيف حدث هذا؟  وما الإطار الزمني الذي استغرقه الأمر حتى تتطور الأمور إلى هذا الحال بعد دخول الإسلام إلى مصر .

لا شك إن طبيعة الرسالة التي جاء بها العرب الفاتحين إلى مصر كان لها دور في فرض الثقافة العربية على المصريين، وهي التي أتاحت لنا أن نرى هذا التحول الدراماتيكي المثير في التاريخ المصري، فلم يرَ المصريون من الحضارة الغربية التي أسس لها الرومان والبيزنطيين في مصر سوى العنف والقسوة، والأخذ دون العطاء، وكانت مصر سلة خبز يحصدون منها ما يريدون، ثم يفرضون على المصريين الضرائب الباهظة، وهو ما لم يره المصريون مع المسلمين، بل رأوا الأسس والقيم التي جاء بها الإسلام؛ من الرحمة والعدل والمساواة والإخاء وغيرها، وهو ما دعا المصريين لاعتناق الدين الإسلامي بعد أن فهموا وألموا باللغة العربية، ولم يكن اعتناق الدين عن جهل بل جاء بعد قرنين ونصف من دخول الإسلام إلى مصر بعد الفتح الإسلامي، وقد أخرج المصريون كعادتهم للحضارة الإسلامية والعربية والعالمية علماء دين وفقه ولغة أبهروا العالم وحفروا لأنفسهم مكانة رفيعة في التاريخ الأممي والإنساني.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

7 − 4 =