حظ كأس العالم

بمجرد سماع كلمة كأس العالم يتبادر في الحال لأذهاننا بطولة كرة القدم الأكثر شهرة حول العالم، كأس العالم يتخطى كونه شرفا كبيرا وعلامة فاصلة في تاريخ المشاركين به عوضا عن الفائزين والمحظوظين فيه، فبالحديث عن حظ كأس العالم فعلى مر التاريخ تفاجئنا كثير من الفرق أما أن تتفوق على جبابرة اللعبة على غير المعتاد أو تخذل جميع التوقعات وتسقط سقوطا مدويا، حظ كأس العالم قد يكون أهم حدث للبعض في تاريخ مسيرته على الإطلاق، فكم من لاعب أو مدرب أو حتى منتخب أنضم لكأس العالم وتغيرت مسيرة حياته تماما بعده. على مدار التاريخ بدأ تنظيم بطولة كأس العالم مما يقارب 88 عاما تحديدا منذ العام 1930 على ارض الأوروجواي على الساحل الشرقي لقارة أمريكا اللاتينية. توقفت البطولة لمرة وحيدة ما بين الأعوام 1938 حتى 1950 عقب نشوب الحرب العالمية الثانية، خلاف لذلك لم تتوقف البطولة أبدا وظلت دورتها التي تقام حتى اليوم كل أربع سنوات في دولة ما من الدول المرشحة حسب المعايير والاعتبارات الفنية والاقتصادية التي تضعها الفيفا FIFA (التنظيم الدولي لكرة القدم). وبرغم التغييرات الطفيفة التي تطورها الفيفا على البطولة؛ مثل التطوير المستمر لعدد المنتخبات والتقنيات المستخدمة في لعب المباراة وجودة الملاعب وأخرها كانت استخدام كاميرا الفيديو كقرار إضافي للحكم يستعين به في حالة اشتبه في كرة ما، إلا أن البطولة ما تزال تحتفظ بقوامها الأساسي كأقوى بطولة دولية لأي لعبة رياضية على الإطلاق.

المنتخبات الأكثر حظا في كأس العالم

حظ كأس العالم هو العنصر الذي طالما قلب الأمور رأسا على عقب خلال تاريخ المسابقة، ففي الوقت الذي أطاح بكبار اللعبة أعطى الكثير أيضا للآخرين والذي لم يتوقع تفوقهم على الإطلاق، الأمر لا يتوقف إطلاقا على البطولة التي يصيب فيها دور حظ كأس العالم لاعبا ما أو فريق، فقد تظل تبعات الأمر لسنين كثيرة لصاحبها سواء كانت سلبية أو إيجابية.

الأوروجواي

حظ كأس العالم الأوروجواي

منتخب الأوروجواي مستضيف النسخة الأولى من كأس العالم والفائز الأول بها أيضا منتخب يمتلك كثيرا من نصيب حظ في كأس العالم، فبغض النظر عن حصده للبطولة الأولى في تاريخ اللعبة؛ كانت البطولة آن ذاك تضم 13 فريق 7 فرق من أمريكا الجنوبية و4 فرق أوروبية، فقد حالف حظ كأس العالم الأوروجواي في البطولة التي بكى لها بيليه وهو ابن 9 سنين وقرر بعد 8 سنوات حصد البطولة ليستعيد كرامة بلاده ويحصد البطولة الأولى لها في تاريخها. صنفت هذه الواقعة بانها الأكثر حظا في تاريخ البطولة عام 1950، بدأت البطولة بأداء متواضع للأوروجواي ونتائج كبيرة في المقدمة ومتواضعة فيما بعد فمجموعة الأوروجواي لم تضم إلا بوليفيا بعد انسحاب الخصمين الآخرين تركيا واسكتلندا، استغلت الأوروجواي الفرصة وسحقت منتخب بوليفيا المتواضع ب 7 أهداف للاشيء، وقتها كان شكل البطولة مختلف فكان أول كل مجموعة يتأهل لمجموعة نهائية تتكون من أربع منتخبات تتنافس على أكبر عدد من النقاط وغابت المباراة النهائية عن هذه البطولة، لكن آخر مباراة في دور المجموعة النهائية كان بين الأوروجواي والبرازيل صاحبة الأرض والجمهور في الميركانا، وكانت المباراة هي أيضا الحاسمة لذا كانت المباراة بنكهة المباراة النهائية. البرازيل تقدمت بأداء أسطوري سحقت كل منافسيها تقريبا، فبدأ بالسويد التي هزمتها بنتيجة 7-1 وإسبانيا التي سحقتها بنتيجة 6-1 لم يكن يتوقع أن تجد البرازيل أي منافسة لها تذكر، إلا أن منتخب أوروجواي الذي تغلب على السويس بالكاد 3-2 وتعادل مع الأسبان بهدفين لكل منهما، استطاع وفي المفاجئة الأكبر في حظ كأس العالم، في التغلب بهدف قاتل لم يستطع السيليساو رده وخسروا البطولة بذلك.

الماكينات الألمانية

يحتل المنتخب الألماني المركز الثاني في عدد مرات الفوز بكأس العالم بعد السيليساو، حيث قام المنتخب الألماني بالحصول على لقب كأس العالم أربع مرات على مدى تاريخه الكروي، المنتخب الألماني يعد معجزة كروية تحتاج للتوقف أمامها خصوصا في دورة البطولة في عام 1954، فنحن أمام دولة أنهكتها الحرب العالمية الثانية وتحملت كثيرا من العقوبات الاقتصادية والأعباء نتاجا لذلك لكن حظ كأس العالم أبى إلا أن يقف بجانبها، ولكن المنشافات استطاعوا في أول مشاركة لهم بعد الحرب العالمية الثانية أن يحدثوا معجزة منقطعة النظير. ففي بداية الخمسينات هناك شبحا كرويا سيطر على أوروبا يسمى منتخب المجر بقيادة بوشكاش وأصدقائه، هذا المنتخب ظل منذ العام 1950 حتى لقائه النهائي مع الألمان بدون خسارة واحدة على الأقل، منتخب لا ينقصه شيء ليصبح بطلا للعالم. فبعد انتصار ساحق على الألمان ف الدور الأول من البطولة بنتيجة 8-3 لم تكن المباراة النهائية بالمعضلة، لذا دخل المجريون بأحلام كبيرة حتى أنه تم الإعداد للاحتفالات قبل المباراة ونحتت البلد تماثيل للاعبيها، استطاعت المجر التغلب بالإمكانيات على الألمان بهدفين دون رد، لكن الماكينات كان لها رأي أخر فقامت بتحويل الهزيمة لنصر ساحق بثلاثة أهداف بنهاية المباراة لتحقق معجزة كروية عرفت بمعجزة برن، لتحصد البطولة الأولى في تاريخها والأغلى على الإطلاق. للمنتخب الألماني تاريخ حافلا أيضا في الفوز بالبطولات حيث أستطاع تحقيق بطولة كأس القارات مرة واحدة بجانب 3 بطولات لكاس أوروبا بجانب بطولاته الأربع في كأس العالم. هناك علامات فارقة في تاريخ الماكينات الألمانية بداية من المدافع الأسطوري فرانتس بكنباور الذي قاد منتخبه للفوز بكأس العالم لاعبا ومدربا في 1974 و1990، لا ينسى أيضا المهاجم الكاسح والهداف التاريخي للألمان ميروسلاف كلوزه صاحب 71 هدفا والذي أختتم مسيرته الكروية كلاعب بالفوز بكأس العالم 2014، لا يمكننا تفويت مركز حراسة المرمى الذي يبرز به أسطورتين ألمانيتين أولهما الحارس الأسطوري المعتزل أوليفر كان الحارس السابق لبايرن ميونيخ والحارس الحالي لهم الرائع مانويل نوير.

أمريكا

حظ كأس العالم تقريبا كان الأفضل والأكثر سخرية في حالة المنتخب الأمريكي، فلاعبي أمريكا الذين سافروا إلى البرازيل في عام المعجزات 1950 ليمثلوا أمريكا مجرد تمثيلا مشرفا لا أكثر، كان لاعبي أمريكا أكبر من مجرد لاعبين فمعظمهم يمتلك تاريخا حافل في مهنة أخرى وكرة القدم كانت مجرد هواية إضافية، فأحد اللاعبين كان سائق سيارة تحت الطلب لدفن الموتى وآخر كان ساعا للبريد وأخر عاملا في مصنع أما عن الرجل الذي نال أكبر حظ كأس العالم وأحرز هدف الفوز على الإنجليز، كان صديقنا طالبا يعمل بغسل الصحون في أحد المطاعم، بخلاف أن أصوله من هاييتي وليس أمريكيا خالصا، وبهدفه حقق المفاجأة الأكثر صدمة في تاريخ البطولة. وصفع الإنجليز بصدمة لن ينسوها.

المنتخبات الأسوأ حظا في كأس العالم

على النقيض كما اقتنصت بعض المنتخبات حظ كأس العالم الجيد لتصنع التاريخ، فهناك الكثير من المنتخبات صاحبها الفأل السيئ دائما، على سبيل المثال هناك عقدة للبرازيل في اللعب على ارضها حيث لم تستطع ولو لمرة واحدة تحقيق البطولة على أرضها، المنتخبات الأوروبية أيضا فشلت في جميع المسابقات التي تم تنظيمها فوق القارة اللاتينية، ولم يكسر هذا الحظ السيئ سوى العملاق الألماني في النسخة الأخيرة عام 2014 في البرازيل.

راقصي السامبا – البرازيل

لا يمكننا في معرض حديثنا عن حظ كأس العالم أو كأس العالم عموما والفرق الأكثر نصيبا أن نغفل عن السيليساو، الفريق الأكثر تتويجا على مستوى العالم بالبطولة والفتى المدلل لها. يبدأ تاريخ كأس العالم مع البرازيل من اللحظة التي ولد بها كأس العالم عام 1930، حيث لم تفوت البرازيل أي نسخة من كاس العالم بدون حجز مقعد دائم لها حتى اليوم، حققت البرازيل الفوز بكأس العالم خمس مرات لتتصدر ترتيب الفائزين بالبطولة متخطية كل المنتخبات الأوروبية ذائعة الصيت في ذلك، هذا يعد حظا كبيرا للسيليساو بالطبع لكنه يتضمن الكثير من العمل والجهد أيضا. كما هو المعروف لدى الغالبية فالمدرسة البرازيلية في كرة القدم تعد أعرق وأكثر المدارس جمالا في ممارسة اللعبة، فالمهارة البرازيلية فائقة السحر هي أهم ما يميز محفل كاس العالم. لكن العملاق اللاتيني له الكثير من السقطات السيئة حدثت في أوقات عصيبة أدار حظ كأس العالم فيها وجهه عنها. فالمنتخب البرازيلي سقط سقوطا مدويا أمام الأوروجواي التي لم تكن مرشحة للمنافسة على اللقب مع العملاق البرازيلي آن ذاك والذي عاد بعد 8 أعوام ليحرز لقبه الأول والأغلى على الإطلاق، حظ البرازيل السيئ لم يتوقف هنا ففي بطولة 1998 التي أقيمت في فرنسا استطاع أصحاب الأرض اقتناص البطولة من السيلساو في وسط ذهول غريب من أداء الظاهرة رونالدو، والذي عاد برفقة أصدقائه في 2002 أيضا ليحصد اللقب لبلاده، أخر النكبات للبرازيل في العصر الحديث كانت في البطولة الأخيرة لكأس العالم في 2014 والتي أعادت للأذهان عقدة الأرض التي باغتت البرازيل أكثر من مرة، ففي 2014 سقطت البرازيل على أرضها سقوطا مدويا هذه المرة أمام المنشافات الألماني بنتيجة ثقيلة 7-1 لتخرج من نصف النهائي تجر أذيال الهزيمة.

الطواحين الهولندية أسوأ حظ كأس العالم على الإطلاق

لطالما قامت هولندا بتقديم الأداء الأفضل في العديد من البطولات خصوصا في كأس العالم، لكن حظ كأس العالم دائما وأبدا يترك المنتخب الهولندي ويجعله يقابل مصيره في خسارة البطولة في أكثر من مناسبة، فبداية مع تميمة الحظ السيئ التي يحملها الهولنديون ضاع حلم الفوز بالكأس الذهبية عام 1974 بشكل غريب فرغم تقدمهم بهدف على العملاق الألماني، ألا أن الألمان نجحوا فيما يحسنون صنعه دائما ليكرروا سيناريو 1954 أمام المجر ويصنعون معجزة برن جديدة. حظ كأس العالم السيئ لم يتخلى عن الطواحين بعد ذلك في عدة مناسبات، فالسيناريو بذاته تكرر في البطولة التالية أمام الأرجنتين ليخسروا الكأس الغالية في الوقت الإضافي. وأخيرا في أحدث النكبات في 2010 فبعد تفوق الطواحين وترشيحهم القوي للبطولة ألا أن أحلامهم اصطدمت بالماتادور الإسباني ليخطف منهم البطولة مرة أخرى.

حظوظ المنتخبات العربية في كأس العالم

تمايزت حظوظ المنتخبات العربية بشدة في كأس العالم بين نجاح ساحق وهزيمة نكراء أو تمثيلا مشرفا أحيانا لكن في جميع الأحوال كانت أقصى الإنجازات لها هو التأهل للدور الثاني، بدأت حكاية المنتخبات العربية مع كأس العالم حينما ألتحق المنتخب المصري لأول مرة في تاريخه وتاريخ العرب بالبطولة في نسختها الثانية عام 1934. تلاها مشاركة أسود الأطلسي منتخب المغرب في نسخة 1970، وتراوحت مشاركات العرب في المسابقة ما بين جيدا جدا ومقبول وضعيف، ويعد منتخبي المغرب والجزائر أفضل من قدموا صورة مشرفة للعرب عبر تاريخ البطولة، يليهم الأخضر السعودي وتفوقه الكبير في بطولة أمريكا 1994.

الأخضر السعودي

حظ كأس العالم الأخضر السعودي

شارك المنتخب السعودي متأخرا في البطولة، فأول مسابقة التحق بها كانت في أمريكا 1994 وتعتبر المشاركة الأغلى في تاريخ الأخضر، حيث استطاع المنتخب السعودي تصدر مجموعته بجدارة متفوقا على كل من بلجيكا والمغرب وهولندا، وفيها أحرز اللاعب سعد العويران الهدف الأسطوري ضد بلجيكا، الهدف الذي صنف لاحقا على أنه ثاني أفضل أهداف كأس العالم بعد هدف المعجزة ماردونا. لم يحالف الحظ كثيرا المنتخب السعودي في المشاركات اللاحقة، رغم أنه أستطاع المحافظة على التأهل لأربع دورات متتالية، ألا أن حظ كأس العالم السيئ حطم أمال الأخضر السعودي في بطولة 2002 حينما سقط أمام الألمان بنتيجة 8-0، ليبتع ذلك خسارتين تاليتين من إيرلندا والكاميرون ويودع البطولة بدون نقاط أو إحراز أية أهداف.

محاربي الصحراء – الجزائر

منتخب الخضر صاحب الكرة الممتعة كانوا أكثر المنتخبات العربية تقديما لمستوى مشرف، وحالفهم حظ كأس العالم الجيد في بداية بطولتهم عام 1982 لكنه عاد لاحقا ليتركهم بعد مؤامرة نفذها الألمان والنمساويين؛ حينما تظاهر لاعبي المنتخبين في مباراتهم النهائية في المجموعة بلعب الكرة بدون وجود نية لإحراز أهداف أو وجود منافسة حقيقية فيما عرفت هذه الحادثة لاحقا بفضيحة خيخون، أما عن الجزائر فبعد أداء بطولي ومذهل تغلب الخضر على منتخب ألمانيا الغربية بهدفين لهدف، لينتشر الخبر كالصاعقة محرجة الألمان أبطال العالم لنسختين سابقتين، وفي تصريح غير مسبوق اعترف المدير الفني الألماني بعد المباراة وقال لم نكن نرغب أبدا في لعب الكرة كل ما رغبنا به كان التأهل وهذا ما حققناه

أسود الأطلسي – المغرب

المنتخب المغربي من أبرز المنتخبات العربية التي شاركت في تاريخ كأس العالم في نسخا مبكرة، فحكاية المغرب تبدأ في العام 1970 لكنها لم تكن بالبطولة الموفقة لهم على الإطلاق حيث اكتفى المنتخب المغربي بهزيمتين أمام الألمان وبيرو ويقدم مباراة أخيرة يتعادل فيها أمام بلغاريا، ليودع البطولة سريعا، لكن الحظ لم يكن كذلك في المكسيك 1986؛ قامت المكسيك في ذلك الوقت بتنظيم البطولة مرتين متتاليتين كأول وأخر مرة تقوم دولة من أمريكا الشمالية بتنظيم بطولتين متتاليتين وكان ذلك بسبب اعتذار كولومبيا عن التنظيم. المنتخب المغربي صنع حظ كأس العالم بنفسه هذه المرة، فأسود الأطلسي لم يكتفوا بالصعود للدور الثاني فقط لكن صعدوا كأول مجموعتهم في منافسة جبارة مع كلا من إنجلترا والبرتغال وبولندا. لكن الأسود اصطدموا بأحد أٌقوى المرشحين في ذلك الوقت وهو المنتخب الألماني، ورغم أن الحظ لم يحالفهم ألا أن الألمان فقدوا جميع الحلول أمام المغرب ولم يستطيعوا تحقيق النصر إلا في الدقائق الأخيرة من المباراة.

أخيرا يبدو أن حظ كأس العالم عاملا في غاية الأهمية للفرق المتنافسة، ويمكننا أن نعده أيضا اللاعب الثالث عشر في الفريق باعتبار أن الجمهور هو اللاعب الثاني عشر، فهمها تفوق الأداء وأعجز الجميع في الأدوار الأولى إلا أن غياب الحظ في الأدوار النهائية عن المنتخبات قد يتسبب لها بالخسارة رغم كل التوقعات. وكم من منتخبات اغترت على حين وهلة بمستواها العظيم وتكتيكها الذي يؤلها لحصد البطولة بدون منافس لكن التاريخ يأبى إلا أن يثبت لنا إن لعبة كرة القدم دائما ما تحمل المفاجئات مهما كانت تكهناتنا.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

2 × 2 =