حرب القرم

في منتصف العام الثالث والخمسين من القرن التاسع عشر بدأت العلاقات بين روسيا والدولة العثمانية تأخذ منعطف آخر حتى أصبحت على صعيد ساخن جدًا، ويرجع هذا التصاعد إلى مشكلة الامتيازات الأجنبية التي كانت تحدث في الدولة العثمانية مع مزجها بالأطماع الاستعمارية للدولة الروسية في أملاك العثمانيين، بجانب الثورات التي قامت بها دول البلقان التابعة للدولة العثمانية رفضًا منها للحكم العثماني لها وذلك لاختلاف عامل الدين بين السكان والحكام، ولا ننسى خوف الروس من الإصلاحات التي حاولت الدولة العثمانية تدشينها في الكثير من مجالات الحياة، وذلك بعدما رأت الدولة العليا أن مقاليد الحكم قد اختلت والبلاد أصبحت بحاجة إلى مواكبة التطورات العظيمة التي تحدث في دول الجوار، وهذا يعني عودة الدولة العثمانية من جديد لقوتها ولذا خافت روسيا من ذلك وحاولت منع هذا الإصلاح قبل أن يبدأ من الأساس لحفظ مكانتها كما هي، وفي الأخير قامت حرب القرم والتي راح ضحيتها الكثير من الجنود في كلا الفريقين وانتصرت الدولة العثمانية في نهايتها بفضل مساعدات الإنجليز والفرنسيين والمصريين.

أين تقع القرم؟

تقع القرم أو شبه جزيرة القرم في شمال البحر الأسود بجوار دولة أوكرانيا من ناحية الجنوب، ويحيط بهذه المنطقة الماء من كل مكان إلا منطقة لا تتعدى الثمانية كيلو متر عبارة عن شريط يابسي، ولا يفصل القرم عن روسيا سوى مضيق كيرش ولذا كانت مكان مناسب لتلك الحرب، وتبلغ المساحة الإجمالية للقرم حوالي سبعة وعشرين ألف كيلو متر مربع.

أسباب نشوب حرب القرم

توجد العديد من الأسباب التي أدت إلى نشوب حرب القرم بين الدولة العثمانية وروسيا لعل أهم هذه الأسباب هي مشكلة الامتيازات الأجنبية التي كنت تمنح للدول الأجنبية، فقد كانت لدى الدولة العثمانية نظام يدعى الامتيازات الأجنبية يوفر لبعض الدول صلاحيات أكبر في التنقل والتدخل بشئون الدولة العليا، وأولى الدول التي استفادت من هذا الميزة هي فرنسا ثم مع ازدياد قوة روسيا وانتصارها في إحدى المعارك على الدولة العثمانية طالبت بمنحها نفس الامتيازات التي تتمتع بها فرنسا، ففرنسا أخذت حق اللاتين الذي منحها حق بناء الكنائس والأديرة في القدس الشريف والأماكن الأخرى الموجودة في فلسطين مثل بيت لحم وغيرها، فهبت روسيا تطالب بإصلاح كنيستها الأرثوذكسية في فلسطين، ثم مع مرور الوقت تصاعدت الأزمة حتى تشاجروا على من الأحق بامتلاك كنيسة القيامة العظيمة لدى المذهبين الكاثوليكي والأرثوذكسي، فكان هذا السبب الأول في اندلاع حرب القرم.

ثم يأتي بعد ذلك أطماع روسيا الكبيرة في الدولة العثمانية بعد تعرضها للضعف، فكانت روسيا تثير المشاكل وتحرض على الثورات في منطقة البلقان حتى أنها فكرت في انتزاع القسطنطينية من أيدي المسلمين، ثم يأتي سبب آخر وهو ظهور وانتشار الوعي القومي لدى شعب البلقان وهبوا مطالبين بالاستقلال من حين لأخر، وما شجعهم على ذلك هو استقلال اليونان قبيل بدء حرب القرم بعشرة أعوام فقط ولذا تمردوا كثيرًا حتى يكونوا مثل اليونانيين، وأخيرًا خوف الروس من استعادة الدولة العثمانية لعافيتها نظرًا لدعوات الإصلاح التي تبناها السلاطين العثمانيين في هذه الفترة، ولذلك حاولت ضربهم قبل أن يعودوا أقوياء ويفرضوا أنفسهم على المنطقة مرة أخرى.

دور القوات المصرية في حرب القرم

حرب القرم دور القوات المصرية في حرب القرم

شاركت القوات المصرية سواء البرية والبحرية في حرب القرم بدور فعال للغاية كان له عظيم الأثر في سيران مجرى الحرب إلى ناحية الدولة العثمانية، حيث أنه بعدما تأكد العثمانيون من نية الروس في شن الحرب عليهم قاموا بمراسلة عباس الأول والي مصر وإعلامه بالأوضاع الجارية في المنطقة، حتى تعرف الدولة ما يمكن أن يرسله الوالي المصري إليهم من معونات قبل الحرب بناء على الأخوة الإسلامية والتبعية السلطانية، فقام عباس الأول بالرد عليهم برسالة مطمئنة للغاية موضحًا فيها أنه سوف يقوم بمد الدولة العليا بكل ما تحتاج إليه من موارد قدر الإمكان، وأنه هو وجنوده في خدمة الدولة وقتما تشاء، وهذا ما جعل البلاط العثماني يشعر بارتياح شديد جراء هذا الموقف الرائع من الحكومة المصرية، وبالفعل قام والي مصر عباس الأول مع قواته البرية والبحرية لتحديد ما يمكن إرساله لمساعدة الدولة العثمانية في حرب القرم.

فقام أولًا بإرسال فرمان للكتخدا حسن باشا المناسترلي لكي يقوم بالإشراف بنفسه على عمليات التجهيز والإعداد، ثم توجه مباشرة إلى الأسطول البحري وأوكل مهمة الأسطول الذي سيشارك في الحرب إلى الأميرال حسن باشا الإسكندراني، وهو من أمهر القادة في المجال الحربي نظرًا لتعلمه البحرية في المدارس الفرنسية أثناء البعثات التي أرسلها محمد علي، وبعد إتمام التجهيزات قامت السفن المصرية بنقل حوالي ستة آلاف جندي تحت قيادة الفريق سليم باشا إلى الدولة العثمانية وأتبعتهم ببعثات أخرى، وقد كان لهؤلاء الجنود المصريين دور بارز في الحرب قد أشاد به الإنجليز والفرنسيين بعد انتهائها.

تصاعد الأزمة وانتهاء الحرب

بعدما نشبت الحرب ومرور القوات الروسية بالأراضي البروسية والنمساوية قامت روسيا وبروسيا بإعلان الحرب على روسيا في صف الدولة العثمانية، وذلك لأن الدول المذكورة قامت بمنع كل من يحاول المرور بسيادتها المائية ولكن روسيا لم تستجيب لذلك المنع وخاضت البحر بكل جرأة، وحميت الحرب وتكبدت القوات الروسية خسائر فادحة وقامت إنجلترا وفرنسا بحماية المناطق التابعة للأملاك العثمانية مثل غالييولي واليونان والقسطنطينية، وفي غمار الحرب تمكنت روسيا من هزيمة قسم من القوات العثمانية كان تحت قيادة عمر باشا، وقد تسببت هذه الحرب في فتح الطريق للروس إلى الآستانة ولكنها لم تستطيع استكمال المشوار بسبب التدخل البروسي والنمساوي.

حتى اضطرت روسيا إيقاف الحرب وقامت الدول المتحالفة مع الدولة العثمانية بفرض مذكرة سميت بمذكرة الضمانات الأربع، ولكنها كانت قاسية للغاية فلم يستطيع القيصر الروسي قبولها وأعلن أنه لن يقبل أي قرار قد يمس بسيادة دولته أو كرامة حكومته، وبناء عليه أعلنت الدول الحلفاء الحرب على روسيا في عقر دارها حتى سقطت في أيديهم مدينة سباستبول العاصمة، وبناء عليه أذعنت روسيا لما ستقرره هذه الدول وتم عقد مؤتمر باريس الخاص بهذا الصلح.

النتائج التي ترتبت على تلك الحرب

بعدما انتهت حرب القرم وانتصرت الدولة العثمانية بفضل القوات الإنجليزية والفرنسية قد ترتب عليه بعض الأشياء منها، إنقاذ الدولة العثمانية من هزيمة مروعة كادت تقسم أملاكها وتقضي عليها في وقت مبكر، وقد أدت هذه الهزيمة لروسيا إلى عزلتها أوروبيًا وتولية وجهها إلى وسط آسيا في الهند وباكستان وأفغانستان وبورما وغيرها من الدول الأخرى، وقد أدت هذه الحرب إلى إبطال التحالف الذي كان معقود بين النمسا وروسيا مما ترتب عليه دخول النمسا ضد روسيا في الحرب العالمية الأولى فيما بعد، وقد عملت هذه الحرب على بث روح القومية في كلًا من ألمانيا وإيطاليا، ولا ننسى دور مصر الهام والبارز في هذه الحرب فقد شهدت القوات الأجنبية بما كان يفعله الجيش المصري في تلك الحرب، مما ترتب عليه توثيق العلاقات والصلات مع الدولة العثمانية وارتفاع مكانة مصر في ذلك الوقت، وفي الأخير ازدادت قوة ومكانة الدولة العثمانية في المنطقة وأصبحت ذات سيادة تحترم بفضل إنجلترا وفرنسا.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

4 × 3 =