ثقافة التسامح

تعاني معظم دول العلم الآن من تفشي العنف والإرهاب الذي اعتمد على نشر الكراهية بين الناس، وافتقاد الكثير من المعاني الإنسانية العظيمة التي نادت بها الأديان السماوية كافة، والتي تحض على نشر الحب و ثقافة التسامح بين البشر من أجل أن يعم السلام بين الجميع.

وسوف نتعرف من خلال مقالنا هذا عن أهمية التسامح كقيمة إنسانية عظيمة، وكيفية قبول الآخر مهما بلغ قدر الاختلاف معه في الرأي أو الفكر أو العقيدة أو اللون، وكيف يمكن نشر هذه القيمة العظيمة بين الأطفال والنشء وإبرازها كقيمة إنسانية أعلتها مبادئ الإسلام السمحاء.

ثقافة التسامح وقبول الآخر

من طبائع الأشياء أن يختلف الناس فيما بينهم، وقديما قالوا لولا اختلاف الناس في أذواقهم لبارت السلع، ولكن هذا الاختلاف سواء كان في الأذواق أو المشارب والأهواء، لا يجب أن يفسد العلاقات بين الناس، فالله سبحانه وتعالى قد خلقنا مختلفين في الجنس واللون والعقائد، ومع ذلك فقد خلق الأرض ليعيش عليها الجميع في وئام وسلام.

ومن هنا تأتي فضيلة نشر ثقافة التسامح بين الناس، وأن يتقبل الفرد أن يكون له جار مثلا مختلف معه عقائديا أي يعتنق ديانة مخالفة لديانته، ورغم هذا الاختلاف يتعايشون في مودة وسلام، ويرعى كل منهما مصالح الآخر وحقه في أداء مناسك عبادته، طالما لم تسبب له الأذى، وأن يعرف كل فرد في المجتمع أنه حر مادام لم يضر غيره، وأن حريته تتحدد عندما تبدأ حرية الآخرين، أي أنه لا يجوز أن تجور حريته على حرية غيره.

ومن هنا تأتي ضرورة إشاعة فضيلة و ثقافة التسامح بين الناس، فلا يخسر صديق صديقه لأنه شجع فريق رياضي مختلف، أو كان عضوا في حزب سياسي يختلف في فكره أو آرائه عما يعتقده هو ويؤمن به، بل علينا جميعا أن نتحاور ونتبادل الآراء دون تحيز أو تعصب، ليحتفظ الجميع بعلاقات المحبة والمودة بينهم، بل أن الآراء المختلفة قد تفتح آفاقا جديدة وأفكارا متنوعة يستفيد منها الجميع.

ويمكننا عقد مقارنة بسيطة لمجتمع متشابه في كل شيء، نفس درجة الذكاء، نفس لون البشرة، نفس نوعية التعليم، نفس الذوق، نفس الملامح، هل من الممكن أن تستقيم الحياة؟ لا أعتقد. أو نتخيل مثلا أن الجميع يمارس نفس العمل، لو كان الجميع أطباء مثلا، من يا ترى يقوم بتعليم التلاميذ، ومن يبيع داخل الأسواق، ومن يقوم بالتصنيع أو صيانة الآلات؟ مستحيل أن تستقيم الحياة دون تواجد الفروق بين الناس، فهي مصدر التعايش والتقدم، وعلى الكل احترام الكل لسبب بسيط، أن كل منا يحتاج إلى الآخر.

كيف ينشأ الطفل على ثقافة التسامح والحب؟

حتى ينشأ الشخص على القيم العظيمة مثل قيمة التسامح فلابد أن يبدأ غرس تلك القيم منذ الطفولة، وفي مراحل النمو المختلفة، وأن ينشأ الطفل على قيمة المحبة والتصالح في المنزل، فلا يجب أن يلحظ الخلافات العميقة بين والدية، وأن يدرك منذ سنين حياته الأولى أن الاختلاف بين الأبوين وارد طبعا، ولكنه لا يلبث أن يحل وينتهي بتفاهم الطرفين بطريقة حضارية، ومشاعر يغلب عليها الود والحب والاحترام.

وإذا قدر للأبوين عدم الاستمرار في حياة زوجية سعيدة، وكان الانفصال مقدرا عليهما فلابد أن يتم ذلك دون هدم قيم الاحترام بينه الطرفين، وأن تستمر علاقة التفاهم والتعامل بينهما بود واحترام من أجل رعاية الأبناء دون إحداث أضرار نفسية عميقة قد تترك آثارا مدمرة على حياتهم وخبرات سيئة في الحياة.

وهناك أمر آخر وارد الحدوث داخل الأسرة وهو التمييز بين الولد والبنت، فيشعر الولد بأنه مميز عند أهله أكثر من أخته الفتاة، وأن له حقوقا تفوق حقوقها، كما لا يجب الإسراف في تدليل الفتيات واستخدام الشدة مع الأولاد بحجة أن يخرجوا للحياة رجالا يتحملون المسئولية، بل يفضل التوازن في المعاملة بين الطرفين حتى لا تتولد غيرة قد تتحول في المستقبل إلى عداوة بين الأخوة.

كيف ننشر ثقافة التسامح في المدرسة؟

ولا شك أن أحد أدوار المدرسة الرئيسية بث القيم الأخلاقية الرفيعة إلى جانب إكساب التلاميذ المعارف المختلفة، ولا يجب أن يتم ذلك عن طريق التلقين، ولكن عن طريق التعامل الصحيح مع التلاميذ، فلا يتم التفريق في المعاملة بين المختلفين دينيا، أو تمييز تلميذ على آخر لعلو مكانة أبوه مثلا، وإنما تكون المساواة في المعاملة سائدة بين الجميع، ولا يفرق بين طالب وآخر سوى اجتهاده وتحليه بالأخلاق الحميدة ليكون قدوة لزملائه.

ثقافة التسامح عند المسلمين

يشترك الدين الإسلامي مع باقي الأديان السماوية في إعلاء قيم الحق والعدل ونشر ثقافة التسامح، ولنا في رسولنا الكريم المثل الأعلى في تلك القيم الرفيعة، وتعتبر قيم التسامح والتعايش السلمي بين الناس هدفا أساسيا في جوهر كافة الأديان السماوية عامة، وفي الدين الإسلامي على وجه الخصوص.

لكن وللأسف الشديد انتشر الخلاف بين الناس، وتحولوا إلى أحزاب وعصبيات، وأصبح الدين الواحد فرقا عديدة تناسى أصحابها أنهم يتجهون جميعهم إلى قبلة واحدة، ويسبحون للواحد القهار، فزادت الفرقة بينهم حتى وصلوا إلى حد إثارة الحروب وسفك الدماء وضاع التسامح بين الناس.

وقد لعب الاستعمار الجديد على إشاعة الفرقة والاختلاف بين أبناء الشعب الواحد ليسود لهم السيطرة واستغلال البلاد وثرواتها لصالحهم، كيف لا وقد حبى الله منطقتنا العربية بالثروات الوفيرة، والموقع الفريد، ولكن البعد عن قيمنا الدينية الصحيحة، والإنصات لدعاوى الفرقة والتكفير، والتي اتخذت صورا اتسمت بالعنف وإشهار السلاح في وجوه الأخوة، ولو عاد الجميع لجوهر الدين، للحب والتسامح والغفران لحقنوا الدماء الزكية لأبنائهم، ولصانوا ثرواتهم واتقوا شر أعدائهم.

وهكذا لن يكون للعرب والمسلمين قومة إلا بالعودة لتعاليم الدين الحنيف وجوهره ثقافة التسامح والغفران والود والحب، لتقبل الأخر مهما بلغت الاختلافات، لابد أن تعود هذه القيم للأسرة بين الأب والآم، وبين الأخوة والأخوات، وتهتم بها المدرسة لتغرسها في نفوس الصغار، وأن يكون المدرسون والقائمون على العملية التربوية مثالا صريحا وقدوة صالحة أمام التلاميذ، وأن تسود تلك القيم المجتمع بأسره، فلا يكون هناك تمييز بين أبناء الوطن الواحد، ولا فئة فوق أخرى، أو أن تتميز مهنة على مهنة فالجميع مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات، يطبق عليهم قانون واحد دون تمييز، ودون أن يميز ابن الأمير عن ابن الخفير، ويحضرنا موقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عندما تسابق ابنه مع ابن أحد المصريين فغلب المصري ابن عمر بن الخطاب فصفع بن عمر المصري قائلا أتغلب بن الأكرمين؟ فغضب عمر غضبا شديدة وأمر المصري أن يصفع ابنه تأكيدا لمبدأ المساواة بين الجميع.

والآن نوجه الدعوة للجميع، للأسرة، والمدرسة والمجتمع، للانتصار لقيم الإسلام العظيمة وخصوصا قيمة التسامح، فهي ولا شك التي سوف تشيع المحبة والسلام بين الجميع، وتعود قيم رعاية الجار والزميل والصديق، وتعم المحبة أفراد الأسرة، وتلاميذ المدارس، وأفراد المجتمع كلهم، ويظل الأمل في إشاعة السلام بين الناس قائم يسعى إليه الجميع.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

1 × خمسة =