النقود المزورة

أصبحت النقود المزورة ضربةً ليست بالهينة في ظهرِ الاقتصاد العالميّ في أيامنا هذه. فرغم أن التقدم التكنولوجيّ قد ساهم بشكلٍ جذريِّ في تصعيب عمليات تزييف العملات الأصلية، إلا أنّهُ من جانبٍ آخر هو نفسه الذي ساعد على النهوضِ بأساليب متطوّرةٍ تكنولوجيًّا وفنيًّا لتزويرِ العملة. كان تزوير العملة في السابقِ أكثرَ سهولةً وأقل في فرص اكتشافه مما هو واقعٌ هذه الأيام، فقد ابتدأت الدول باستخدامِ وسائل معقدة لطباعة النقود، وفي نفس الوقت يسّر هذا التعقيد على المواطن العاديّ أن يعرف الفرق بين النقود المزورة والنقود الأصلية.

طريقة اكتشاف النقود المزورة

1أضرار تزوير العملة

إن أضرار التزوير واسعةٌ وجسيمةٌ جدًا من نواحٍ عدّة، وعلى أطراف عدّة. فيعتبرُ تزوير العملة مسًّا لكبرياءِ الدولة وسلطانها. فمن ناحيةٍ، يؤدّي التزوير إلى اهتزاز الثقةِ والاحترامِ من قِبَل الشعوبِ تجاه السلطة الحاكمة والعملات التي تخرجُ من تحت يدها، مما قد يسببُ اجتناب الناس للعملة الأصلية للدولة. ومن ناحيةٍ يؤدي إلى خفض قيمة العملة الدارجة بسبب انتشار أخرى واحتكار سوقها، مما يمنع انتفاع السلطة من النقود التي تُنتجها، والذي يؤدي حتمًا إلى زعزعةِ الاقتصاد وضمورِ الخدمات التي من المفترضِ أن تقدمها الدولة لشعوبها. والنصيب الأكبر من الضرر يقعُ بالطبع على مؤسسات العمل والمحلات التي يكون أساسها التعاملات النقدية، وأيضًا على أفراد المجتمع العاديين، حيث إنهم يتعرّضون لخسائر واسعة بسبب عدم تعويضهم عن النقود المزورة التي قبلوا التعامل بها دون دراية، ويكونون أيضًا بذلك مواجِهون لمدفعِ القانون، فهم الذين يتعرضون للمسائلة وليس المزورون الأصليون.

2عقوبة التزوير

يصنّفُ التزوير على أنهُ من الجنايات وليس الجُنَح، فقد اعتبر جريمة اقتصادية. وشرطُ العقاب أن يتحقق الخداع بالتزوير؛ أي أن يُتوهّم أن هذه النقود المزورة هي أصلية، فيتداول صرفها بالسوق، فيكون العقاب هنا هو السجن المشدد حسب الضرر الذي وقع على الاقتصاد القوميّ. أما إن كان التزوير بيّنًا جدًا للعامة بحيث لا يُتوهم أصالتها بمجرد النظر، كأن يكون حجمها أكبر بكثيرٍ من حجم العملة الأصلية، ففي هذه الحال لا تفرض أية عقوبة.

3نبذة عن مدى تطور عمليات التزوير

قبل البدءِ في هذا السرد، نحتاج أن نعرف الفرق بين النقود المزورة والنقود المزيفة. فالتزوير، يكون عن طريق الإتيان بأعلى فئة من النقود الأصلية، وطباعة رسمتها بطريقة دقيقة على أوراق عدة تشبه الأصلية ظاهريًا، لكنها لا تحمل نفس خواصها. وأما التزييف، ولنضرب مثالًا بالورقة النقدية من فئة ١٠٠ دولار، فيكون باستخدام أوراق نقدية أصلية ولكن من فئة أقل كفئة ١ أو ١٠ دولار، فيزيد المزيف بطريقة دقيقة على الفئة الأقل أصفارًا حتى تبدو كأنها من فئة ١٠٠ دولار الأصلية.

وقد يستخدم المزور أدنى فئة من الأوراق الأصلية رغم أنها ليست قابلة لمضاعفة الأصفار كفئة ١٠ و100 جنيه، أو أن رسوماتها مختلفة عن الفئة المراد تزويرها، ويكون ذلك عن طريق مسح الرسم من الفئة الدنيا بطرق معينة، واستخدام الأوراق في طباعة رسومات عملة من الفئة العليا. ومن أشهر حوادث النقود المزورة في مصر وأكثرها براعة وفنًا، كانت من أحد المزورين الذي لجأ إلى جمع الكثير من أوراق الفئة ٢٥ قرشًا، ومسح رسمها وطبع على أوراقها رسم فئة ١٠٠ جنيه، وقد كانت من إحدى الوسائل للحد من التزوير هو التباين في أطوال فئات العملات المختلفة، ولكي بتغلب هو على ذلك، فقد استخدم أسلوبًا حاذقًا في وصل الأوراق ببعضها بقدر طول فئة ١٠٠ جنيه.

4كيف يمكن اكتشاف النقود المزورة ؟

يستخدمُ المزوّر وسائل تكنولوجية من جهاز حاسوب وطابعة وماسح ضوئي وأجهزة أخرى معقدة. ولكي تقع عملية التزوير، يستخدم المزور الماسح الضوئيّ ( Scanner) لتصوير العملة، فيدخل الصورة على جهاز حاسوب ويعالجُ ألوانها ببرامج المعالجة ومن ثم يطبعها على الأوراق. والأوراق هي أكثر العقبات التي تواجه المزوّر، ومن خلالها أيضًا يمكن تمييز النقود المزورة من غيرها. حيث إنه يُستخدم للعملة الأصلية نوع خاص من الأوراق، معالَج صعب الاتساخ أو الذبول في حالته العادية، والذي هو غير متداول في الأسواق الشعبية. ومن هنا يكونُ أحد أهم الفروق بين النقود المزورة والنقود الأصلية، وهو ملمسُ ورقها. واستشعار الملمس يكونُ بالتجرِبة، فطبيعة ملمس النقود الأصلية هو خشن يحملُ تضاريسَ في أماكن مختلفة، أما النقود المزورة فملمسها ناعم لا يحمل تضاريس.

ثمة طريقة أخرى لمعرفة النقود المزورة بسهولة، وهو نوع الحبر المستخدم. تكون الأحبار المستخدمة في طباعة النقود الأصلية ثابتة وراسخة في أوراق العملة، أما نظيرتها المزورة فغالبًا ما لا تكون ثابتة وتذوب بمجردِ تعرق اليد أثناء حملها، ولذلك يمكن الكشف عن النقود المزورة باستخدام قطرات الماء. ويجعلُ هذا الحبر المستخدم في العملة الأصلية من ألوانها ناصعةً وزاهيةً، حتى القديمة منها، أما الحبر المستخدم مع النقود المزورة فيجعل من ألوانها باهتة حتى وإن كانت حديثةَ الطباعة.

ومن الدلائل التي يُتوصل بها إلى النقود المزورة ، هي الانبعاجات أو البروز التي تخلّفُها طباعة الأوراق النقدية، وهي طباعة “أنتاليو”، حيث يتركُ أسلوب هذه الطباعة انبعاجات في أماكن مختلفة من العملة الأصلية، مثل موضع كتابة فئة العملة من 100 أو 10 وغيرها، وموضع كتابة “البنك الأهلي المركزي”. وهذه الانبعاجات لا تكون موجودةً في النقود المزورة بسبب اختلاف طرق الطباعة.

وهناك أيضًا شريط العلامة المائية، وهو شريط مرسومٌ عليه صورة لقناع توت عنخ آمون، والذي غالبًا ما لا يهتم المزور بوضعه، أو إن وضعَه فلن يتعدى إلى أن يكون وضعًا غيرَ متقن وسطحيًّا. يوضعُ هذا الشريط في العملات الأصلية أثناء عملية تصنيعها، ويكونُ ذلكَ بإحالة الأوراق المستخدمة في الطباعةِ إلى عجينٍ أو مستحلَبٍ عن طريق مزجِهِ بالماءِ بنسبة 98% ، ويوضع في هذه المرحلة شريط العلامة المائية بتغيير توزيعِ ألياف الأوراق في المستحلب أو العجين، بحيث يكون الشريط جزء من الأوراق نفسها وليسَ ملصوقًا بها بعد طباعتها. وهذه عملية معقدة جدًا يصعبُ على إمكانات المزوّر أن يباشرها، ولذلك فإنه إن وضعَ هذا الشريط على النقود المزورة يكون ملصوقًا عليها، فيسهلُ بذلك اكتشافها.

وتكون صورة توت عنخ آمون في شريط العلامة المائية صورةً ثلاثية الأبعاد. حيث إن الشريط مكون من ثلاثة أبعاد، معتمة ومضيئة ووسط بين الاثنين، مما يعطي للصورةِ النموذج الحيّ الذي يُستشعَر بالصور الفوتوجرافية ذات الأبعاد الثلاثية (3D) . أما في حالة النقود المزورة فيكون الشريط عبارة عن بعدين، أفقيّ ورأسيّ، وهذان البعدان لا يكونان متباينين في الإضاءة مثلما هو في شريط العلامة المائية للعملة الأصلية.

وفي الإصدار الأخير للعملة المصرية، يُوضع شريطي ضمان، أحدهما هو الشريط المغزليّ، وهو شريطٌ عرْضيّ يظهرُ في الضوء النافذ، ولونهُ فضيّ، يطمر داخله صورةً هولوجرامية ثلاثية الأبعاد لهرم سقارة، وعند تسليط الضوء عليه، تظهرُ ألوان قوس قزح. وثانيهما شريطٌ منغمسٌ داخل العملة لا يُرى بالعين المجردة ويُكشف عنه بالأجهزة، ويُكتبُ على هذا الشريط فئة العملة في تكرار متسلسل. وغالبًا ما لا يكونُ هذا الشريط موجودًا في النقود المزورة بسبب صعوبة إضماره في ألياف الأوراق.

إنّ التقدم التكنولوجي الذي يفترس العالم بنهَمٍ ودون هوادة هذه الأيام، والأوضاع التي تمرّ بها الشعوب، من اضطرابات وعدم استقرار، وانعدام الهُويّات، وغياب الرادع الحازم في النفوس، وغيابهِ في السلطات التي تفتقد الرادع على نفسها فضلًا عن شعوبها، وحالِ الأيِّهم يسيطرُ على أيّهم، وحالِ الأيّهم يفعلُ ما يشاء وكيفما شاء بأيّهم، حتى أصبحت البلاد على الكوكب كومةٌ غير ذات قيمة أو قيَم، أو كُوّة خاوية ينفرجُ قطرها بمرورِ الزمن ولا تهنأ إلا وقد نشرت صدَعها بما يحاوطها حدّ الخراب.. كل ذلكَ يدعو البشر إلى الاجتراء على كل شيءٍ حيويّ بالنسبةِ للناس، وليسَ تزوير الأموال ببعيدٍ عن هذا الكل.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

20 − ثمانية عشر =