تسعة
الرئيسية » مجتمع وعلاقات » الشخصية » النفس البشرية : هل الأصل في داخلنا الخير أم الشر ؟

النفس البشرية : هل الأصل في داخلنا الخير أم الشر ؟

حار البشر منذ القدم في فهم النفس البشرية وتحديد ما هيتها بالشكل الصحيح، وأيضًا حاروا في تحديد ما إذا كان الأصل في النفس البشرية هو الخير أم الشر.

النفس البشرية

لطالما كان هذا السؤال محيرا منذ بداية الخليقة. هل الأصل فينا الخير أم الشر؟ إذا كان الأصل في النفس البشرية هو الخير، فلماذا توجد القوانين والروادع والحروب والشرور المنتشرة بالعالم؟ وإذا كان الأصل في النفس البشرية هو الشر، فلماذا يُطلب منا دائما العودة إلى الفطرة وما يمليه القلب والعقل؟ لم يكن هذا السؤال محيرا لنا فقط، بل حير عقول الفلاسفة أيضا على مر العصور السابقة. فالفيلسوف جان جالك روسو كان دائم الجدال بأن البشر بطبيعتهم خيرين ويهتمون بمشاعر الآخرين واحتياجاتهم. بينما ادعى الفيلسوف أوجستين بأن الأصل فينا هو الشر والأنانية، وأننا لا ينقذنا أو يردعنا سوى القوانين الإلهية المنزلة. ومثله يرى الفيلسوف توماس هوبز بأن الأصل فينا الشر والوحشية، لكنه يرى بأن الرادع لنا هي قوانين المجتمع وليس القوانين الإلهية. وفي النهاية، لم يصل أحد من الفلاسفة إلى إجابة ناجعة لهذا السؤال. فهل سنصل نحن في هذا المقال؟

ما هو الأصل في النفس البشرية ؟

التجارب النفسية

ربما السبب الذي لم يجعل الفلاسفة يصلون إلى إجابات، هي أنهم كانوا يلجؤون إلى عقولهم أغلب الوقت. ينظرون في أنفسهم، وينظرون حولهم وفي كل مكان، ويحاولون توفيق ما يرونه بما تخبرهم به عقولهم. وربما لم يكن من الممكن محاولة الوصول إلى إجابة لهذا السؤال، قبل ظهور علم النفس والتخصص في دراسة النفس البشرية . بدراسة النفس البشرية وإجراء التجارب على التصرفات والانفعالات وقدرتنا المتطورة يوما بعد يوما بدراسة تلك التغيرات وتأثيرها على المخ والوصلات العصبية، أصبح بمقدورنا الحصول على إجابة أكثر واقعية ومنطقية لبعض الأسئلة التي كانت سببا لحيرة الفلاسفة وحتى الأشخاص العاديين. فما الذي توصلت إليه تلك التجارب النفسية إذا؟

السر في الأطفال

هناك وسيلة دائما في علم النفس للتمكن من دراسة النفس البشرية جيدا. هذه الطريقة تعتمد على الأطفال الصغار تحت سن السنتين مثلا. المثير للاهتمام في هؤلاء الأطفال هي أن الطبيعة التي بداخلهم لم يتم لمسها بعد. لم يتم برمجتهم على قوانين المجتمع وطريقة سيره، لم يحتكوا بأطفال آخرين والذهاب إلى الروضة بعد، لم يحتكوا مع أشخاص كبار سيتركون بداخلهم عوالق من أفعالهم، ليس بإمكانهم التحكم في أي شيء بعد أو تكوين رأي عن أي شيء. هم بطبيعتهم التي ولدوا عليها دون مساس أو تشويه. كل هذه الصفات تجعلهم مرشحين ممتازين لدراسة النفس البشرية بتريث وهدوء. ولكن المشكلة الكبيرة تكمن في أن هؤلاء الأطفال الذين لم يتأثروا بشيء من بيئتهم بعد، لا يمكنهم الكلام! كيف إذا سنتواصل معهم أو نحملهم على إخبارنا ما يدور بداخلهم أو ما يظنون أنه صواب أو خطأ؟!

لحسن حظنا أننا لسنا بحاجة ماسة إلى الكلام للتواصل مع هؤلاء الأطفال الصغار، فقد وجد العلماء أن الأطفال لديهم وسيلتهم الخاصة في التفاعل. فإذا كان هناك شيء يسترعي انتباه الأطفال أو يثير اندهاشهم، سيطيلون النظر إليه. أما إذا كان شيئا عاديا فإنهم سيشيحون بنظرهم عنه بعد فترة قصيرة جدا. كيف استغل العلماء هذه الخاصية إذا في دراسة النفس البشرية ؟

تجربة على الأطفال

هناك تجربتين تم إجرائهما على الأطفال بجامعة يال لمعرفة ما إذا كانت طبيعتهم، وبالتالي طبيعة النفس البشرية ، هي الخير أم الشر. ففي التجربة كان يتم عمل عرض مسرحي أمام أطفال رضع، حيث يكون هذا العرض عن طريق عرائس اللعب.

التجربة الأولى

في التجربة الأولى كان المشهد عبارة عن شكل يشبه الجبل، ودمية تحاول صعود هذا الجبل. وعلى جانبي هذه الدمية، دميتان أخريتان. كانت وظيفة الدمية الأولى هي أن تساعد الدمية المتسلقة عن طريق دفعها من أسفل إلى أعلى. بينما وظيفة الدمية الثانية هي إعاقة الدمية المتسلقة عن طريق شدها إلى أسفل. وكان هذا هو ملخص العرض الأول.

في العرض الثاني، وعن طريق استغلال حقيقة أن الأطفال يطيلون النظر لما يثير اندهاشهم، قام الباحثون بتحريك الدمية المتسلقة مرة إلى الدمية المساعدة للعب معها، ومرة أخرى إلى الدمية المشاغبة. ما فعله الأطفال هو أنهم أطالوا النظر عندما حاولت الدمية المتسلقة اللعب مع الدمية المشاغبة. فمن الواضح أن هذا الفعل استرعى انتباه الأطفال وكان مدهشا بالنسبة لهم. هذه التجربة أوضحت أن الأطفال بإمكانهم التفريق بين الصواب والخطأ، وليس هذا فقط، بل بإمكانهم أيضا تحليل الأفعال ومعرفة ما يجب توقعه من الأشخاص ليفعلوه بناءا على تصرفات الآخرين معهم.

التجربة الثانية

في التجربة الثانية كان العر ض المسرحي مختلفا قليلا ولكن بنفس المعنى. كانت التجربة هذه تجرى على أطفال عمرهم ستة أشهر فقط، وكان العرض عبارة عن ثلاث دمى وصندوق. الدمية الأولى تحاول فتح الصندوق، الدمية الثانية تحاول مساعدتها، والدمية الثالثة تحاول إعاقتهم عن طريق الجلوس فوق الصندوق. ما الذي استعمله الباحثون في تلك التجربة لمعرفة ردود فعل الأطفال إذا؟ في هذه التجربة تم وضع الدمى الثلاثة أمام الأطفال للاختيار من بينهم، وكان اختيارهم دائما يقع على الدمية المساعدة.

لم تكن هذه هي التجربة فقط، بل تم عمل تجربة أخرى بأن سمحوا لأطفال أكبر سنا قليلا بإعطاء مكافأة لهذه الدمي كقطعة حلوى أو ما شابه. كان جميع الأطفال يعطون الحلوى للدمية المساعدة ولا يعطون شيئا للدمية المشاغبة، بل وضربها أحد الأطفال فوق رأسها كاعتراض منه على شغبها. كانت هذه التجرية توضح أن الأطفال بإمكانهم التفريق بين الصواب والخطأ، ليس هذا فقط، بل أنهم أيضا يطلقون الأحكام ويقفون موقف الراعي لهذه الدمى.

ربما كانت هذه التجارب توحي بأن طبيعة النفس البشرية هي الخير لا الشر، ولكن كان هناك اعتراضا من الدكتورة بجامعة دورهام “نادجا ريسياند” تقول فيها بأن الأطفال يمكنهم التعلم والتأثر من آبائهم ومجتمعاتهم منذ ولادتهم. فربما كانت إجابة سؤال المقال تحددت من تلك التجارب، ولكن ماذا إذا كان كلام دكتور ناجا صحيحا؟

السر في الكبار

ربما لم يكن السر في الأطفال، ربما كان السر في الكبار بما أن عقولهم تطورت وأصبح بإمكانها الحكم على الصواب والخطأ. ربما كان ما يتحكم فيها هو قوانين المجتمع أو الشرائع السماوية أو غير ذلك، لكن لا بد أن كل إنسان بداخله جانب لا يخرجه إلى المجتمع نظرا لتلك الروابط والقوانين. فما الذي سيحدث إذاً إذا حللنا الفرد الكبير من مسئولياته وواجباته والقوانين التي تربطه، وأخبرناه أنه هو من يضع القوانين. هل سيضع قوانين صالحة وتدعوا إلى الخير، أم سيختار الفساد والشر. وكيف سيكون هذا مؤشرا على طبيعة النفس البشرية؟

التجربة التي منع تكرارها مجددا

أقيمت هذه التجربة في جامعة ستانفورد من مجموعة من الباحثين بقيادة “فيليب زيمباردو”. كان الغرض من هذه التجربة هي دراسة تأثير أن يكون الشخص ساجنا ومسجونا. ولكن ما كشفته هذه التجربة كان أكبر بكثير من مجرد هذا الغرض البسيط. التجربة تدعى “تجربة سجن ستانفورد”.

أجريت هذه التجربة على طلبة من جامعة ستانفورد نفسها. في هذه التجربة، اختير بعض المتقدمين ليكونون السجناء، واختير البعض الآخر ليكونون السجانين، أعطي لكل مسجون رقم ليٌنادى به في السجن عوضا عن اسمه كطريقة لمحو هويته كما في السجون العادية. كان هؤلاء الطلاب يتلقون أجرا يوميا لقاء إكمالهم التجربة. لم يتم إخبار السجانين أو المسجونين أية قواعد أو قوانين. تركوهم فقط لما يريدون هم فعله وما يرونه مناسبا. كل ما أخبروهم به هو أنهم يشاهدونهم عبر كاميرات المراقبة، وسيتدخلون في حالة أية مخاطر أو تعقيدات.

بداية التجربة

بدأ اليوم الأول في السجن بطريقة اعتيادية كما يمكن أن تتوقعها في تجربة. المساجين يمثلون دور المساجين، والسجانين يمثلون دور السجانين. حتى وصلوا إلى أول صراع بينهم. أول صراع بين مسجون وسجان. ما الذي تظنون أنه كانت نتيجة هذا الصراع؟ كيف ستتصرف النفس البشرية المتروكة دون قيود و قوانين في تلك الحالة؟ الطلاب جميعهم متقدمون لهذه التجربة باختيارهم، واختيار السجين والسجان لم يكن سوى محض صدفة لا أكثر. فما الذي فعلته النفس البشرية في هذا الصدام؟ لقد كانت النتيجة صادمة.

في البداية، حاول السجانون فرض سيطرتهم وإخضاع المساجين لأمرهم. فبدؤوا بالصراخ فيهم وأمرهم. شعر الطلبة المسجونون بالظلم وعدم وجود أي عدل في هذا، ففي النهاية هم كلهم في هذا المكان باختيارهم كما أوضحنا. انتظر السجانون والمسجونون أن يخرج أصحاب كاميرات المراقبة هذه لفعل شيء، لكن الباحثون لم يتدخلوا بأي شكل. وقرروا ترك التجربة لتسير كما تشاء. وكان هذا القرار كارثيا!

توالت الصراعات وكثرت بين الطرفين، وأصبح الطرف الذي بيده القوة يحاول قمع الطرف الآخر بكل قوة. يسبون بقسوة، يجبرونهم على القيام بأعمال جسدية لا حمل لهم بها، يمنعون بعض السجناء من التبول في أي مكان سوى علبة صغيرة ، ويمنعونهم أيضا من إفراغها! كانوا يجعلونهم يكررون أرقامهم باستمرار في طريقة لمحو هويتهم بداخلهم. ويمنعونهم من مناداة بعضهم البعض بأسمائهم حتى! ووصل الأمر إلى أن أجبروا أحدهم على خلع ملابسه كلها كوسيلة لإهانته وإذلاله! كانت النتيجة كارثية بكل معنى الكلمة، وانعدام القوانين والروادع تركت المساحة لكل الشر الموجود بداخل السجانين للانطلاق كما يريدون. وكلما زاد الباحثون القائمون على التجربة في التجاهل، كلما زادت قسوة هؤلاء السجانين.

نهابة التجربة

بعد 36 ساعة فقط، قام أحد الطلبة المسجونين بالانفعال والصراخ، أو كما وصف زيمباردو “جن جنونه”، وكان واضحا جدا أنه لم يعد قادرا على إتمام التجربة. فاضطر الباحثون إلى السماح له للخروج – إصرار الباحثون على بقائه عكس رغبته كان أمرا غير أخلاقي أيضا وغير مسموح به-.

اضطر زيمباردو إلى إنهاء التجربة بعد ستة أيام فقط بعد أن كان من المفترض أن تستمر لمدة 14 يوما! وكانت النتائج لهذه التجربة هي أن ثلث الطلبة السجانين أصدروا تصرفات وحشية صميمة من داخلهم. وأن معظم الحراس كانوا مستائين عند انتهاء التجربة!

ربما لم يكن الغرض من هذه التجربة هو دراسة النفس البشرية ، ربما كان الغرض هو دراسة تصرف السجان والمساجين لمساعدة البحرية الأمريكية والمؤسسات الحكومية لفهم سبب النزاع الدائم بين السجانين والمسجونين، ولكن النتيجة كانت بشعة ومدهشة لأقصى الحدود. وكانت منظورا جديدا لنرى من خلاله طريقة عمل النفس البشرية .

بعد النهاية

تم صنع فيلم من هذه التجربة يحمل نفس الاسم، وفي هذا الفيلم ستشاهد الانفعالات والأحداث وستعايش بنفسك. وستتساءل كثيرا عن السبب الذي جعل الأمور تصل إلى هذا الحد.

كان أحد التعليقات على تلك التجربة هي أن كل طالب من هؤلاء الطلاب تعامل بمقتضي الوظيفة التي وضع فيها، فالحراس أظهروا طبيعة وحشية لأن هذا المتعارف عنه ف تلك الوظيفة، والمسجونين أظهروا طبيعة ثورية لأن هذا هو المعروف عن المسجونين. فلم يكن النقاش عن طبيعة النفس البشرية تماما بقدر ما كان عن تأثير الدور الذي يلعبه كل شخص في هذا العالم. ولكن، ما الذي قد يدفع أحدا إلى افتراض الشر والتعامل على أساسه منذ البداية؟

ربما لم تكن الإجابة في علم النفس كما كنا نظن. وربما لم تكن مشكلة الفلاسفة هي أنهم لم يصلوا بعد إلى التكنولوجيا والعلم الذي لدينا الآن، وربما لا نصل إلى إجابة هذا السؤال الآن. فالتجارب نفسها يختلط فيها ما يمكن استنتاجه منها. فالأطفال يخبروننا أن الأصل فينا الخير، والكبار يخبروننا أن الأصل فينا الشر. ويأتي أشخاص آخرون ليدحضوا ما أتت به هذه التجارب نفسها. فهل تظنون أننا سنصل حقا إلى إجابة ناجعة في هذا المجال؟

أفنان سلطان

طالبة جامعية، أهوى القراءة واعتدت الكتابة كثيرا منذ صغري. على أعتاب التخرج ولا أدري بعد ماذا سأفعل.

أضف تعليق

1 + اثنان =