المراهقة المتأخرة

نحن الآن نتحدّث عن ظاهرة نفسية تحدث لبعض الرجال والنساء، خاصةً الذين في عمر متقدم، أو بوجه آخر نناقش أزمة منتصف العمر ألا وهي المراهقة المتأخرة ، فهذا المصطلح قد لا يعرفه الكثيرون، أو أحيانًا يتم تفسير معناه بطرق غير صحيحة، لأن المصطلح المتعارف عليه بين الأشخاص هو سن المراهقة الذي يمر به أبنائهم، السن الطبيعي المتوجب على كل شخص أن يعيشه وعلى كل ولي أمر أن يتعامل معه، لكن المراهقة المتأخرة ليست فترة أساسية في حياة الشخص، لذا يغفل عنها الأشخاص، وقد يمر بعضهم بهذه الفترة مع عدم إدراك طبيعتها أو حتى مسماها الحقيقي.

المراهقة المتأخرة في علم النفس

المراهقة المتأخرة المراهقة المتأخرة في علم النفس

المراهقة المتأخرة في كامنها فترة نفسية، يمر بها الشخص ليعكس ما في داخله من الشعور بالكبت النفسي أو الحرمان العاطفي، وقد يكون بسبب الاكتئاب الناتج عن الإحساس بعدم أهميته اتجاه نفسه أو اتجاه الآخرين، فيتم ترجمة شعوره هذا على هيئة تصرفات انفعالية غير مسئولة، يبدأ من خلالها البحث عن أشياء يمارسها لم يعايشها في صباه، ويختلف ذلك نسبيًا بين شخص وآخر، فيبدأ بأفعال صبيانية، يرى نفسه من خلالها بكبرياء اعتقادًا منه أنها ستجعله يعود إلى أيام صباه الموعودة، أو التي لم يعاصرها وحرم نفسه منها. وهذا الفترة أو الأزمة تختلف عند الرجال والنساء، فالرجل يعتقد أنه يهرب من حياته الحالية من خلال هذه التصرفات، وأنه يجب عليه تغيير الروتين اليومي، ويعتبر هذه المرحلة محاولة اكتشاف نفسه أو ترتيب حياته وأولوياته، أما المرأة فيظهر عليها عصيان واضح فتبدأ برغبتها في تحقيق ذاتها، وإهمالها لأمومتها وقد تتخلى عنها في سبيل مغامرة حياتية جديدة تظن أنها بذلك في طريقها لتحقيق رغباتها المكبوتة، ولكن لكل ذلك في نهايته عقبات.

المراهقة المتاخرة للرجال

المراهقة المتأخرة عند الرجال لها أسباب عديدة، ولها علامات تظهر عليهم سوف نعرضها، لكن ما أهم الأسباب التي تجعل الرجل يصاب بمراهقة متأخرة ؟، هناك أسباب نفسية تجعل الرجل يمر بهذه الفترة الصعبة، وهناك أسباب تتعلق بالفرد نفسه، فالأسباب النفسية ترجع إلى كونه لم يعِشٌ سن المراهقة الطبيعي كأقرانه، كما الحرمان العاطفي من أحد الأبوين، أو تسببهم في عزله عن زملائه الإناث، فلم يختلط بشكل تعسفي وغير طبيعي، فنتج عن ذلك رغبته في الاختلاط الغير مباح، ومصادقته لهن بشكل غير لائق، وأراد إشباع هذا الحرمان فيما بعد، وليس السبب فقط الحرمان الزائد بل التدليل الزائد من أمه في صغره، فمع تقصير زوجته يتطلع إلى أخريات لملأ هذا الفراغ. أما الأسباب التي تتعلق بالفرد فقد تكون بأنه بدأ بناء نفسه وحياته العملية في سن باكرة، فنسى الاهتمام بنفسه، وقد يكون تزوج لبناء حياة أسرية فقط وليس للشعور بالحب وغير ذلك، فأدى ذلك إلى النظر إلى أخرى بغرض الشعور بالحب المفقود، وأعرض عن زوجته رفيقة كفاحه وحياته.

علامات الزوج المراهق

للزوج الذي يعايش فترة المراهقة المتأخرة علامات وأعراض تظهر عليه، وبالضرورة تلاحظها زوجته، فيبدأ بالتذمُّر الدائم والغضب الغير مُبرر، وفي معظم أوقاته يشعر بالاكتئاب لأن حياته أصبحت مملة وروتينية، فتراه متمرّدًا على حياته التي يعيشها معها ومع أولاده، محاولًا التطلع إلى التغيير في نمط حياته، فيبدأ بشراء سيارة جديدة، وملابس معاصرة قد لا تناسب عمره، ويهتم بمظهره الخارجي، فهو دائم النظر في المرآة، وفي محاولة لإخفاء شعره الأبيض بصبغة اللون، وإن كان من المدخنين يتعمّد شرب السجائر في الأماكن العامة بشكل يلفت الأنظار إليه محاولًا التباهي قبل كل شيء، وقد يتعدى حدود الشرع في مصادقته لفتيات أخريات تصغرنه سنًا، وتعرف الزوجة بعد ذلك هذه الحقيقة المُرّة، فيهملها اعتقادًا منه أنها العائق في محاولة إشباع رغباته، وبالتالي يؤثر ذلك في تربيته لأولاده، وتقصيره في حقهم. وعلى الزوجة أن تحاول تفهُّم زوجها المراهق، وأن تحتويه وتكون في صحبته حتى يتخطى هذه الأزمة، وتصل إلى برّ الأمان بزوجها وأسرتها، وهذا يبدأ بأن تكون على قدر من الوعي بهذا النوع من المشكلات والتي قد يمر بها الزوج في فترة معينة.

المراهقة المتأخرة للنساء

كما قلنا تختلف المراهقة المتأخرة للرجال عن النساء، فللنساء أسباب أخرى تجعلهم يمرون بأزمة منتصف العمر هذه، وذلك لأنها قد مرت بفترة صعبة في صباها، فلم تستطع عيش فترة مراهقة طبيعية بسبب تربية صعبة، أو كبت نفسي ناتج عن شعورها بالنقص، وأنها ليست كباقي الفتيات، وقد يكون السبب في الزواج المبكر لدى الفتيات، فأنجبت سريعًا، وتحمّلت المسئولية مقارنة بغيرها في ذلك الوقت، فأدى ذلك إلى أنها لم تعِشٌ سنها الطبيعي، فعند بلوغها عمر الأربعين أصبحت تريد تجربة ما فاتها في أيام صباها، فظهر عليها اليأس والشعور بخيبة الأمل، وأحيانًا أخرى يظهر عليها الضعف، وأوقاتًا أخرى تخاف من التقدم في السن، فوضعت نفسها موضع اهتمام من الجميع، فأقحمت نفسها في الوسط لتكون محل أنظار، وأظهرت حجتها في التغيير، فبعد ما كانت أم مهتمة بمنزلها وزوجها، تطلعت للاستقلال بذاتها، وبدأت في التغيير من مظهرها، وخصوصًا إذا بلغ بناتها سن المراهقة، فتحاول تقليدهن، وقد ترتدي ثياب مثلهن، وهذا إذا كانت الأم غير متزنة ولا تستطيع ضبط نفسها انفعاليًا مما أوصلها لهذه المرحلة المتأخرة.

تطور المراهقة المتأخرة لدى بعض النساء

قد يتطور الأمر في فترة المراهقة المتأخرة لدى بعض النساء إلى ضعف المشاعر اتجاه الزوج، بل تصل إلى ترك أزواجهن، فيمكن أن تنظر إلى آخر، وتعيش معه قصة حب متأخرة، وإن سمحت لها الفرصة تمارس عادة التدخين، ومع الأسف بعض السيدات قد تخالط الرجال وتجلس معهن بسهولة، فهذا تحدي كبير تواجهه المرأة، ويجب الوقوف أمام هذا التحدي، فيجب على من حولها محاولة التعامل مع هذه الفترة بوعي شديد، وخاصةً زوجها قبل تطور الأمر، فبإمكانه استيعاب زوجته، واحتوائها لكي تتخطى هذه الأزمة، لأننا نتكلم عن حياة أسرة كاملة قد تنهار.

متى ينتهي سن المراهقة المتأخرة عند الرجل؟

تبدأ سن المراهقة المتأخرة عند الرجل في سن السابعة والثلاثين إلى سن الخمسين، لكن الغالب بعد سن الأربعين، وتنتهي بعد الخمسين أو قبيل سن التقاعد، لكن يجب أن تنتهي بمجرد إشباع الرجل لرغباته، ومشاعره المكبوتة، أو بمجرد تقبله أنه في أزمة حقيقية ويجب تخطيها، ولكن قبل فوات الأوان، فهناك رجال فاتتهم الفرصة ولم يستطيعوا الرجوع في الوقت المناسب، بينما هناك آخرون استوعبوا مشكلتهم وبدؤوا بالعلاج الفعلي، فذهبوا إلى الطبيب المختص، ومن الأفضل لهم أيضًا التعرّف إلى من يشاركوهم نفس الأزمة، وكيف خرجوا منها أو حتى كيف حاولوا ذلك. ونراعي أنه لا يمر كل الأشخاص بهذه الأزمة أو المرحلة، لأن هناك كثيرون يتقبلون حياتهم، ويؤمنون بأن لكل مرحلة جمالها، فيعيشون بسعادة مع ذويهم، ويشعرون بالرضا والقناعة لما قُدّر لهم، وهذا مبني على الشخص نفسه إذا كان عنده ثبات واتزان انفعالي، ويتوقف أيضًا على نظرته للأمور، والأهم من ذلك التربية الدينية السليمة، لأنها ليست قاعدة إذا واجه كل شخص صعوبات في صباه يقوم بأفعال غير مسئولة في رشده ونضجه.

المراهقة المتأخرة في الإسلام

المراهقة المتأخرة المراهقة المتأخرة في الإسلام

هناك توجيهات إسلامية وقواعد شرعية نلتزم بها جميعًا، يعني مثلًا الإسلام لم يصرّح بمفهوم المراهقة عمومًا لدى الشباب، لكن أعطى أوامر معينة ينفذها الآباء في التربية، كأمرهم بالصلاة في سن السابعة، وضربهم في سن العاشرة، والتفرقة بينهم في المضاجع..، وهذه التفرقة مهمة جدًا أثناء تربية الجنسين في بيت واحد، وذلك لزرع التمييز بين الرجل والمرأة فيهم من صغرهم، وتعليمهم بعد ذلك ضوابط الاختلاط. وهناك قاعدة أخرى مهمة أمرنا الشرع بها، وذلك لنتجنب حدوث المراهقة المتأخرة ألا وهي “عدم إطلاق البصر”، ومعناها لا يجب على أي مسلم إطلاق بصره والنظر إلى المحرمات، بمعنى التطلع إليهم بغرض التفتن بجمالهم، بل يجب عليه غض البصر، وصيانة نفسه، وهذا يمكّنُه من التحكم في شهواته، والبعد عن الفتن المحيطة به، فيرضى بحلاله الذي قسمه الله له، ويصون زوجته، وتصون المرأة أيضًا زوجها عندما تنفذ هذه القاعدة الشرعية. فإذا أردنا تجنب مشكلة المراهقة المتأخرة ، علينا الالتزام بالحدود والضوابط الشرعية التي أمرنا بها ديننا، فيكون أسهل للشخص المقبل على هذه المشكلة تفاديها دون ندم أو بعد فوات الأوان.

إذا أردت التعامل مع نفسك بصدق، ابدأ بالاعتراف بالمشكلة، ثم ابحث عن الحل، بعد ذلك ستتمكن من الوقوف أمام الصعوبات، وتجنب نفسك التعب والخوف، فإذا كنتَ أو كنتِ مما أصابتهم أزمة منتصف العمر، لا تخجلٌ واذهب إلى الطبيب المختص، أو يمكنك إيجاد حلول أخرى ممكنة مع من يهمهم أمرك، ومع الالتزام بالشرع وتعاليم الإسلام بإذن الله لن تتعرض لهذا النوع من المشاكل، فكن حريصًا ولن تشعر بالأسف.

الكاتب: آلاء لؤي

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

13 + 8 =