العلاج بالفضفضة

حينما تثقل علينا الهموم بصورة تفوق طاقتنا على التحمُّل نقع بين خيارين علينا تحمُّل مسئولية اختيار أحدهما، فإما نُفضفض لمن تظنه أهل للثقة فيسوء ظننا، وإما أن نختار الصمت ودفع ثمن صمتنا من صحتنا النفسية والجسدية. لذا جئنا إليكم بموضوع يُريحكم نفسيًا ويحميكم جسديًا ألا وهو العلاج بالفضفضة ، ما هو ومع مَن تكون الفضفضة وما هي شروطها؟ دعونا نفضفض سويًا لنجيب على تلك التساؤلات.

الفضفضة بالكتابة

حينما تضيق نفسك بما تحمله من هموم تفوق طاقتها، وحينما تكون وحيدًا لا يفهمك أو يشعر بك من حولك، تفتقد لوجود أصدقاء، أو لا ترى ممَن حولك مَن هو أهل للثقة أو يتمتع بقدر من الرزانة الكافية لتقُصّ عليه ما يُعكر صفوك، تكون الورقة والقلم هي خيارك الأمثل للفضفضة.

وفي الواقع إن الفضفضة بالورقة والقلم ليست أمرًا مُستحدثًا، فمنذ عشرات وربما مئات السنين ونحن نرى الأبطال في الأعمال الفنية يكتبون مُذكراتهم وأحداث حياتهم اليومية في دفتر كبير يدسّونه في مكان أمين، ويكون بمثابة صديق افتراضي أقرب إليهم من أي صديق آخر حقيقي قد يخون ويُفشي السر مُقارنةً بالدفتر الذي يُخفي أسرارك كلما نجحت أنت في إخفائه عن العيون.

ويُعد واحدًا من أشكال الفضفضة بالكتابة الحديثة، هو أن تكتب مشاعرك السلبية في ورقة ثم تقوم بحرقها، وتأمُّلها وهي تحترق وكأنك تحرق مشاعرك السلبية وهمومك، ويقول بعض ممَن خاضوا هذه الطريقة أنها أتت بنتيجة فعالة، بل وجعلتهم يشعرون بالراحة واللامبالاة تجاه كل ما يُثير همومهم ومخاوفهم.

أما الطريقة الثانية فترتبط بالأحداث السعيدة في الحياة، قم بتسجيل كل حدث أسعدك على مدار العام في ورق مُلّون بألوان مُبهجة، ثم ضعه في صندوق خاص اختر له اسمًا ذو تأثير إيجابي عليك، وكلما أصابك الضيق أو الحزن افتح الصندوق وتأمل وتذكّر ما فيه من أحداث مُفرحة أو كوميدية وستتحسن نفسيتك ومزاجيتك كثيرًا.

العلاج بالفضفضة في علم النفس

يُعرّف علم النفس العلاج بالفضفضة بأنه التنفيس عن طاقة زائدة من المشاعر السلبية والأخطاء والمشاكل التي يحبسها الإنسان داخله، مما يُساعده على للتخلص من مشاعر الغضب والكبت والتوتر التي تُسيطر عليه قبل أن تتحول إلى مصدر خطر يؤذي به نفسه.

فالكتمان الدائم يبدأ بإصابة الإنسان بالقلق ثم الاكتئاب والشعور بالوحدة، وقد يصل إلى حد الانتحار. ولكن للفضفضة شروط يجب أن تتوفر في الطرف الآخر كي لا تؤتي بنتائج سلبية وكارثية على المُتحدِّث هي:

  • أن تكون لشخص قريب منك عاطفيًا أهلًا لثقتك به.
  • أن تكون لشخص ناضج رزين لا تغلب عليه الانفعالات والعاطفة عند تقديم النُصح.
  • أن تكون أنت صريح فيما تحكيه، لا تغلب عليك مشاعر الغضب والانفعال التي تقودك الرغبة في تشويه صورة الأشخاص الذين قادوك إلى هذه الحالة أثناء فضفضتك، كي يُرتّب السامع أفكاره ويعرف بما ينصحك دون أن يُزيد حجم المشكلة.
  • التمييز بين ما يُحكى وما لا يجب أن يخرج من جوفك، فالمشاكل الزوجية والأسرية خطًا أحمر قد يؤدي تداخل أطراف أخرى فيها إلى حدوث شرخ في العلاقة بل وانتهائها أحيانًا.
  • راعي تقلُّبات الزمن حينما تحكي، فكما قال الشاعر محمود درويش “لا تكثروا من الفضفضة فإنكم لا تعلمون متى يخون المُنصتون”.
  • عدم الفضفضة لشخص حالته النفسية أسوأ من حالتك، غالبًا سيُزيد إحباطك بدلًا من أن يُخلّصك منه.

العلاج النفسي بالكتابة أحد أنواع العلاج بالفضفضة

رُبما يُعد مُصطلح العلاج بالفضفضة جديد على آذان الكثيرين، ولكنه ليس جديد في التطبيق، فبعضنا كبشر يُطبّقه مع نفسه دون أن يطلب منه طبيب نفسي ذلك لعلاج التوتر والقلق.

فحسب آراء الأطباء والباحثين النفسيين لا يُساعد العلاج بالفضفضة عن طريق الكتابة في تخفيف حدة الاكتئاب والتوتر والقلق والضغوط النفسية فحسب، وإنما يُساعدك على تنظيم أفكارك وتنشيط ذاكرتك وتركيزك، والوصول لأسباب اكتئابك وتوترك بمساعدة نفسك لا بمساعدة آخرين.

الأغرب من ذلك ما أكدته دراسات حول التأثير الإيجابي الذي يُحدِثه العلاج بالفضفضة على الشخص من الناحية الجُسمانية وإدارة شئون الحياة.

ففي دراسة بريطانية عُرضت أثناء مؤتمر جمعية الصحة النفسية البريطانية وقد أُجريت على 36 شخص في لندن، تم تقسيمهم إلى مجموعتين: مجموعة طولبت بالتعبير بالكتابة عن أكثر الأحداث الحزينة التي مرت عليهم في حياتهم، والثانية طولبوا بالتعبير عن أحداث عادية، وذلك على مدار ثلاثة أيام بمُعدّل عشرين دقيقة يوميًا.

وبعد انتهاء مُدة البحث، ثم إحداث جرح صغير بذراع المُشاركين الستة والثلاثين، وبعد أسبوعين تم فحص الجروح لديهم قليلًا، ليُلاحظ الباحثون التئام جروح المجموعة التي عبّرت عن أحزانها ومشاعرها السلبية أسرع من المجموعة الثانية التي كانت قد ارتفعت لديهم مُعدلّات الإحباط والضغط النفسي. وهو ما جعلهم يُعلنوا العلاج بالفضفضة عن طريق الكتابة كوسيلة لرفع مستوى مناعة الجسم.

وفي دراسة أخرى أُجريت على 63 مُهندس تم تسريحهم من العمل، طولب نصفهم بالتعبير عن مشاعرهم بعد ترك العمل وكيف يقضون أوقات فراغهم، بينما لم يُطالَب النصف الآخر بفعل أي شيء، وخلال فترة قصيرة من إجراء التجربة نجحت نصف العينة التي عبّرت عن مشاعرها على اجتياز مُقابلات عمل والفوز بوظائف بالفعل مُقارنةً بالنصف الآخر.

الفضفضة تريح القلب

الهموم دومًا كالحجر على الصدر تُثقل القلب وقد تُمرضه مع كثرة الكتمان وزيادة الضغوط النفسية، فمن المعروف أن الضغوط النفسية والتوتر قد يُصيب الإنسان في كثير من الأحيان بأمراض فسيولوجية مكمنها نفسي تُعرَف بالأمراض النفسجسمية، منها على سبيل المثال لا الحصر، جلطات القلب وانسداد الشرايين والأزمات القلبية. في حين أن الإنسان حينما يُخرج ما بداخله من مشاعر سلبية ينعكس ذلك إيجابيًا على صحته النفسية والجسمانية.

العلاج بالفضفضة عن طريق التحدث مع الآخرين

بينما يُقدّر البعض العلاج بالفضفضة عن طريق الكتابة، يراها البعض الآخر أمر لا جدوى منه، فما جدوى أن أُفرِّغ مشاعري السلبية على ورقة لا تُهدئ من روعي ولا تحتويني أو تُشعرني بالاهتمام عبر كلمات رقيقة ترفع من معنوياتي ولو على سبيل الطبطبة ليس أكثر؟

فبينما يُفضّل البعض الورق لكتمانه الأسرار عن البشر، يُفضّل البعض الآخر أن يتحدث مع آخرين يُحبهم ويثق بهم ونأمل نحن أن تكون ثقته في محلها.

قديمًا كانت الحارات تُقمن في بيوتهن على التوالي جلسات سُمي في عصرنا الحديث بجلسات الحكي، كأحد أشكال العلاج بالفضفضة على يد أناس غير مُتخصصين في الطب والعلاج النفسي.

وخلال جلسات الحكي التي غالبًا ما تُقيمها السيدات فحسب، تروي كل جارة أو صديقة أو حتى غريبة مشاكلها وما يؤرقها ويُعكّر صفوها للأخريات، وبالتدريج انتقلت الفكرة لبعض الجمعيات النسائية التي أصبحت تُنظّم جلسات للحكي مُحدّدة المواضيع أو يضعها المُشاركون. ولكن تُتاح في هذا النوع من الجلسات المُشاركة من الجنسين باستثناء الموضوعات النسائية الخاصة.

وبقدر ما يرى الخبراء هذه الجلسات فضح للأسرار لمَن قد يستغلها لأغراض دنيئة في أي ظرف، خاصةً وأن المُشاركين غالبًا لا يعرفون بعضهم البعض وغير أهل للثقة، يرون أيضًا أنها ملائمة لطبيعة المرأة العاطفية التي تكون دومًا في حاجة إلى الفضفضة ولا تقدر على تحديد مشاكلها بوضوح، فهي تُثرثر في مواضيع جانبية أكثر من مشاكلها التي تؤذيها، تبحث عن الراحة والاحتواء من الآخر لا عن حلول لمشاكلها بالمُقارنة بالرجل الذي عادةً ما يكبت انفعالاته أو يُعبّر عنها بصورة عدوانية غير مُبرَّرة للآخرين أحيانًا، نادراً ما يُفضفض لأحدهم بحثًا عن حل لا عن ارتياح فحسب.

ختامًا وبعد أن قضينا دقائق من الفضفضة سويًا، عليك بإنهاء صراع نفسك بنفسك وقبل اللجوء إلى المُتخصصين، انتقي من تُفضفض له وما تُفضفض فيه تُجني ثمار العلاج بالفضفضة وتتقي شره، هيا ابدأ الآن.

ملحوظة: هذا المقال يحتوي على نصائح طبية، برغم من أن هذه النصائح كتبت بواسطة أخصائيين وهي آمنة ولا ضرر من استخدامها بالنسبة لمعظم الأشخاص العاديين، إلا أنها لا تعتبر بديلاً عن نصائح طبيبك الشخصي. استخدمها على مسئوليتك الخاصة.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

سبعة عشر − 2 =