الطفيليات المتحكمة

هناك عدة مناهج تتبعها الطفيليات والفيروسات والبكتريا في التعامل مع العوائل، ولكن يظل أغربها الطفيليات المتحكمة في نوع عوائلها سواء ذكر أو أنثى. يمكننا أن نفرق بشكل أساسي بين مناهج الطفيليات إلى منهجين. الأول: هو منهج الطفيلي المستغِل، حيث أنه ينتشر فقط من خلال تكاثر العائل الذي يحضنه. ولذلك فإنه لا يسبب الكثير من الأذى لهذا العائل من أجل أن يظل حيًا، ويتكاثر هو معه. أما المنهج الثاني: فهو منهج الطفيلي الممرض، بحيث لا يهتم بأمر العائل أبدًا، ويفرط في إيذائه حتى لو وصل الأمر إلى موت العائل. لأن تكاثر العائل لا يرتبط ببقاء الطفيلي، بل يعمل على الانتقال سريعًا إلى عائل أخر بعد أن يأخذ ما يريد من الأول. تمامًا مثل فيروس الإنفلونزا. هنا سنتحدث بالتفصيل عن المنهج الأول، رغم إن بعض الطفيليات المتحكمة قد توقع دمار أكبر من غيرها في عوائلها، ولكن بشكل غير مباشر، والنتيجة في مصلحتها. وقد تكون النتائج غير متوقعة أبدًا.

ما هي الطفيليات المتحكمة ؟ وكيف تتكيف في أماكن معيشتها؟

1مثال عن الطفيليات المتحكمة

بكتريا ولبخية، هي بكتريا تنتشر بشكل كبير جدًا في عائلة مفصليات الأرجل. كما أنه لها علاقة قرابة مع “الإيشيريشيا كولاي”. معظم ضحاياها من الحشرات بالإضافة إلى الديدان الأسطوانية. وتعيش بعمر طويل داخل الخلايا، ولا تكتفي بذلك، بل إنها تغزو بيض عوائلها وتنتقل معه إلى الجيل الجديد وتتكاثر من جديد. وعلى خلاف ما كان يعتقد العلم في السابق، فإن ولبخية تتدخل في حياة العائل وتتحكم به بشكل ملحوظ. تلك الطفيليات المتحكمة تتعمد إيذاء العائل لتنفيذ رغبتها، ولكن بدون قتله بشكل فعلي. فهي تقتل النسل الذكري، بحيث تغير مجرى المواليد إلى النساء فقط. وتجعل البعض الأخر عقيمًا إذا لم يعجبها التزاوج. أو قد تجعل البيضة غير مخصبة. ولكن لماذا تؤذي عائلها طالما تعتمد عليه في عملية تكاثرها؟

2جواب السؤال الماضي

لهذه الظاهرة العجيبة، خصص العلماء وقتهم لمتابعة طريقة سير حياة بكتريا ولبخية، ومسار تكاثرها. فوجدوا أنها تتنقل فقط عبر الإناث، أي عبر بيض الأنثى في داخلها. ولكنها لا تنتقل إلى الأجيال التالية عبر نطاف ذكور تلك الحشرات، مما يعني أنها لو انتقلت إلى مولود ذكر فهذا هو نهاية الطريق بالنسبة لها. سيصبح العائل هو سجنها ومقرها الأخير إلى يوم موته وموتها. لذلك من الأفضل بالنسبة لها أن يكون النسل الجديد من الإناث وليس الذكور، لتتمكن من البقاء على فصيلتها.

بحسب الانتقاء الطبيعي في نظرية دارون، فإن الطفيليات المتحكمة أدت دور كبير في عملية الانتخاب الطبيعي، وتكوين أنواع جديدة. ومن ضمنها دور هذه البكتريا، بسبب تدخلها المباشر في أجيال عوائلها القادمة. بفضل تفوق أنواع البكتريا التي تمتلك تلك الصفة عن غيرها، في عملية التكاثر وتوريث تلك القدرة.

3صفة مهمة في الطفيليات المتحكمة

تتصف الولبخية (كمثال للطفيليات المتحكمة)، بانتشارها الواسع وعدم دقتها في تحديد ضحيتها. فلا مانع لديها بالانتشار في عوائل مختلفة من الحشرات واللافقاريات. وهذا ما أثبته علماء من جامعة روتشستر، لأنهم وجدوا أن 17% من أصل 154 نوع من الحشرات الجديدة في المنطقة المدارية، يمكن أن تجد بداخلها ولبخية. ومن بعدهم جاؤوا مجموعة علماء من لندن ومن جامعة كمبردج، ليجدوا أن الولبخية موجودة في 10% من أفراد حشرات كانت خارج الاحتمال سابقًا. مما يعني أنها موجودة في هذه الأنواع رغم قلتها. ثم جاء علماء مختلفين من جامعة فلوريدا، ليقولوا بأن الأساليب المستخدمة قديمًا في كشف وجود البكتريا كانت غير دقيقة. أما طريقتهم الحديثة فكشفت عن وجود انتشار أكبر لهذه البكتريا. مما يعني أن رقعة انتشارها أكبر مما تخيل العلماء.

كما لا يقتصر الأمر على الحشرات فقط، فقد تم العثور عليها داخل مجموعة كبيرة من القشريات مثل “البقة المتدحرجة”، وكذلك “روبيان المياه العذبة”. كما وجدت أيضًا في القراد وديدان نيماتودا. ولكنهم لم يجدوا في حيوان فقاري، على الأقل حتى تلك اللحظة. ومن المفترض أن نحو 20 ميلون نوع ستتواجد بداخله.

4تقديم التضحية عند الطفيليات المتحكمة

من الواضح أن الطفيليات المتحكمة تهتم جدًا بعائلتها، حتى لو على سبيل موتها هي. سنأخذ الفراشة الأفريقية التي تسمى “Acraea encedon”، كمثال لموضوعنا. هذه الفراشات يقل بها عدد الذكور بشكل ملحوظ جدًا، بحيث يصبح الذكر شيء نادر بالفصيلة. والسبب هو تفشي وجود بكتريا الولبخية في هذا النوع بالتحديد. وقد يصل إلى 90% من مجموع الإناث. ما تفعله هذه البكتريا هي أنها تتخلص من الذكور لصالح بيض الإناث (الذي يسكنه أقرباءها من البكتريا). فحتى إن وجد بيض ذكور ستنتحر البكتريا في داخله، مسببة موتها وكونه وجبة غنية وسهلة للإناث الأخريات. لأن عملية الانتحار تحدث قبل أن يفقس البيض، ولذلك تفقس الإناث لتجد بجانبها وجبة لذيذة ومتوفرة.

وعرفنا سابقًا أن البكتريا في كل الأحوال لن تنتقل من عائل ذكري إلى نسله التالي، أي أنها في كل الأحوال ستصبح بكتريا ميتة إن وصلت إلى بيضة ذكر. فتفضل التضحية بنفسها من أجل أخوتها. لأن تلك الوجبة تعطي أفضلية لمن يأكلها عن الأخريات، وميزة كبيرة ضد المنافسين. وبذلك توفر ضمان أكبر لاستمرارية النسل.

على الرغم من أن الكلام السابق مازال في حاجة كبيرة إلى إثباتات واضحة وقاطعة، إلا إنه تم إثبات نفس القصة في الفراشة التي تسمى “الدعسوقة ذات البقعتين”. فالفترة التي تقضيها يرقات الفراشة ما بين الفقس والحصول على أول وجبة مغذية من المن، تعد فترة حرجة في حياة الفراشة وقدرتها على استمرارية الحياة. ولذلك إن وجدت بجانبها وجبة من بيض ميت سيكون فرصة لا تعوض للحياة. مما يزيد من فرص البكتريا في داخلها هي للحياة.

5تأنيث الذكور في الطفيليات المتحكمة

أما الولبخية التي تسكن البق المدحرج، فلها طريقة مختلفة لتحديد نوع عوائلها. وهي بتأنيث الذكور، أي بتحويل بيض الذكور إلى إناث، أو بتغير مسار التكاثر نفسه. فإن كان الذكر هو السجن الأخير للبكتريا، فتلك الطريقة هي مفتاح الهرب.

6ما يتسبب في تغير النسب الطبيعية بين الذكور والإناث

تحرف الطفيليات المتحكمة نسب المواليد الذكور والإنسان في عوائلها. بحيث يصبح عدد الإناث أعلى بكثير مقارنة بعدد الذكور. دعونا نلقي نظرة على الجماعات التي تتوازن فيها النسب ومن ثم نقارنها مع هذه الحالة الجديدة. في الجماعات العادية تكون الإناث هي الأكثر طلبًا. لأن البيض هو الأهم، وهو من ينتج النسل الجديد. وبحسب كثرته سيكون كثرة النسل. ومن هنا تصبح لدى الإناث القدرة على اختيار الذكر المناسب لها. بحسب القوة التي يقدمها هذا الذكر، والفائدة التي سيضيفها إلى النسل الجديد. وسيكون عليه هو مسؤوليات وأدوار حياتية أكبر، لأن الأنثى تهتم بقضية التكاثر وبقاء النوع. كما على الذكور أن يجتمعوا في منطقة صغيرة في شكل تجمعات من أجل قدوم الإناث والاختيار فيما بينهم.

أما في حالة الطفيليات المتحكمة، فالحال معكوس. الذكور هي الأكثر ندرة، وبقاء النوع سيعتمد عليهم هم، وليس على الإناث. لأن أعدادهم أصبحت كثيفة بشكل كبير مقارنة بالذكور. فتنقلب كل الأدوار. والذكر هو من يختار الأنثى الأقوى، رغم كون الإناث أغلبها معادية بالبكتريا في كل الأحوال. والإناث هي من تتحمل الأدوار الحياتية الشاقة. وهي من عليها إقامة تجمعات كبيرة في انتظار قدوم الذكور. وفي إحدى المرات، وجد تشكيل تجمعي للإناث في منطقة حشائش، يحتوي على 350 فراشة، في مساحة 200 متر مربع فقط. بدلًا من انتشارها في كل الأرجاء كعادتها.

على الرغم من أن ذلك الاعتقاد لم يتم إثباته بشكل قوي ومؤكد حتى الآن، إلا إن علماء كبار مثل العالم جينكنز من جامعة كمبردج، يعتقدون في الأمر بشدة. لأن من أكبر الأدلة، أن هذه التجمعات لا تحتوي على إناث مُلقحة، بل إناث تنتظر دورها في إيجاد ذكر. كما أنه وجد بأن تلك النساء المُلقحة يقل بها فرصة وجود عدوة من البكتريا. أما النساء المجتمعة تتكون من إناث معدية. ومن ذلك فهم العالم وزملاؤه ضمنيًا أن الذكر يقوم بعملية انتقاء بين الإناث الأكثر صلاحية لبقاء النوع بدون عدوى، وولادة ذكور أخريين ليكملوا مسيرة الأب. ولكن العالم لم ينجح بإتمام اختباراته مرتين على الفراشات، ولذلك تبقى القضية قيد التساؤل.

7في حالة البقة المتدحرجة

عندما تتواجد الطفيليات المتحكمة في حشرة البقة المتدحرجة، فإنها تقوم بتحويل الذكور إلى إناث قبل أن تفقس كما ذكرنا سابقًا (عملية تأنيث الذكور). فأوضح العالم ريجو مع زملاؤه من جامعة يواتييه في فرنسا. أن الذكور تستطيع أن تفرق بين الإناث الحقيقة والإناث المتحولة. وبالتالي فهي لا تتزوج بالإناث المتحولة لأنها تعلم أنها تحمل العدوى. وحتى وإن حدث وتزوجت بها، فهي لا تقدم لها سوى القليل من النطاف عمدًا. وهناك بحث أخر بقوانين وحسابات رياضية، أثبت أن هذا الانتقاء الذكوري للإناث يبدأ في الظهور بقوة حين تنحرف النسبة الطبيعة بين الإناث والذكور في الجماعة بشكل كبير.

ولكن هنا يبقى السؤال الأهم، إن تمكنت الذكور بالفعل من التفريق بين الإناث الحقيقة والأخرى المتحولة، وبالتالي تم نبذهم من الجماعة، فكيف ستحصل الإناث الحاملة للبكتريا على النطاف؟ أي أنها لن تتزوج وبالتالي فلن تتكاثر، وبدلًا من أن تصبح عملية تأنيث الذكور مفتاح الهرب من الذكور، تتحول إلى المفتاح إنهاء حياة البكتريا ونسلها. إلا إن الدراسات أكملت البحث لتجد أنه هناك نسبة خطأ تحدث بين الذكور ليختاروا إناث معدية. وتلك النسبة البسيطة قادرة على الحفاظ على تكاثر البكتريا. وفي نفس الوقت بقاء نوع الحشرة. ولذلك تنتشر البكتريا في الكثير من الأنواع حتى لو كان بعدد قليل، كما ذكرنا قبلًا في صفات الطفيليات المتحكمة.

8آليات الطفيليات المتحكمة الجديدة

من الواضح أن الآليات الجديدة لا تتناسب مع الوضع الجديد لذكاء انتقاء الذكور. وعلى الطفيليات المتحكمة التي تغير من آليات عملها. على الرغم من وجود عدة آليات أخرى غير واضحة، تستخدمها الطفيليات المتحكمة كذلك مع عدة أنواع أخرى من الحشرات.

الآلية الأولى

في المثال السابق كانت الولبخية مع البق تغير الذكور إلى إناث جينيًا. أما العلماء فاكتشفوا حديثًا أن البعض منها لا تضطر لفعل هذه العملية المضرة عليها، ولديها آلية حديثة أكثر ذكاء. في الحقيقة تمتلك البقة كل المقومات لتصبح أنثى، والتحول الذكري لا يحدث سوى في مرحلة مبكرة من النمو، عندما تفرز الغدة الكظرية بداخلها جرعة م هرمون معين. فلا يتوجب على الطفيل أن يقوم بتغير نوع البقة سوى عند تلك المرحلة، عن طريق وقف نمو الغدة الكظرية ومنع فرز الهرمون. وستظل البقة أنثى دون تحول.

تأثير الآلية الأولى الجديدة على الجينات

الطفيليات المتحكمة تفرض نفسها في تحديد جنس مواليد العوائل، وهذا يؤثر على جينات المواليد بالتالي. منظومة الجينات التي تحدد جنس المولود عند الحشرة البق تختلف عن الباقيين. فالأنثى تحمل صبغين هما WZ، أما الذكر هو من يحمل الصبغيين ZZ. بخلاف منظومة XY لدى الإنسان مثلًا. في حالة الإناث التي تحمل العدوى بالبكتريا، فإنها تلد نوعين من الإناث فقط، بدون ذكور. النوع الأول هو الطبيعي ويحمل المرض (أي WZ). أما النوع الثاني فهو النوع المتحول (أي ZZ ولكنها أنثى وليس ذكر كالمفروض). هذا الأخير عندما يلد، سيأتي بإناث متحولة فقط (ZZ)، لأنه يحمل بنسبة ضئيلة جدًا جين W. وهذه النسبة تتضاءل أكثر عبر الأجيال، إلى أن تختفي تمامًا. وبالتالي ففي النهاية تصير الطفيليات المتحكمة، هي المتحكمة الفعلية الأساسية في جنس مواليد عوائلها. فلو احتوت على بكتريا تصير أنثى، وإن لم تحتوي تصير ذكر. لأن المقومات الجينية موجودة في كل الأحوال، والفرق في وجود البكتريا وعدمه.

الآلية الثانية

آلية أخرى جديدة مختلفة عن السابقة، تم العثور عليها عند ذبابة الفاكهة في شرق الولايات المتحدة. وتوفر هذه الآلية انتشر موسع وسريع للبكتريا في المواليد الجديدة. وسلالة البكتريا هنا تسمى “ريفر سايد”. وهي عن طريق الذكور التي تحمل المرض هذه المرة. وهو تدخل مباشر ومؤثر على عملية التخصيب نفسها. بحيث لا تميت البكتريا نفسها كما في الفراشات، ولا تحول الذكر إلى أنثى كما في البق. بل تجعل الذكر الحامل للبكتريا عقيم بالنسبة إلى الإناث الغير حاملة للمرض فقط. بمعنى، لو حدث تزاوج بين ذكر معدي وأنثي غير معدية، فستحدث ظاهرة تسمى “عدم التوافق السيتوبلازمي”. وذلك بإطلاق الولبخية لمواد سامة تسمى “ذيفانات”، داخل سيتوبلازم النطاف. فتجعل الذكر عقيمًا تجاه هذه الأنثى فقط. لأن عند وصول النطاف إلى البيضة، ستتكثف عليها بطريقة غير طبيعية مما يمنع المزيد من النمو لها. أما لو كان التزاوج بين ذكر معدي وأنثى معدية، فسيحدث تزاوج طبيعي. لأن البكتريا داخل أنثى الحشرة ستطلق الترياق المناسب لهذا السم، وتنقذ الحشرة وتكمل نموها الطبيعي. بتلك الآلية الجديدة الغير مباشرة، توفر الفرص لانتشار البكتريا بتوالد الأنثى المعدية أكثر من الأخريات.

أضرار الآلية الثانية للطفيليات المتحكمة

ولكن لهذه الآلية أضرار على البكتريا نفسها، لأنها تشكل عائق لسريان الجينات بشكل حر. بحيث إن لم يمتلك الزوجان (الذكر والأنثى) نفس نوع سلالة البكتريا، فلن يحدث تزاوج. تمامًا مع المعدي والغير معدي، لأن السلالة المختلفة لن تمتلك الترياق المناسب. وهذا التخريب الداخلي قد يكون مدمر للبكتريا. فإن لم تتوفر السلالة المطلوبة للتلقيح، فإنها ستصبح عقيمة وتموت السلالة بالنهاية. أما بالنسبة إلى الحشرة نفسها فهذا ربما سيعمل على ظهور أنواع جديدة، وهذا ما يسمى “عدم التوافق السيتوبلازمي الثنائي الاتجاه”. أي وجود عدة سلالات قادرة على استخدام هذه الآلية في نفس المكان.

لأن من تلك اللحظة انقسمت الحشرات إلى مجموعات، ولكل مجموعة نوع معين من سلالة البكتريا. لا تتزاوج الحشرات إلا من المجموعة التي تحمل نفس السلالة، أي أقربائها، وبالتالي سيحدث تشابه في الجينات. مع الوقت سيكون لكل مجموعة منظومة جينات خاصة بها، وليس هناك سريان للجنيات بشكل حر، وبالتالي لن تتمكن من العودة للتزاوج مع النوع الأول أبدًا (حتى مع اختفاء البكتريا). مما سيفصل كل مجموعة من الحشرات عن بعضها جينيًا، وتتوالد أجيال مميزة جديدة (وتتكون فصائل جديدة) تحمل جينات مختلفة عن الجينات الأساسية للجدود المشتركة. بعبارة أسهل: يصبحون نوعين مختلفين من الحشرات.

النظرية السابقة في غاية من الأهمية، لأنها تعد من طرق التطور الطبيعي وتكوين تشعبات في الفصائل لتكوين فصائل جديدة. ومنها يمكن ضمنيًا القول إن التنويع بواسطة العدوى يمكن أن يؤثر على عميلة التطور الجيني. ولكن بالطبع يصعب تأكيد تلك النظرية بالكامل. لأن العملية التطورية تحتاج إلى عمر أكبر من عمر العلماء لدراسة الطريق التطوري الجديد في نوع معين يحمل العدوى بالبكتريا.

مثال عن حقيقة وأضرار الآلية الثانية

نظرية اشتراك الطفيليات المتحكمة في عملية التطور وانفصال الأنواع الجديدة عن بعض، أصبحت أكثر مرونة للتصديق عن الماضي. وذلك بعد العثور على نوعين من الزنابير في شرق أمريكا الشمالية. وهما “Nasonia vitripennis” و”N.giraulti”. هذان النوعان مختلفين عن بعضهما تمامًا. ولا يحدث تزاوج بينهم لأن كل نوع يحمل عدوى من سلالة معينة من بكتريا الولبخية، وربما هم في نهاية الرحلة التطورية. ولو حدث تزاوج يكون النسل ميتًا. أما حين تم إعطاؤهم المضادات الحيوية المناسبة التي تقتل المواد السامة، فحدث تزاوج طبيعي وبنسل حي، ويتنوع في جيناته عن طريق الانتقال الحر للجينات بين النوعين. ولكن المضادات الحيوية لم تكن وحدها العامل الواجب توفره الوحيد. بحيث كان النسل صالح للحياة، ولكنه غير صالح للنمو. وذلك للتباعد الجيني الكبير بين النوعين، وتغيرات جذرية في الحمض النووي. وهذا هو سبب أخر لبقاء النوعين منفصلين ومتباعدين عن فكرة التزاوج. فهل أسهمت الولبخية في هذا التباعد الجيني على مدار آلاف السنين الماضية، وهذه هي النتيجة الحتمية للنوعين؟

تم العثور على أنواع أخرى من الزنابير، يعانون من الانفصال التكاثري أيضًا. بسبب حمل كل نوع لسلالة معينة من البكتريا. ولكن المثير للدهشة هذه المرة أن الأنواع تغيرت تغيرًا جذريًا في اختيارها لعوائلها الجديدة. مما يدل على لعب الطفيليات المتحكمة دورًا كبيرًا جدًا أكثر من مجرد العدوى. وفي غياب البكتريا فإن النوعين يعودون للتكاثر طبيعيًا مرة أخرى، وتظل المواليد تتكاثر بسلاسة. لأن التباعد الجيني لم يحدث بعد، ولكنه في مراحله الأخيرة، وعلى وشك فرض نوع جديد متباعد تمامًا، وهذا ما يتابعه العلماء لتأكيد النظرية بشكل قاطع أخيرًا.

9في كل الأحوال عدم التوافق السيتوبلازمي يحفز عملية التطور

عدم التوافق السيتوبلازمي الثنائي ليس وحده العامل المحفز للتطور وإنتاج فصائل جديدة. لأن الأحادي أيضًا يقدم نفس النتيجة بطريقة مختلفة. والأحادي يعني وجود سلالة من البكتريا قادرة على إنتاج سموم مضرة بالنطاف، ولكن لا يوجد غيرها بالمنطقة. وأي الظاهرة تعمل في اتجاه إعاقة انتقال الجينات الحر في اتجاه واحد فقط من المعدي إلى غير المعدي. وهذا ما وجده العالم “شوميكر” وزملاؤه من جامعة وسترن، مع عدة علماء أخريين. وجاء بحث العلماء في ذبابة الفاكهة من نوعين مختلفين من فصيلة “دروسوفيلا”. النوع الأول معدي ويجعل الذكور عقيمة نحو الإناث الغير معدية من نفس السلالة. أما النوع الثاني فهو غير معدي وذكوره طبيعيين. المشكلة أن إناث النوع الأول (المعدية) دقيقة في اختيار الذكر من نفس نوعها. وبهذا الشكل فإن الذكور المعدية لا تستطيع التكاثر مع الإناث الغير معدية من النوع الثاني. وإناث النوع الأول لا تقبل بطبيعتها سوى ذكور نوعها فقط، فلا تتكاثر مع الذكور الغير معدية من النوع الثاني. وهكذا حصل انفصال في التكاثر ما بين النوعين، نتيجة عوامل أخرى بالإضافة إلى عامل بكتريا الولبخية. وأخذ التطور مجراه في الفصل بين النوعين.

بالنهاية، الجدير بالذكر أن الحشرات والديدان القابلة بالعدوى بالطفيليات المتحكمة بشكل عام، هي الأكثر تفرعًا وتنوعًا بين جميع المخلوقات. ولكونه طفيلي مستغل، يحاول العائل تفادي الإصابة به، ولكنه بطريقة دفاعه يجبرها لتعمل بآليات جديدة لتسبب نتائج غير متوقعة. فهل حقًا لعبت الطفيليات المتحكمة دورًا في تطور هذه الكائنات وتعددها على مدار ملايين السنين؟ والسؤال الأهم، هل الطفيليات المتحكمة بخلاف الولبخية قادرة على إنتاج فصائل جديدة في كائنات بخلاف الحشرات والديدان؟ أيمكن أن تؤثر حتى البشر والثدييات؟ أسئلة سنترك العلم يجاوب عنها السنوات القادمة.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

ثلاثة × 5 =