الطب في العصر الحجري

من السهل تخيل أن الطب في العصر الحجري كان بدائيًا جدًا ولا يوجد سوى مفهوم استخدام الأعشاب البسيطة، ولكن هذا التصور غير دقيق أبدًا، وعلى الرغم من أن الإنسان لم يعرف الكتابة في ذلك الوقت، وبالتالي لا يمكن لعلماء الآثار أن يجدوا كتبًا تدل على مدى تقدمهم الطبي، ولكن من خلال البقايا البشرية الموجودة في الكهوف التي ضمت مجموعات من البشر في العصر الحجري، أن يكتشف العلماء ما تمكن الأطباء من فعله خلال هذا العصر البدائي في حياة البشرية، وكم من المبهر اكتشاف التقدم الطبي الذي توصلوا له! وكم من إجراءات طبية تمكنوا من فعلها! بداية من تضميد الجروح باستخدام النمل، إلى علاج كسور العظام والأسنان وعمليات المخ.

بتر الأعضاء باستخدام مخدر ومطهر

الطب في العصر الحجري بتر الأعضاء باستخدام مخدر ومطهر

في كهف على بُعد 70 كيلومتر من مدينة باريس الحالية، وجد العلماء بقايا لإنسان من العصر الحجري، تدل على إمكانية إجراء عملية بتر باستخدام مخدر ومطهر كذلك، حدث ذلك منذ 7000 سنة تقريبًا، حيث قام طبيب القبيلة ببتر كامل ساعد رجل بالغ، واستنادًا إلى بقايا الهيكل العظمي، فإن العملية تمت بشكل دقيق وغير متسرع، ومن خلال دراسة باقي الهيكل فيبدو أن الطبيب استخدم نبات مسبب للهلوسة كمخدر ليخفف من آلام العملية، وعلى الأغلب كان نبات الداتورا، وبعد الانتهاء من البتر وضع مطهرًا على الجرح وعلى الأغلب كان نبات الميرمية، حيث لا توجد أية آثار للالتهابات على الجرح، وعاش هذا الرجل لسنوات تالية بصحة جيدة، ولم تكن تلك المرة الأولى التي يكتشف فيها العلماء آثارًا من ذلك القبيل، بل وجدوا آثارًا لعمليات البتر في العصر الحجري في أكثر من كهف، ما يدل أن الطب في العصر الحجري عرف جيدًا كيفية إتمام عملية بتر ناجحة، باستخدام ألات حادة مصنوعة من صخر الصوان، ومجموعة من النباتات.

خياطة الجروح

عرف الطب في العصر الحجري الحديث عدة طرق لخياطة الجروح بمختلف مستوياتها، ففي مصر استخدموا الكتان، وفي أوروبا استخدموا أمعاء القطط المجففة، أما في الهند وبعض البلاد الأفريقية، فاستخدام الإنسان الحجري نمل لخياطة الجروح، وجذب ذلك الأمر اهتمام العلماء، وعلى الرغم من عدم معرفة الطريقة الفعلية، إلا إن هناك تقارير على أن طبيب العصر الحجري كان يترك النمل يتسلق إلى الجلد المجروح، وحين تقوم النملة بغرس فكيها على جانبي الجلد ويتشابك الجلد معًا، يقوم الطبيب بفصل رأس النملة عن جسدها، حتى يلتئم الجلد ومن ثم يزيل رؤوس النمل، وعادة ما يستخدمون تلك الطريقة لعلاج جروح الأمعاء.

ثقب الأسنان من ممارسات الطب في العصر الحجري

طب الأسنان ظهر بشكل مبكر أكثر مما توقع العلماء، ففي منطقة بباكستان الحالية، تم العثور على بقايا هياكل عظمية وأسنان لقبيلة بأكملها عاشت قبل 9000 عام، والمميز في كل أسنان تلك القبيلة هي العلامات الواضحة لثقوب الأسنان، ويبدو أن طبيب أسنان هذه القبيلة كان يقوم بثقب الأسنان كلما اشتكى الشخص من آلام تسوس الأسنان، وقام ببعض عمليات ترميم الأسنان في أحيان أخرى، وكان لديهم نظامًا كاملًا لطب الأسنان حتى في ذلك الوقت المبكر جدًا، وأداة الثقب كانت مثقابًا مصنوع من صخر الصوان، واستمرت تلك المعرفة تتوارث في القبيلة إلى 1500 عام، ومن ثم ضاعت كامل الموهبة والمعرفة الطبية.

العلاج بالإبر

عرف الإنسان الحجري الأوروبي، العلاج بالإبر أو الوخز بالإبر، قبل ألفي عام من معرفة الصينيين لها، وذلك بناءً على مومياء تُدعى “أوتزي رجل الثلج”، تم العثور عليها في منطقة الجبال الواقعة بين إيطاليا والنمسا، عمر المومياء يُقدر ب5300 سنة تقريبًا، ومن خلال دراسة الجثة فإن أوتزي عاني من آلام حادة في المثانة والمعدة بسبب نمو نوع من الديدان السوطية في المعدة والأمعاء، وقام أحد الأطباء في عصره بمحاولة علاجه من خلال وخز الظهر في مناطق معينة بالإبر، على الأغلب كانت الإبر مصنوعة من الصخور أو العظام، واستخدام بعض الأعشاب الساخنة لمنع الالتهابات فوق الجروح الصغيرة التي تركتها الإبر الرفيعة، وبالطبع لم تعالج الإبر مشكلة الديدان، ولكنها على الأغلب خففت من الآلام التي شعر بها، تلك التقنية اختفت في الزمن التالي، ولم تتوارثها الأجيال لفترات أطول، ولم يتعلم الأوروبيون هذه التقنية مرة أخرى سوى بعد 5000 عام من الصينيين.

الطب في العصر الحجري وعمليات الولادة

الطب في العصر الحجري الطب في العصر الحجري وعمليات الولادة

الولادة في العصر الحجري كانت من أخطر الإجراءات الطبية، وفي بعض الأماكن كانت ثلث النساء تموت أثناء الولادة، ولكن في بعض المناطق الأخرى من العالم، تعلم الإنسان الحجري تقنيات وإرشادات لمساعدة المرأة للولادة بشكل سليم وأكثر سلاسة، فوجد علماء الآثار رسومات على بعض جدران الكهوف من الداخل، يمكن اعتبارها دليل أو إرشادات للولادة، من دراسة الرسومات كان على المرأة أن تقف مستقيمة ووضع ذراعيها فوق خصرها، وفي المرحلة التالية من المخاض عليها أن تميل إلى الأمام، تلك الإرشادات كانت من أفضل طرق الولادة بالنسبة إلى ذلك العصر والإمكانيات الطبية المتوفرة، وكانت تلك الكهوف تُستخدم كمستشفيات توليد متخصصة، بعيدًا عن الأجواء السيئة في الخارج، ولحماية المرأة والدفاع عنها بعد الولادة من الحيوانات التي قد تشم الرائحة.

علاج الكسور

كانت إصابات كسور العظام شائعة في العصر الحجري، لاحتياجهم المُستمر للصيد والتعامل مع الغابات والظروف البيئة الصعبة والحيوانات، ولذلك احتاج الطب في العصر الحجري إلى إيجاد طرق فعالة لعلاج الكسور، كثيرًا ما كان الرجال يتركون أجسادهم تُشفى بمفردها، ولم تكن تلك الطريقة سريعة وفعالة، ولكن من دراسة العديد من الهياكل العظمية استخدم بعض الأطباء قوالب من الطين لوضع الطرف المكسور في داخل القالب الطيني، ومن ثم تجفيف القالب في الشمس، مثل طريقة الجبس الحالية تمامًا، بعد إعادة العظام إلى مكانها الصحيح، وكانت تلك الطريقة فعالة جدًا، وسريعة في الشفاء، وبحسب علماء الآثار، فإن إتمام شفاء الكسور المتوقع من هذه التقنية، هو ذاته المتوقع من أي طبيب عظام مشهور في الوقت الحالي.

تنظيف الجروح

كان على الإنسان الحجري أن يواجه في حياتهم اليومية عدة معارك، سواء مع الجيران أو مع الحيوانات، وبالتالي تعلم الطب في العصر الحجري ضرورة الحفاظ على الجروح نظيفة لمنع العدوى والالتهابات للبقاء على أرواح المصابين، ومن الصعب تحديد التقنيات التي استخدموها في ذلك العصر، لأن تعامل علماء الآثار يكون عادة مع العظام أو المومياوات، ولكن من الآثار البسيطة التي وصلت من بدايات عصر تعلم الكتابة يمكن استنتاج الطرق البدائية التي استخدموها، وأشهر تلك الطرق كانت طريقة المصريين القدماء، الذين اعتقدوا أن الأرواح الشريرة تتسلل إلى الجروح المفتوحة وتلوثها، وهذا مفهوم مبكر عن العدوى البكتيرية، فاستخدموا الروث لتغطية الجروح، والذي كان يحتوي على بروتينات ومضادات حيوية، وربما استخدم الإنسان في العصر الحجري نفس هذه التقنية، ومن الواضح أنها كانت تنجح بشكل جيد.

علاج مشاكل الجهاز الهضمي

عندما بدأ الأوروبيون الأكثر حداثة في استكشاف القارة بشكل موسع والكتابة عن رحلاتهم واستكشافاتهم، تقابلوا مع قبائل كانت لا تزال تعيش بما توارثته من الأجداد من العصر الحجري، وتستخدم نفس الثقافة الطبية البسيطة، ومن أهم الأشياء المشتركة التي وجدوها، كانت قيام هذه القبائل باستخراج الطين من الأرض وغليه ومن ثم تناوله، اعتقد الأوروبيون في البداية أن هذا الفعل ناتج عن جهل أو اضطرابات في الأكل يعاني منها هؤلاء البدائيون، ولكن يعتقد العلماء في العصر الحديث بأن هؤلاء القبائل قاموا بهذا الفعل عن علم تام بفوائده، حيث وجدت الأبحاث عن الطين ساعدهم في علاج مشاكل الجهاز الهضمي، مثل سوء الهضم والغازات وآلام المعدة والقولون، خاصة مع انتشار هذا التصرف في المناطق التي انتشرت فيها الميكروبات التي تنتقل عبر الطعام، كما استخدام النساء الحوامل هذا الطين لعلاج مشاكل الغثيان والتقيؤ التي عانوا منها أثناء الحمل، وعلى الرغم من أن الموضوع مُقرف، إلا إنه نجح معهم على الأغلب.

مدارس الطب في العصر الحجري

في فرنسا تم العثور على جمجمة بقرة يزيد عمرها عن 5 آلاف عام، تحتوي على حفرة في الرأس نتيجة استخدام آلة حادة من حجر الصوان لفتح رأسها، ومن البديهي، أن الإنسان الحجري كان يخاف على الماشية ولم يكن ليقوم بهذا الفعل سوى لغرض معين، ومن الأدلة الأخرى الكثيرة المُكتشفة، استنتج العلماء أن الطبيب الحجري لم يمارس الطب مباشرة على الإنسان، بل قام أولًا بتجاربه على الحيوانات، وعندما تنجح التجربة يقوم بتنفيذها على إنسان، لتكون هذه أولى مدارس الطب في العالم.

جراحة المخ

الطب في العصر الحجري جراحة المخ

البشرية تمارس عمليات جراحة المخ منذ 10 آلاف عام، هذا ما توصل إليه علماء الآثار بعد مشاهدات متنوعة لعمليات جراحة المخ، تم اكتشافها في كهوف مُتفرقة حَول العَالم، على ما يبدو فإن الأطباء كانوا يعتقدون بأن أرواحًا شريرة تستقر في مخ الإنسان، عِندما يُعاني من أمراض المخ مثل الصرع والصداع النصفي والاضطرابات العقلية والنفسية، وكان لابد من استخراج تلك الأرواح للشفاء، فكانوا يقومون بعمل حفرة في جمجمة المريض باستخدام أداة حادة من صخر الصوان، بحيث يتمكنون من استخراج قطعة من الجمجمة، دون أذية المخ نفسه، وعلاج هذه الحفرة والدماء التي تهطل منها بالأعشاب وغيرها من طرق تضميد الجروح، بالطبع لك تنجح أيًا من تلك العمليات في علاج السبب الرئيسي للمرض لعدم معرفتهم بآلية المرض، ولكن من خضعوا لتلك العمليات عاشوا لسنوات تالية بحفر في جمجمتهم، وهذا دليل بسيط على دقة الجراحة في ذلك العصر، وكيفية الاهتمام بالجروح من هذا النوع المعقد.

الطب في العصر الحجري مذهل جدًا، وتفاجئ علماء الآثار بما وجدوه من آثار على الهياكل العظمية أو رسومات على جدران الكهوف، تثبت التقدم الطبي الذي توصل إليه الإنسان الحجري القديم منذ آلاف السنين، وتأكدوا بأنهم مارسوا تقنيات طبية لم يتوصل لها العلم الحديث بالشكل المُتقن سوى بعد آلاف السنين من الخبرة والتجارب.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

4 × 3 =