الصوم عن الكلام

الصوم عن الكلام من الطرق التي مارسها الكثير من الناس لأغراض متنوعة ولكن حديثا ومع انتشار البوذية ومن بعدها مراكز اليوجا ومنتجعات التأمل الروحاني وغيرها أصبح الصوم عن الكلام إحدى التمارين التي تجعل الإنسان في حالة ذهول كبيرة، ونقول لماذا، لأن الصوم عن الكلام يجعل الإنسان ينفرد بأفكاره، ينفرد بنفسه، يخلو إليها ويحدثها، يعاتبها ويستمع إليها ويتكلم معها كل هذا وهو مع نفسه، لا ريب أن الإنسان يحتاج إلى التواصل مع الآخرين على الدوام والتحدث إليهم ولكن الصوم عن الكلام لفترة معينة قادر على تعويد الإنسان تدريجيا على عدم الحديث إلا لضرورة، والحقيقة محاولة فهم هل هذا جيد أم لا يستلزم الكثير من النقاش حوله، لذلك فكرنا في كتابة هذا المقال الذي سنستفيض فيه حول الصيام عن الكلام.

أهمية الصوم عن الكلام

الصوم عن الكلام أهمية الصوم عن الكلام

الصّوم عن الكلام له فوائد كبيرة ومهمة، بالطبع ستقرأ على الإنترنت الكثير من التجارب التي تتحدث عن صعوبة الأمر في البداية وعن كونهم رأوه سخيفا خصوصًا في أول يومين قبل أن يتصالحوا معه في الأيام التالية، ولعل هناك مبالغة كبيرة في وصف البعض له بأنه أفضل شيء يمكن أن يحدث للإنسان لأنه يجعله لا يريد أن يتحدث مع الناس بعد ذلك ولكن هذا ليس صحيا ولا طبيعيا فهذا يعني خلل في علاقتك بالناس وليس خللا في الحديث إلى الناس بشكل عام، بالتالي فإن أهمية الصوم عن الكلام تكمن في عدة مواضع لا تنفي أهمية التواصل مع الناس وبناء جسور التواصل معهم ولا تنقضها بالطبع.

الصوم عن الكلام تصالح مع النفس

أفضل ما في الصوم عن الكلام أنه تصالح مع النفس ويتشكل التصالح مع النفس عند الصمت التام حين تبدأ نفسك تحدثك بكل مخاوفك، بكل هواجسك، بكل عيوبك وفي النهاية تجد نفسك متصالحا معها، تجد نفسك حتى متصالحا مع الأخطاء الكبيرة التي كنت تكره حتى أن تأتي بسيرتها مع نفسك من قبل أو تمر على شيء يذكرك بها، وذلك ما يزعجك في الأيام الأولى حيث تعاني من العقد النفسية التي تكونها هذه الهواجس ولكن عندما لا تجد وسيلة غير مواجهتها فإنك ستجد نفسك في النهاية لا تستطيع غير المواجهة، مواجهة هذه الأمور كلها برمتها، وتقبلها في النهاية وهذه هي الغاية الأعظم بالطبع لهذه التمارين.

فك الضغط وتخفيف الأعباء

من الأشياء التي من أجلها أصلا كان الصّوم عن الكلام هو فك الضغط وتخفيف الأعباء، نعيش في عالم قاسي وصارم، نركض من هنا إلى هنا ونهرول ما بين العمل والمنزل وقضاء المهام والمستشفيات والتأمينات وغيرها الكثير ولا نجد الفرصة حتى لالتقاط أنفاسنا، أعرف أشخاصا يذهبون للعمل من الصباح حتى المساء وبالكاد يستطيعون تناول وجبة ساخنة قبل النوم حتى يستيقظون مرة أخرى لتكرار نفس الدوامة، بالتالي كان الصوم عن الكلام كوسيلة لتخفيف هذه الضغوطات والإرهاق الذهني والجسدي الذي يشعر به الإنسان وأن رأسه عبارة عن أفكار مترامية كثيرة وصخب وزحام بالداخل يريد أن يتخلص منه ويتخفف عنه بالكامل وبالتالي فك الضغوطات المتراكمة وتخفيف الأعباء الثقيلة إحدى أهم ثمار الصوم عن الكلام .

التوقف عن الثرثرة الفارغة

نعيش في عالم حتى نحاول التآلف معه يجب أن نثرثر على الدوام، نثرثر مع الزملاء في العمل، مع الأصدقاء في المقهى، مع سائق التاكسي، مع فني تصليح مكيف الهواء، ثرثرة دائمة وبفضل وسائل التواصل الاجتماعي أصبحنا نلهث من كثرة الثرثرة ولك أن تتخيل أنك تتحدث مع ثلاثة أو أربعة أشخاص في نفس الوقت وعلى تطبيقات مختلفة، هل تعرف ما معنى أن تتحدث مع ثلاثة أشخاص في ثلاثة موضوعات مختلفة كل موضوع له طبيعة معينة ويلزمه شعور معين؟ الأمر بالطبع في منتهى الفوضى والغرابة والإرهاق الذهني، بالتالي الصوم عن الكلام حتى وإن بدا صعبا في البداية خصوصًا بالنسبة لنا وقد تعودنا على الثرثرة ولكن سيجعلنا نتخلص من تلك الفوضى التي سببتها لنا الثرثرة.

تعرف الإنسان إلى نفسه وتكوين شخصيته

دعونا نقول أن أي شخص هو نتاج بيئته، أي أنه نسخة من كل الأشخاص الذين في بيئته وسيكون نسخة ممسوخة وعديمة الطابع أو البصمة الشخصية لو بالغ في تأثره بهم ليس لديه بصمته الخاصة أو رؤيته الذاتية للأمور، وانطلاقا من هنا دعونا نقول أن هذه الرؤية الذاتية والطابع الشخصي لا يمكنا أن يتكونا بدون تأمل، وبدون تعرف الإنسان إلى نفسه وتكوين شخصيته، أي أنه طالما يتعرف على الأمور بعيون الآخرين ويبنى الرؤى الجاهزة ووجهات النظر المعلبة ولا يفكر في الموضوعات والقضايا بل يترك نفسه هكذا للمزاج العام كي يشكله فإن هذا الشخص لا يعرف أي شيء عن أي شيء ولكن الأسف الأكبر أنه لا يعرف نفسه أيضًا لأنه لم يستغل الفرصة في أي مرة للتعرف عليها، لفهمها وإدراك أبعادها وما تميل إليه، إن متعة اكتشاف الإنسان لنفسه من أجمل وأعظم المتع واللذات في الدنيا، وتمارين الصوم عن الكلام هي أكبر محفز والأسرع في تعرف الإنسان على نفسه من خلال تلك الساعات التي تضعه في مواجهة نفسه للتعرف عليها والتآلف معها.

الصوم عن الكلام يجعلك لا تخاف من الوحدة

لماذا نخاف الوحدة؟ هل سألت نفسك من قبل لماذا تخاف من الوحدة وتشكل بالنسبة لك ماردا أو وحشا عنيفا لا يمكنك أبدا تخيله؟ إليك الحقيقة، أنت تخاف من الوحدة لأنك تخاف من نفسك، لأنك لا تستطيع تحمل نفسك، لأنك لو تركت مع نفسك فأنت لا تعرفها وبالتالي تريد أن تتواصل أكثر مع الناس وتتعرف على أكبر قدر من الناس حتى تتعرف على نفسك من خلال عيون الآخرين، وبالتالي ينشأ الاغتراب بينك وبين نفسك ولا يوجد مساحة من الخصوصية بينكما، ويأتي الصوم عن الكلام بما أنه فرصة عظمى للتعرف على النفس والتآلف معها والتودد إليها ومواجهتها بالعيوب والأخطاء والعقد، وفهم هذه النفس وميولها كفرصة بالتبعية بالتآلف مع النفس وبالتالي التآلف مع الوحدة، ولا يعني هذا الاستغناء عن الناس بشكل كامل، ولكن تقدير ذاتك بشكل داخلي، ورؤيتها بالحجم الطبيعي لا كما تشعره من الآخرين.

الهدوء والتروي والتركيز

الصوم عن الكلام الهدوء والتروي والتركيز

الجميع يعرف أن العصبية والتوتر ينجمان عن رؤية الإنسان لنفسه وهو وحيدا وفي نفس الوقت مضغوطا ومتعبا ومع ذلك لا أحد يرحمه أو يشعر به، بالطبع هذا ليس حقيقيا ولكن بسبب عدم قدرة الإنسان على رؤية الحقائق فإن هذا ما يصوره له خياله ويتعامل معه كحقائق، ولكن بعد الصوم عن الكلام فإن الإنسان يجد في نفسه القدرة على الهدوء والتروي والتركيز، يجد في نفسه القدرة على التركيز وأن يصبح أكثر روية لأنه تعلم كيف يفكر من خلال التأمل العميق الذي فرضه عليه الصوم عن الكلام وجعله يستشعر حلاوة هذه العادة الرائعة.

الصوم عن الكلام له فوائده وله الثمار التي نجنيها منه بمجرد التمرن عليه لمدة أسبوع فحسب، ستلقى أثره بعدها بسهولة ولا ريب أن آثاره هذه ستكون إيجابية، فليس عليك أن تتواصل بكثرة أو تعمل بكثرة أو ترهق ذهنك وتضغط نفسك، بل أن تفعل كافة الأشياء بعمق.

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا

إحدى عشر + 19 =